اقرؤوا التاريخ
السعودية لا تستعجل الرد، ولا تنسى الخطر.. تتغير حولها القوى، وتسقط المشروعات المعادية، وتبقى الدولة
كتب: عبدالله العميره
ليست كل دولة قوية محبوبة.
فالقوة تجلب الأصدقاء الذين يبحثون عن شريك موثوق، وتجذب في الوقت نفسه خصومًا يخشون صعودها، وحاسدين يزعجهم نجاحها، ومغامرين يسيئون تفسير هدوئها.
وكلما كانت الدولة آمنة، مؤثرة، سريعة النمو، مستقلة القرار، ازدادت حولها دوائر المصالح؛ منها من يقترب للتعاون، ومنها من يقترب للمراقبة، ومنها من يتربص بحثًا عن ثغرة.
هذه ليست خصوصية سعودية، بل قاعدة في التاريخ.
لكن الخصوصية السعودية تكمن في الطريقة التي أدارت بها المملكة صداقاتها وخصوماتها: لا تشتري الصديق بالتنازل عن سيادتها، ولا تستدعي العدو بالاستعراض، ولا تحول كل اختلاف إلى معركة، ولا تسمح بأن يُفهم صبرها على أنه خوف.
هنا يصبح التاريخ أكثر من سجل للماضي.
يصبح مفتاحًا لفهم الدولة السعودية.
بين الحكمة والطيش
الحكمة ليست ترددًا.
هي القدرة على رؤية نهاية الطريق قبل اتخاذ الخطوة الأولى، وحساب ما سيحدث بعد القرار، لا الاكتفاء بلحظة اتخاذه.
أما الطيش، فهو أن يرفع صاحبه صوته قبل أن يعرف ماذا يريد، وأن يبدأ معركة قبل أن يحسب كلفتها، وأن يخلط بين الجرأة والاندفاع، وبين القوة والضجيج.
الحكيم لا يهرب من المواجهة، لكنه يختار زمانها ومكانها وأدواتها.
والطائش قد يربح لحظة، لكنه يخسر المسار؛ لأنه يستهلك قوته في إثباتها، بينما تحتفظ الدول الحكيمة بقوتها لتحمي بها مصالحها.
بين الحلم والسفه
الحِلم ليس ضعفًا.
هو امتلاك القدرة على الرد، ثم اختيار الرد الذي يخدم الغاية، لا الذي يُشبع الغضب.
أما السفه، فهو أن يحكم الانفعال القرار، وأن تتحول الدولة أو الجماعة إلى أسيرة لتصريح، أو استفزاز، أو رغبة في تسجيل موقف سريع أمام الجمهور.
الحليم لا يعجز عن العقوبة، لكنه يعرف أن بعض الخصوم يهزمون أنفسهم إذا تُركوا لاندفاعهم.
ولهذا، لا تدخل الدولة الراسخة كل معركة تُدعى إليها، ولا ترد على كل صوت، ولا تمنح كل خصم قيمة أكبر من حجمه.
بين الصبر والخوف
الصبر ليس قبولًا بالإهانة، والخوف ليس تجنبًا مؤقتًا للصدام.
الفرق بينهما يظهر في النتيجة.
الخائف يتراجع ويتخلى عن مصالحه كي يؤجل المواجهة.
أما الصابر، فيثبت على مصالحه، ويجمع عناصر قوته، ويمنح خصمه فرصة للمراجعة، ثم يتحرك حين يصبح التحرك ضرورة.
وهناك فرق آخر بين الصبر والتبرم.
المتبرم ينتظر وهو غاضب ومضطرب، فيستهلك نفسه قبل أن يصل إلى قراره. أما الصابر فيعمل أثناء الانتظار؛ يبني، ويخطط، ويراقب، ويستعد.
وهذا هو الصبر في مفهوم الدول: ليس سكونًا، بل عمل هادئ تحت سطح الأحداث.
الصبر الذي يهزم خصمه
تقول الحكمة العربية: «من صبر ظفر»؛ لأن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل ثباتٌ يحرم الخصم من بلوغ غايته. وفي القول: «اصبر على كيد الحسود، فإن صبرك قاتله» إشارة إلى أن الحسد يتغذى على اضطراب المستهدف؛ فإذا واصل نجاحه، عاد الكيد على صاحبه.
ومن الأقوال العربية المأثورة: «سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري»؛ وهي تعبّر عن قوة الإرادة حين تتحول المحنة من أداة لإضعاف الإنسان أو الدولة إلى دليل على صلابتهما.
