تكرار الهجمات من العراق

news image

 

الدفاعات السعودية تدمر مسيّرات جديدة استهدفت منشآت النفط في الشرقية.. والخارجية تؤكد حق المملكة في الرد على مصادر العدوان وردع المعتدين

الرياض | بث

اعترضت الدفاعات الجوية السعودية ودمرت عددًا من الطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية، في هجوم جديد انطلق من الأراضي العراقية ونفذته ميليشيات إرهابية تابعة لإيران.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي، إن المحاولات الإرهابية انطلقت مجددًا من العراق، مؤكدًا حق المملكة الأصيل في الدفاع عن نفسها ومقدراتها، واحتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين.

ويمثل الهجوم استمرارًا لمحاولات استهداف منشآت الطاقة السعودية عبر مسيّرات تطلقها ميليشيات مرتبطة بإيران من داخل الأراضي العراقية، بعد اعتراض الدفاعات السعودية هجمات مماثلة خلال الساعات والأيام الماضية.

الخارجية تدين استمرار الهجمات

أعربت وزارة الخارجية عن إدانة المملكة بأشد العبارات لاستمرار الميليشيات التابعة لإيران في العراق في إطلاق المسيّرات لاستهداف المنشآت البترولية في المنطقة الشرقية.

وأكدت الوزارة عزم المملكة على حفظ أمنها وسيادتها، واحتفاظها بحقها القانوني والمشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للرد على مصادر العدوان وردع المعتدين.

وجددت مطالبة الحكومة العراقية باتخاذ كل ما يلزم لضمان عدم استخدام أراضيها منطلقًا للعدوان على المملكة.

وترفع صياغة البيان مستوى الموقف السعودي من إدانة الهجمات والتحذير منها إلى تأكيد الحق في الرد على مصادر العدوان، بما يعني أن التعامل لن يقتصر بالضرورة على اعتراض المسيّرات بعد إطلاقها، بل يشمل الحق في مواجهة الجهات والمواقع التي تقف وراء تجهيزها وتوجيهها، وفق القانون الدولي.

موقف سعودي متكامل

جاء بيان الخارجية بعد تأكيدات متتالية من وزارة الدفاع ومجلس الوزراء بشأن الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية.

وكان مجلس الوزراء قد أدان اعتداءات الميليشيات الإرهابية التابعة لإيران في اليمن والعراق على المنشآت النفطية السعودية والسفن التجارية في البحر الأحمر، مؤكدًا أن المملكة لن تتهاون في حماية أمنها ومصالحها ومقدراتها الوطنية.

كما شدد على ضرورة اتخاذ الحكومة العراقية الإجراءات اللازمة لمنع استخدام أراضيها قاعدةً للاعتداء على الدول المجاورة.

وبذلك يتكون الموقف السعودي من ثلاثة مستويات مترابطة:

اعتراض عسكري يدمر المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها.

وتحرك سياسي يحمل الحكومة العراقية مسؤولية ضبط أراضيها.

وتأكيد قانوني لحق المملكة في الرد على مصادر العدوان وردع المعتدين.

مسؤولية العراق

لا تعني الإشارة إلى انطلاق الهجمات من العراق اتهام الدولة العراقية بتنفيذها، لكنها تضع حكومتها أمام مسؤولية سيادية مباشرة.

فاستمرار ميليشيات مسلحة في تجهيز المسيّرات وإطلاقها من الأراضي العراقية يعني وجود جهات تستطيع اتخاذ قرار عسكري عابر للحدود من خارج مؤسسات الدولة، وتعريض العراق لعواقب عمليات لم تقررها حكومته رسميًا.

ومع تكرار الهجمات بعد التحذيرات السعودية، لم يعد كافيًا إعلان رفض استخدامها أو النأي عنها؛ إذ يتطلب الأمر تحديد مواقع الإطلاق، وملاحقة المنفذين، وتعطيل شبكات التمويل والتسليح، ومنع تكرار الاعتداء بصورة قابلة للتحقق.

تحليل بث | استفزاز غير متكافئ

يكشف تكرار إرسال المسيّرات محاولة الميليشيات تحويل السلاح منخفض الكلفة إلى أداة استنزاف واستفزاز ضد دولة تمتلك جيشًا مؤسساتيًا وقدرات دفاعية متقدمة.

