بينما كنا نستعد
كيف تمضي الحياة من أمامنا ونحن منشغلون بالاستعداد لها؟
كتب: عبدالله العميره
من الخبر إلى الإنسان
بعد الأخبار والتقارير الجادة، تحاول بث أن تفتح نافذةً للحديث الفكري والوجداني، من القلب إلى القلب.
فالمتابع للوكالة يدرك أن بث لا تكتفي بتقديم الخبر، بل تصنع المعرفة من أبعاده وما بعده، وتقترب من الأفكار والأسئلة والمشاعر التي قد تجول في خاطر كل واحد منكم، ثم تمنحها صوتًا ومساحةً للتأمل.
لأن رسالتنا لا تنتهي حين نخبركم بما حدث، بل تبدأ حين نتشارك معكم: ماذا يعني لنا؟
نستيقظ كل صباح وفي أذهاننا قائمة طويلة:
عمل يجب أن يكتمل.
موعد ينبغي ألا نتأخر عنه.
هدف لم نصل إليه بعد.
مشكلة نريد حلها.
ومستقبل نعتقد أن الحياة الحقيقية تبدأ عند الوصول إليه.
نقول لأنفسنا:
سأرتاح حين أنتهي.
سأفرح حين أنجح.
سأزور من أحب حين يتسع الوقت.
سأعتني بنفسي بعد أن تهدأ الظروف.
سأعيش كما أريد حين تصبح الحياة أقل ازدحامًا.
لكن الحياة لا تهدأ تمامًا.
كلما انتهى عمل، جاء آخر. وكلما بلغنا هدفًا، ظهر في الأفق هدف أبعد. وكلما تجاوزنا مشكلة، فتحت الأيام أمامنا اختبارًا جديدًا.
ونظل نستعد للحياة، حتى نكتشف أن الحياة كانت تمضي بينما كنا نستعد لها.
غرفة الانتظار
المشكلة ليست في الطموح.
فالطموح يوقظ العقل، ويمنح الإنسان اتجاهًا، ويخرجه من التكرار إلى الإنجاز. وليس الخطأ أن نخطط للغد، أو نبني مستقبلًا أفضل، أو نبذل جهدًا من أجل حلم يستحق.
المشكلة تبدأ حين نتعامل مع أيامنا الحالية كأنها مجرد ممر إلى أيام أهم.
حين يصبح هذا اليوم وسيلة فقط.
وهذا العام مرحلة مؤقتة.
وهذا العمر مقدمة طويلة لحياة لم تبدأ بعد.
عندها تتحول الحياة كلها إلى غرفة انتظار.
نجلس فيها مترقبين خبرًا سعيدًا، أو مالًا أكثر، أو نجاحًا أكبر، أو ظرفًا مثاليًا، وننسى أن النافذة مفتوحة، وأن الشمس دخلت الغرفة، وأن إلى جوارنا أشخاصًا يحبوننا، وأن اللحظة التي ننتظرها قد تكون مختبئة داخل اللحظة التي لا نلتفت إليها.
الحياة العادية
نحن لا نفتقد الأيام الاستثنائية وحدها.
بل نفتقد، أكثر ما نفتقد، الأيام العادية التي لم ننتبه إليها.
صوت الأم وهي تنادينا.
حديث الأب الذي ظنناه يتكرر كثيرًا.
ضحكة صديق في جلسة لم نعرف أنها لن تتكرر بالصورة نفسها.
طفل كان يريد أن يحكي لنا قصة، فطلبنا منه أن يؤجلها لأننا مشغولون.
طريق اعتدنا المرور به، وبيت حسبنا أنه سيظل مفتوحًا دائمًا، ووجوه كنا نراها كل يوم فلم ندرك أنها كانت تمنح المكان معناه.
هذه التفاصيل لم تكن هامش الحياة.
كانت الحياة نفسها.
لكن الإنسان كثيرًا ما لا يعرف قيمة اللحظة إلا بعد أن تغادر الحاضر وتعود إليه في هيئة ذكرى.
حينها يتمنى لو استعادها، لا ليغيّر فيها حدثًا كبيرًا، بل ليعيشها هذه المرة بانتباه أكبر.
لماذا نؤجل الفرح؟
لأننا نربط الفرح بالاكتمال.
نريد أن تزول المشكلات كلها، وتستقر الظروف كلها، وتتحقق الأهداف كلها، ثم نسمح لأنفسنا بالسعادة.