وحين يظن العدو أن الصبر السعودي قد نفد، وأن طول الأناة يعني غياب الرد، تأتي الضربة في اللحظة التي تختارها المملكة؛ قاسيةً على المعتدي، حاسمةً في حماية أمنها ومصالحها.
وهكذا كان الصبر في التاريخ السعودي: لم يكن خوفًا من الخصوم، بل قدرةً على البقاء والعمل والاستعداد، حتى يعجز الخصم عن بلوغ غايته.
وفي التاريخ عِبَر ودروس كثيرة، لمن يقرأ ويفهم.
دولة عادت بعد الهدم
بدأت الدولة السعودية الأولى في الدرعية عام 1139هـ/1727م على يد الإمام محمد بن سعود.
ولم تكن الجزيرة العربية آنذاك فضاءً سياسيًا هادئًا؛ بل كانت مناطق متفرقة، وطرقًا غير آمنة، وصراعات محلية، ونفوذًا خارجيًا يتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحةً لا دولة.
ومع اتساع الدولة السعودية الأولى، تحولت من كيان محلي إلى قوة سياسية، فأثارت مخاوف الدولة العثمانية، التي دفعت بحملات عسكرية قادتها قوات محمد علي باشا. وبعد حصار طويل، سقطت الدرعية عام 1233هـ/1818م، وهُدمت عاصمتها، وأُسر الإمام عبدالله بن سعود ونُقل إلى إسطنبول حيث قُتل.
كان المشهد، في ظاهره، نهايةً كاملة.
العاصمة مدمرة، والقائد غائب، والقوة العسكرية متفوقة، والخصم يعتقد أنه أغلق صفحة الدولة إلى الأبد.
لكن ما لم تفهمه القوة الغازية أن الدولة لم تكن مباني الدرعية وحدها.
كانت فكرةً سياسية، وشرعيةً اجتماعية، وعلاقةً بين الحكم والناس. ولهذا، لم تمر سوى سنوات قليلة حتى أعاد الإمام تركي بن عبدالله تأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ/1824م، واتخذ الرياض عاصمة لها.
هُدمت المدينة، لكن الدولة عادت.
وهنا تظهر أولى العبر الكبرى: تستطيع الجيوش أن تهدم القصور والأسوار، لكنها لا تستطيع القضاء على دولة بقيت حاضرة في وجدان مجتمعها.
العودة الثالثة
تعرضت الدولة السعودية الثانية لصراعات داخلية وإقليمية انتهت بخروج الإمام عبدالرحمن بن فيصل وأسرته من الرياض في عام 1309هـ ،الموافق لعام 1891م
ومرة أخرى، بدا للمنافسين أن المشروع السعودي أصبح جزءًا من الماضي.
لكن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن لم يتعامل مع خسارة الرياض بوصفها نهاية، بل بوصفها مرحلة في طريق العودة. وفي عام 1319هـ/1902م، استعاد الرياض برجال قليلين، ثم بدأ مسيرة توحيد استمرت نحو ثلاثة عقود.
لم يكن توحيد البلاد مجرد سلسلة من المعارك.
كان مزيجًا من الشجاعة والتخطيط، والتحالف والمصالحة، والقتال عند الضرورة، واستيعاب الخصوم بعد انتهاء الصراع. وهذه هي النقطة التي لا يلتفت إليها بعض قراء التاريخ: الملك عبدالعزيز لم يكن قائد حرب فقط، بل كان قائد دولة يعرف أن كسب الأرض لا يكفي، وأن الأهم هو كسب الناس وبناء الاستقرار.
وفي عام 1351هـ/1932م، أُعلن توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة بدأت باستعادة الرياض وانتهت بقيام دولة ذات سيادة ووحدة وأمن.
لقد عاد المشروع السعودي للمرة الثالثة، لا لأن الطريق كان خاليًا من الأعداء، بل لأنه كان أعمق من أن ينتهي بانتصار خصم، وأقوى من أن يُختصر في معركة.
أعداء من عصور مختلفة
منذ قيام المملكة الحديثة، تبدلت صور الخصومة.
كانت في مرحلةٍ جيوشًا نظامية وحملات عسكرية، ثم أصبحت محاولات تطويق سياسي، أو تهديدات أيديولوجية، أو حملات إرهابية، أو صواريخ وطائرات مسيرة، أو حملات إعلامية منظمة تستهدف الثقة بالدولة وقيادتها ومجتمعها.
تغيرت الأدوات، لكن الخطأ الذي وقع فيه كثير من الخصوم ظل واحدًا: إساءة قراءة السعودية.
بعضهم رأى الحِلم ضعفًا.
وبعضهم ظن أن تجنب التصعيد عجز عن المواجهة.
وبعضهم راهن على إحداث شرخ بين القيادة والمجتمع.