فالميليشيا لا تستطيع خوض مواجهة عسكرية متكافئة مع المملكة، ولذلك ترسل طائرات منفردة أو مجموعات محدودة، آملةً في تحقيق واحد من ثلاثة آثار:

إصابة منشأة حساسة.

إرباك الأسواق ورفع كلفة الحماية والتأمين.

أو دفع المملكة إلى رد متعجل تحاول إيران وميليشياتها استغلاله سياسيًا.

لكن الفرق لا يقتصر على حجم السلاح.

الميليشيا تطلق مسيّراتها من خارج إطار الدولة، ولا تتحمل بصورة مباشرة مسؤولية الحرب التي قد تشعلها.

أما الجيش المؤسسي، فيعمل ضمن قرار دولة، ويحدد الهدف والتوقيت وحجم الرد وفق تقدير عسكري وقانوني وسياسي.

لذلك لا يعكس ضبط النفس السعودي عجزًا عن الرد، بل يمنع الميليشيا من فرض توقيته وشكله. وفي المقابل، فإن تأكيد الحق في استهداف مصادر العدوان يعني أن استمرار الاعتداءات قد ينقل المواجهة من تدمير المسيّرات في الجو إلى ردع البنية التي تطلقها من الأرض.

المسيّرة المنفردة قد تكون محدودة الأثر عسكريًا، لكنها تحمل خطرًا أكبر إذا أخطأت الميليشيا قراءة الصبر السعودي.

فالدولة التي تختار وقت ردها لا تتخلى عنه؛ وإنما ترفض أن تمنح المعتدي حق اختيار المعركة نيابة عنها.

توقيت يكشف طريقة إيران

يتزامن إطلاق المسيّرات مع جولة إقليمية ودولية لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، شملت واشنطن وطهران وأنقرة، وتسبق زيارته المقررة إلى السعودية.

ويمنح هذا التزامن الهجمات بُعدًا يتجاوز محاولة إصابة منشأة نفطية.

فالزيدي يحاول تقديم العراق دولةً تستعيد قرارها، وتنفتح على شراكات متعددة، وتتعهد بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. أما الميليشيات، فتستخدم المسيّرات لإظهار أن قرار القوة والحرب خارج الحدود لا يزال قادرًا على تجاوز الحكومة.

وتؤدي الهجمات وظيفة سياسية واضحة:

إضعاف موقف رئيس الوزراء قبل وصوله إلى الرياض، وفرض ملف السلاح غير المنضبط على محادثاته، وإبلاغه بأن جولاته واتفاقاته لا تمنحه وحده السيطرة على حركة الجماعات المسلحة داخل بلاده.

لكن التوقيت يكشف أيضًا طريقة إيران في إدارة علاقاتها وأزماتها.

فقد استقبلت طهران رئيس الوزراء العراقي، ووقّعت حكومته معها اتفاقات، ثم واصلت ميليشياتها استخدام الأراضي العراقية لاستهداف السعودية، واضعةً ضيفها أمام أزمة دبلوماسية وأمنية مع الدولة التي يستعد لزيارتها.

وهذا دليل على أن القرار الإيراني لا يصدر عن مركز سياسي واحد، بل تتنازعه مؤسسات وأجنحة تتقدمها قيادة الحرس الثوري؛ ما يجعل الاتفاق مع الحكومة غير كافٍ لضمان التزام بقية مراكز القوة، ويضع صدقية التعهدات الإيرانية موضع اختبار دائم.

وهذا يعني أن إيران تتعامل مع الدولة العراقية وشبكة الميليشيات عبر مسارين متوازيين:

توقع الاتفاقات مع الحكومة، وتؤكد احترام سيادتها في العلن.

وتحتفظ، في الوقت نفسه، بقوى مسلحة تستطيع التحرك خارج مؤسساتها، والضغط عليها وإحراجها وتعطيل خياراتها عند الحاجة.

ولا يحتاج هذا الأسلوب إلى أن تصدر طهران تعليمات تفصيلية مع كل مسيّرة.

فقد بنت إيران شبكةً مسلحة، ومولتها وسلحتها ودربتها، وربطت بقاءها بمشروعها الإقليمي، حتى أصبحت هذه الجماعات تعرف الاتجاه الذي يخدم أهداف طهران وتتحرك داخله، سواء صدرت الأوامر في كل عملية أو كان المسار محددًا سلفًا.