لكن الاكتمال ليس من طبيعة الحياة.
لن يأتي يوم تتوقف فيه الأسئلة، وتنتهي فيه المسؤوليات، ويصبح فيه كل ما حولنا مطابقًا لما نريد.
الحياة لا تقدم نفسها إلينا مكتملة.
تأتي ممزوجة:
نجاح ومعه تعب.
لقاء وفي داخله احتمال الفراق.
طمأنينة تمر بجوار قلق.
لحظة جميلة لا تخلو من شيء ناقص.
ومن ينتظر حياة بلا نقص، قد ينتظر طويلًا، ويفوته الجمال الموجود داخل النقص نفسه.
فالفرح ليس مكافأة تمنحها لنا الحياة بعد حل جميع المشكلات.
إنه قدرة نتعلمها ونحن نواجهها.
سعادة مؤجلة
قد يقول الإنسان:
حين أحصل على الوظيفة سأكون سعيدًا.
ثم يحصل عليها، فيبدأ انتظار الترقية.
وحين تأتي الترقية، ينتظر الاستقرار.
وحين يستقر، يبحث عن إنجاز أكبر.
ولا يعني ذلك أن الأهداف بلا قيمة، بل يعني أن العقل يتكيف سريعًا مع ما يصل إليه، ثم ينقل السعادة إلى محطة أخرى.
نطارد المستقبل، وكلما اقتربنا منه ابتعد خطوة.
ليس لأنه يخدعنا، بل لأننا وضعنا فيه ما لا يستطيع أن يقدمه وحده.
فالنجاح يمنح الرضا، لكنه لا يضمن السلام.
والمال يوسع الخيارات، لكنه لا يصنع المعنى.
والمنصب يمنح صاحبه تأثيرًا، لكنه لا يعوضه عن عمر عاشه بعيدًا عمن يحب.
والإنجاز جميل، لكنه يصبح أكثر جمالًا حين لا يكون ثمنه أن نفقد أنفسنا في الطريق إليه.
هل يسرقنا الطموح؟
الطموح لا يسرق العمر.
الذي يسرقه هو أن نجعل قيمتنا معلقة بما لم نحققه بعد.
أن يظل الإنسان يقول لنفسه: لست كافيًا حتى أصل.
لست جديرًا بالراحة حتى أنتهي.
لا يحق لي أن أفرح قبل أن أثبت نجاحي.
هنا لا يعود الطموح جناحًا، بل يتحول إلى قاضٍ لا يرضى.
وكلما حقق الإنسان إنجازًا، طالبه بآخر قبل أن يسمح له بأن يلتقط أنفاسه أو ينظر خلفه ليرى المسافة التي قطعها.
الطموح الجميل لا يحتقر الحاضر.
يبني المستقبل، لكنه يحتفي بخطوات الطريق.
يدفع الإنسان إلى الأمام، من دون أن يقنعه بأن حياته تبدأ بعد خط النهاية.
الخطوط لا تنتهي
في الحياة خطوط نهاية كثيرة، لكنها تتحول سريعًا إلى خطوط بداية.
نتخرج، فنبدأ العمل.
نحصل على الوظيفة، فنبدأ إثبات الذات.
نبني البيت، فنبدأ الاهتمام به.
نكبر الأبناء، فنشتاق إلى طفولتهم.
نصل إلى المكان الذي كنا نحلم به، فنكتشف أن أمامه طريقًا جديدًا.
ولهذا، فإن من يؤجل عيشه إلى ما بعد الوصول لن يعيش طويلًا؛ لأن الوصول نفسه لا يدوم إلا لحظة، ثم يتحول إلى رحلة أخرى.
أما من يتعلم أن يعيش الطريق، فإنه يربح الهدف وما قبله.
يفرح بالنتيجة، لكنه لا يهمل البدايات.
ويحتفي بالوصول، لكنه يعرف أن التعب والانتظار والمحاولات كانت جزءًا من القصة، لا وقتًا ضائعًا منها.
حين يصبح الانشغال هوية
بعض الناس لا يعرفون أنفسهم بعيدًا عن العمل.
إذا هدأت الحياة شعروا بالذنب.
وإذا أخذوا إجازة ظلوا يراقبون هواتفهم.
وإذا جلسوا مع من يحبون، بقي نصفهم في اجتماع لم ينتهِ، أو رسالة لم تصل، أو مشروع يخشون أن يتأخر.
ليس كل انشغال دليل أهمية.
وقد تكون كثرة الأعمال أحيانًا وسيلة للهروب من سؤال أبسط وأصعب:
هل أنا سعيد؟
فالعمل يمنحنا دورًا واضحًا، ومواعيد محددة، ونتائج يمكن قياسها. أما الحياة الداخلية فلا تقدم تقارير أسبوعية، ولا ترسل إنذارًا حين تذبل.
قد ينجح الإنسان في إدارة مؤسسة كاملة، ويؤجل إدارة قلبه.
وقد يعرف أدق التفاصيل عن العالم، ولا ينتبه إلى أن شخصًا قريبًا منه بدأ يبتعد بصمت.
وقد يمضي سنوات في بناء بيت جميل، من دون أن يجد وقتًا كافيًا للجلوس فيه مع أهله.
الحاضر ليس عدو المستقبل
أن تعيش يومك لا يعني أن تهمل غدك.
وأن تفرح بما لديك لا يعني أن تتوقف عن طلب الأفضل.
وأن ترتاح لا يعني أنك كسول.
وأن تجلس مع أسرتك لا يعني أنك أضعت ساعة كان يمكن أن تعمل فيها.
الفكرة ليست أن نختار بين الحياة والنجاح.
بل أن نرفض نجاحًا لا يترك لنا حياة.
يمكن للإنسان أن يعمل بجد، ويعود إلى بيته حاضرًا بقلبه.
أن يخطط للسنوات المقبلة، ويستمتع بفنجان قهوة هذا الصباح.
أن يسعى إلى زيادة ماله، ويعرف أن بعض أغنى لحظاته لا تُشترى.
أن يريد مستقبلًا أجمل لأبنائه، ولا يفوّت طفولتهم وهو يبنيه لهم.
التوازن ليس توزيع الساعات بالتساوي.
إنه أن يحصل كل مهم في حياتنا على حضور حقيقي، لا على بقايا الوقت.
انتبه لما لا يتكرر
ليست كل الأشياء قابلة للتعويض.
يمكن تأجيل صفقة.
وإعادة ترتيب اجتماع.
وتعديل خطة.
والبدء في مشروع من جديد.
لكن طفلًا لن يبقى في عمره الحالي حتى ننتهي.
ووالدان لن يظلا بالقوة نفسها إلى أن تخف أعمالنا.
وصديق قد يبتعد قبل أن نجد المساحة المناسبة للقائه.
ونحن أيضًا لن نبقى دائمًا بالروح والطاقة نفسيهما.
بعض الفرص لا تأتي في هيئة عقود أو مكاسب.
تأتي في هيئة مساء هادئ مع العائلة.
أو مكالمة كان يمكن أن نؤجلها، فاخترنا ألا نفعل.
أو كلمة طيبة قلناها في وقتها.
أو اعتذار أنقذ علاقة قبل أن يكبر الجفاء.
أو ضحكة لم نسأل بعدها: هل انتهينا؟ لأننا كنا نعيشها حقًا.
لا تحتاج إلى مناسبة
لا يحتاج الفرح دائمًا إلى سبب كبير.
قد يكون في وجبة تحبها.
في طريق تسلكه ببطء.
في صوت شخص افتقدته.
في كتاب يعيدك إلى نفسك.
في نوم هادئ بعد يوم متعب.
في خبر صغير لا يغير العالم، لكنه يضيء يومك.
وفي أن تنظر حولك فجأة وتدرك أن أشياء كثيرة كنت تدعو الله بها يومًا أصبحت جزءًا عاديًا من حياتك.
نحن نعتاد النعم حتى تفقد دهشتها.
لكنها لا تفقد قيمتها.
البيت الذي لم نعد نراه كان حلمًا.
والعمل الذي نتذمر منه ربما كان بابًا انتظرناه.
والأشخاص الذين نؤجل الحديث معهم قد يكون وجودهم أعظم ما نملكه.
والصحة التي نستخدمها بلا انتباه كنز لا يظهر ثمنه إلا حين تتعب.
الامتنان لا يجعل الحياة كاملة.
لكنه يجعل ما فيها مرئيًا.
اجعل الفرح عادة
لا تنتظر أن تأتيك الحياة خالية من المتاعب.
اصنع داخلها مساحات صغيرة لا تدخلها المشكلات كلها.
لحظة في الصباح لا تبدأ فيها بهاتفك.
موعد لا تؤجله مع من تحب.
وقت تمشي فيه بلا هدف إنتاجي.
يوم تحتفل فيه بإنجاز صغير قبل أن تطالب نفسك بإنجاز أكبر.
رسالة شكر لا تنتظر مناسبة.
زيارة تأتي لأن القلب اشتاق، لا لأن الواجب دعا.
هذه التفاصيل لا تعطل مسيرة الإنسان.
بل تحميه من أن يصل منهكًا إلى كل ما أراد، ثم يكتشف أنه لم يعد يملك القدرة على الاستمتاع به.
بعض البطء نجاة
العالم يدفعنا إلى السرعة.
أسرع في التعلم.
أسرع في الإنجاز.
أسرع في الرد.
أسرع في الوصول.
حتى الراحة أصبحت نشاطًا نريد إنجازه بكفاءة.
لكن الروح لا تعمل بسرعة الأجهزة.
تحتاج إلى وقت كي تفهم، وكي تتعافى، وكي تحزن، وكي تسامح، وكي تستعيد دهشتها.
بعض البطء ليس تأخرًا.
إنه فرصة كي تلحق بنا أنفسنا.
أن نجلس قليلًا ونفهم لماذا نركض، وإلى أين، وما إذا كان الطريق الذي نبذل العمر فيه يقودنا فعلًا إلى ما نحب.
فالسرعة قد توصلنا مبكرًا، لكنها لا تضمن أننا وصلنا إلى المكان الصحيح.
ما زال الوقت حاضرًا
ليست هذه دعوة إلى الندم على ما مضى.
الندم الذي يستهلك الحاضر يعيد الخطأ نفسه؛ يجعلنا نفوّت اليوم ونحن نتحسر على الأمس.
الماضي لا يعود، لكنه يستطيع أن يعلمنا كيف نحسن استقبال ما تبقى.
وما دام الإنسان قادرًا على أن ينتبه، فثمة بداية جديدة.
يمكنه أن يتصل اليوم بمن اشتاق إليه.
أن يعتذر.
أن يسامح.
أن يعود إلى حلم قديم.
أن يستريح من دون أن يدافع عن حقه في الراحة.
أن ينظر إلى وجه يحبه من دون أن يكون نصف انتباهه في الهاتف.
أن يعيش يومًا عاديًا كما لو أنه يعرف قيمته قبل أن يتحول إلى ذكرى.
لا يحتاج الأمر إلى تغيير الحياة كلها.
أحيانًا يكفي أن نغير طريقة حضورنا فيها.
غدًا جميل أيضًا
ليس المستقبل متهمًا.
هو مساحة للأمل، وموعد مع احتمالات لم تولد بعد، وأرض نزرع فيها اليوم ما نريد أن نجنيه لاحقًا.
لكن الغد يكون أجمل حين نصل إليه أحياء من الداخل، لا مستنزفين من طول الانتظار.
ابنِ مستقبلك.
خطط له.
اعمل من أجله.
احلم بما يبدو بعيدًا.
لكن خذ معك قلبك.
لا تتركه في محطة قديمة، ولا تطلب منه أن يصمت إلى أن تنتهي الأعمال كلها.
اجعل لكل يوم نصيبًا من الحياة، حتى لا يكون المستقبل تعويضًا عن حاضر أهملناه، بل امتدادًا جميلًا لحاضر عرفنا كيف نعيشه.
بينما كنا نعيش
ربما لا نحتاج إلى وقت أكثر.
ربما نحتاج إلى انتباه أكثر.
أن نرى من يجلس أمامنا.
أن نسمع الضحكة كاملة.
أن نشكر الله على ما وصل إلينا قبل أن نطلب المزيد.
أن نعرف أن الإنجاز جزء من الحياة، وليس الحياة كلها.
وأن نترك في جداولنا مكانًا لأشياء لا تنتج مالًا، لكنها تنتج المعنى.
فأجمل نهاية لهذه القصة ليست أن نقول يومًا:
لقد حققنا كل ما أردنا.
بل أن نقول:
عملنا، ونجحنا، وتعبنا، ونهضنا، وأحببنا، وفرحنا، وكنا حاضرين في أيامنا.
لم تمر الحياة من أمامنا ونحن نستعد لها.
لقد جاءت، ففتحنا لها الباب.
ولم ننتظرها عند محطة بعيدة.
كنا نعيشها، بينما كنا نبنيها.