وبعضهم اعتقد أن إشاعة أو أزمة أو حادثة عابرة تستطيع وقف مشروع دولة.
لكن المملكة لم تكن تبني ردودها على انفعال اللحظة. كانت تترك للخصم مساحة يكشف فيها أهدافه، وتمنح السياسة فرصتها، وتبني تحالفاتها، وتحمي الداخل، ثم تتحرك حين يكتمل القرار.
وحين واجهت موجات الإرهاب، لم تكتفِ بالملاحقات الأمنية؛ بل حاصرت الفكر والتمويل والتنظيم، وقدمت برامج للمناصحة وإعادة التأهيل، وفرقت بين من تورط ويمكن استعادته وبين من أصر على القتل والتخريب.
وحين تعرض أمنها وحدودها ومدنها ومنشآتها للتهديد، مارست حقها في الدفاع، لكنها لم تجعل الحرب مشروعها، ولم تسمح للمعركة بأن توقف التنمية في داخلها.
كان البناء مستمرًا، حتى في زمن الخطر.
الفعل يسبق القول
في الدول القلقة، تسبق الخطب الإنجاز.
وفي المملكة، غالبًا ما يسبق الفعلُ القولَ، ثم يأتي القول على قدر الفعل؛ فحين يظن بعض الجهلاء أن الصبر ضعف، تحضر نتيجة الأناة حاسمةً، بحكمةٍ لا تنفد.
لم تنتظر السعودية أن يقتنع الجميع بقدرتها على التحول؛ بدأت التحول. ولم تدخل في جدالات طويلة لإثبات إمكان تنويع اقتصادها؛ شرعت في بناء قطاعات جديدة، وفتحت أبواب الاستثمار، ووسعت حضور المرأة والشباب، وأنشأت مشاريع لم يكن يتخيل كثيرون إمكان تنفيذها بهذه السرعة.
ومع رؤية السعودية 2030، لم تعد المملكة تكتفي بحماية مكانتها، بل بدأت بإعادة تشكيلها.
نفذت أكثر من ألف إصلاح منذ إطلاق الرؤية، واتسعت مساهمة الأنشطة غير النفطية، ونمت قطاعات السياحة والتقنية والصناعة والترفيه والخدمات اللوجستية، وتحولت المملكة إلى مركز يستقطب رؤوس الأموال والعقول والفعاليات الكبرى.
وهذا النوع من التحول يضاعف عدد الأصدقاء؛ لأن النجاح يخلق فرصًا مشتركة.
لكنه يضاعف أيضًا عدد المنزعجين؛ لأن الدولة التي تتقدم بسرعة تغيّر موازين المصالح، وتكسر الصور القديمة، وتثبت أن المنطقة ليست محكومة بالبقاء في دائرة الأزمات.
ليس كل ناقد عدوًا
الدولة الواثقة لا تعتبر كل اختلاف عداوة، ولا كل نقد مؤامرة.
هناك من يختلف مع سياسة سعودية، وهناك من ينافس المملكة اقتصاديًا، وهناك من يحمل قراءة أخرى للأحداث. وهذا جزء طبيعي من العلاقات الدولية ومن حياة المجتمعات.
العدو هو من ينتقل من الاختلاف إلى الاستهداف، ومن المنافسة إلى التخريب، ومن النقد إلى التحريض، ومن الدفاع عن مصالحه إلى محاولة الإضرار بأمن المملكة ووحدتها وسيادتها.
والتمييز بين الناقد والخصم والعدو من صميم الحكمة السياسية.
فمن يخلط بينها يكثر معاركه بلا حاجة، أما الدولة الرشيدة فتحتفظ بأصدقائها، وتدير خلافاتها، وتراقب خصومها، وتردع أعداءها.
لماذا يكثر الأصدقاء؟
الأصدقاء لا يكثرون حول السعودية لقوتها المالية وحدها.
القوة قد تجذب المصالح المؤقتة، لكن الموثوقية هي التي تصنع العلاقات الطويلة.
مكانة المملكة تستند إلى ثقلها العربي والإسلامي، وموقعها الجغرافي، واقتصادها، ودورها في استقرار أسواق الطاقة، وحضورها السياسي، وقدرتها على تنفيذ ما تتعهد به.
كما أن الشريك الدولي يعرف أنه يتعامل مع دولة ذات مؤسسات وقرار مستقر، لا مع مزاج سياسي يتبدل كل صباح.
ولهذا تتجه إلى الرياض دول تختلف فيما بينها، وتلتقي فيها قوى متنافسة، وتطلب وساطتها أطراف لا تثق ببعضها. فالوسيط لا يُختار لأنه الأعلى صوتًا، بل لأنه الأكثر ثقة وقدرة على حفظ التوازن.
والقوة السعودية لا تقوم على كثرة الأعداء، بل على قدرتها على توسيع دائرة الأصدقاء، وتقليل مساحات العداء، ومنع الخصومة من التحول إلى تهديد.
لماذا يفشل الخصوم؟
ليس صحيحًا أن كل من اختلف مع المملكة سقط، ولا أن التاريخ يتحرك وفق قاعدة آلية تعاقب الأعداء.
لكن الثابت أن المشروعات التي قامت على إسقاط الدولة السعودية أو تفكيكها أو إخضاع قرارها فشلت.
فشلت لأنها تعاملت مع المملكة كمساحة جغرافية يمكن الضغط عليها، ولم تدرك أنها دولة تستند إلى مجتمع متماسك وذاكرة تاريخية ممتدة.
وفشلت لأنها استعجلت النتائج، بينما أدارت السعودية المواجهات بزمن الدولة، لا بزمن التصريح.
وفشلت لأنها أنفقت قوتها في الهدم، في حين واصلت المملكة استثمار قوتها في البناء.
فالخصم قد يملك صاروخًا، لكنه لا يملك مشروعًا.
وقد يملك منبرًا، لكنه لا يملك ثقة الناس.
وقد يستطيع إحداث ضرر مؤقت، لكنه لا يستطيع إيقاف دولة تعرف إلى أين تتجه.
الدولة التي تتعلم
البقاء وحده ليس دليل النجاح.
قد تبقى دول كثيرة، لكنها تبقى في مكانها.
أما التجربة السعودية، فتكشف قدرة نادرة على العودة والتعلم والتطور. لقد عادت الدولة بعد سقوطها الأول، وعادت بعد سقوطها الثاني، ثم بنت في طورها الثالث دولة لا تعتمد في قوتها على الذاكرة وحدها، بل على المؤسسات والاقتصاد والتعليم والتقنية والقوة الدفاعية والعلاقات الدولية.
المملكة لا تستمد ثقتها من أنها لم تتعرض للخطر.
بل من أنها تعرضت له مرارًا، وعرفته، وتعلمت منه، وخرجت أقوى.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يقرأها الصديق قبل العدو:
السعودية تحترم الصداقة، ولا تستصغر الخصومة.
تميل إلى السلام، لكنها لا تساوم على أمنها.
تصبر، لكنها لا تغفل.
تحلم، لكنها لا تعجز.
تتأنى، لكنها حين تقرر تمضي.
اقرؤوا التاريخ
من ظن أن هدم الدرعية أنهى الدولة، أخطأ.
ومن ظن أن خروج آل سعود من الرياض أنهى مشروعهم، أخطأ.
ومن اعتقد أن الإرهاب سيكسر المجتمع، أخطأ.
ومن تصور أن التهديد سيوقف التنمية، أخطأ.
ومن يقرأ الهدوء السعودي اليوم بوصفه ضعفًا، يكرر الخطأ نفسه.
لا يعني ذلك أن المملكة لا تواجه تحديات، ولا أنها محصنة من الأخطاء أو الأزمات. الدول الحية تُختبر باستمرار، وكلما كبرت طموحاتها ازدادت مسؤولياتها ومخاطرها.
لكن التاريخ السعودي يقدم حقيقة يصعب تجاهلها:
ليست القوة في ألا تسقط أبدًا، بل في أن تعرف كيف تنهض، ولماذا تنهض، وإلى أين تتجه بعد النهوض.
تعاقبت إمبراطوريات، وتبدلت تحالفات، واختفت قيادات ومشروعات رفعت يومًا شعارات القضاء على الدولة السعودية.
وبقيت المملكة.
لم تبقَ لأنها كانت الأكثر صخبًا، بل لأنها كانت الأطول نَفَسًا، والأرسخ جذورًا، والأقدر على تحويل المحنة إلى خبرة، والخطر إلى يقظة، والزمن إلى حليف.
ومن أراد أن يعرف مستقبل السعودية، فلا يكتفِ بسماع ما يُقال عنها اليوم.
اقرؤوا التاريخ.
السعودية تمضي، ومن يعاديها يسقط.
ليس هذا شعارًا من شعارات زمن المتخاذلين، ولا عبارةً يصنعها الحماس العابر؛ بل حقيقة عاشها السعوديون والسعوديات، ويشهدها كل محب، ويعرفها كل من يقرأ التاريخ جيدًا.
تمضي المملكة، ويبقى تاريخها شاهدًا: تتعاقب الخصومات، ويسقط المعتدون، وتبقى السعودية شامخة.