وهنا تظهر وظيفة إنكار العلاقة بالميليشيات.

فطهران لا تحاول إقناع الحكومات وأجهزة الاستخبارات بأنها لا تعرف هذه الجماعات؛ لأن الروابط السياسية والعسكرية والمالية أصبحت مكشوفة.

إنها تستخدم الإنكار لتشتيت المسؤولية، وتعقيد تحديد الطرف الذي ينبغي الرد عليه، ورفع كلفة المواجهة القانونية والسياسية، مع الاحتفاظ بنتائج الهجوم إذا نجح والتنصل من عواقبه إذا فشل.

وبهذه الصيغة تحقق إيران ثلاث فوائد:

الضغط من دون إعلان حرب مباشرة.

وإحراج الحكومة العراقية وإضعاف قدرتها على الاستقلال بقرارها.

واختبار رد المملكة من خلال وكيل تحاول التنصل من مسؤوليته.

كما أن توسيع علاقات العراق مع الولايات المتحدة وتركيا والسعودية، وفتح مسارات جديدة للطاقة والاستثمار، يقلل اعتماد بغداد على طهران.

ولهذا تعمل القوى المرتبطة بإيران على تعطيل هذا المسار، وإبقاء العراق داخل بيئة أمنية يصبح فيها نفوذ السلاح أقوى من نفوذ الحكومة والاتفاقات.

لقد استهدفت الميليشيات السعودية، وأحرجت رئيس الوزراء العراقي بعد زيارته طهران، وكشفت أن الاتفاق مع إيران لا يعني توقف أدواتها المسلحة.

بل إن إحراج الزيدي قد يكون جزءًا من الرسالة نفسها:

يمكن لرئيس الحكومة أن يوقع الاتفاقات ويزور العواصم، لكن طهران تريد أن يبقى قرار تعطيل علاقات العراق وتحريك جبهاته في يد الشبكة التي بنتها داخله.

وبذلك لا تبدو المراوغة الإيرانية محاولة ساذجة لإقناع العالم بأنها لا تعرف الميليشيات.

إنها أسلوب لإدارة القوة من خلف ستار مكشوف:

الدولة توقع الاتفاق، والميليشيا تنفذ الضغط، ثم تترك طهران للآخرين عبء التعامل مع النتيجة.

النظام الإيراني، ممثلًا في الحرس الثوري، يدير ما تبقى من نفوذه بمعادلة أصبحت مكشوفة: توظيف سياسي لمفهوم التقية بإظهار خلاف ما يُبطن، والمماطلة لكسب الوقت، والتلون بتغير الظروف، واستخدام أساليب العصابات في تنفيذ ضربات متفرقة ثم التنصل منها، وتحريك ما تبقى من قوة مبعثرة عبر الوكلاء. لكنها معادلة تفقد فاعليتها عندما تنكشف عناصرها؛ فالإنكار لم يعد يخفي المسؤولية، والمراوغة لم تعد تمنع الآخرين من معرفة مصدر القرار واتجاهه وهدفه.

هل اقترب النهاية؟

تشير الهجمات المتفرقة إلى أن بقاء النظام الإيراني ومشروعه الإقليمي أصبح على المحك. فحين ينتقل الحرس الثوري من توسيع النفوذ إلى تحريك ما تبقى من قوة مبعثرة، في عمليات محدودة تستجلب عليه أضرارًا تفوق مكاسبها، فإن ذلك يكشف تضاؤل الخيارات واختلال تقدير العواقب.

وقد دخل النظام مرحلة لا يقاتل فيها لتصدير الثورة بقدر ما يقاتل لمنع سقوطها؛ لكن الأدوات التي بناها لحمايته أصبحت تستنزفه، والميليشيات التي وسعت نفوذه تحولت إلى أدلة تكشف مسؤوليته وتزيد خصومه. وإذا استمر هذا المسار، فلن تكون نهاية المشروع نتيجة ضربة واحدة، بل نتيجة تراكم قرارات قصيرة النظر تستهلك ما تبقى من قوته حتى يعجز عن حماية الداخل بالخطر الذي يصدره إلى الخارج.

 

متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره