إحباط مسيّرات من العراق تستهدف النفط السعودي

news image

الدفاعات السعودية تدمر الطائرات قبل وصولها إلى منشآت في الرياض والشرقية، والخارجية تؤكد حق المملكة في ردع المعتدين والرد على مصادر العدوان

الرياض | بث

أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عدد من الطائرات المسيّرة التي حاولت استهداف منشآت بترولية في منطقتي الرياض والشرقية خلال الساعات الماضية.

وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة، اللواء الركن تركي المالكي، إن المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، ونفذت الهجوم ميليشيات إرهابية تابعة لإيران.

وأكد المالكي حق المملكة الأصيل في الدفاع عن نفسها ومقدراتها، واحتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين.

ولم يحدد البيان عدد المسيّرات أو المنشآت المستهدفة، كما لم يعلن وقوع أضرار أو إصابات، ما يعني أن الدفاعات الجوية نجحت، وفق المعلومات الرسمية المتاحة، في منع الطائرات من الوصول إلى أهدافها.

الخارجية: الرد على مصادر العدوان

وفي بيان لاحق، أعربت وزارة الخارجية عن إدانة المملكة العربية السعودية بأشد العبارات للاعتداءات المستنكرة بالطائرات المسيّرة التي أطلقتها الميليشيات التابعة لإيران في العراق.

وأكدت المملكة عزمها على حفظ أمنها وسيادتها وردع المعتدين، وحقها في الرد على مصادر العدوان.

كما أكدت ضرورة اتخاذ الحكومة العراقية كل ما يلزم لضمان عدم استخدام أراضيها منطلقًا للاعتداء على المملكة.

وبذلك حدد الموقف السعودي ثلاثة مستويات للمسؤولية:

الميليشيات التي نفذت الهجوم.

وإيران التي تتبع لها تلك الميليشيات.

والحكومة العراقية التي تتحمل مسؤولية منع استخدام أراضيها منصة للاعتداء على دولة مجاورة.

الهجوم يتجاوز المسيّرات

تكمن خطورة الهجوم في ثلاث حقائق رئيسية.

الأولى أن أهدافه منشآت بترولية، ما يجعله اعتداءً على أمن الطاقة السعودي والعالمي، وليس محاولة عسكرية محدودة.

والثانية أن المسيّرات استهدفت منطقتين متباعدتين؛ المنطقة الشرقية حيث تتركز منشآت الإنتاج والمعالجة والتصدير، ومنطقة الرياض التي تضم منشآت حيوية ومراكز إدارة وتحكم.

أما الثالثة، فهي انطلاق الهجوم من الأراضي العراقية.

فبعد تهديد المنشآت والموانئ السعودية من اليمن والبحر الأحمر، يفتح استخدام الأراضي العراقية مسارًا شماليًا جديدًا، ويضع المملكة أمام محاولات ضغط تمتد عبر أكثر من جبهة.

التهديد يتحرك عبر شبكة من الجماعات المرتبطة بإيران، ويستخدم جغرافيا دول مختلفة  في محاولة لإرباك الدفاعات وتوزيع مصادر الخطر، مع إبقاء إيران بعيدة ظاهريًا عن التنفيذ المباشر.

لماذا المنشآت البترولية؟

اختيار المنشآت البترولية ليس عشوائيًا.

فالنفط هو المورد الأكثر قدرة على نقل أثر الهجوم من السعودية إلى العالم خلال دقائق.

قد يبقى أثر استهداف منشأة عسكرية داخل الحسابات الأمنية، أما استهداف منشأة نفطية فينتقل فورًا إلى أسعار الخام، وتكاليف التأمين والشحن، وقرارات الأسواق والبنوك المركزية.

وهذا الاختيار لا يصدر عن تخطيط ميليشيا بدائية تقتصر مهمتها على إطلاق المسيّرات والصواريخ، بل يكشف عن تخطيط دولة حرب تبني استراتيجيتها على نشر الخطر وتوسيع أثره، حتى وإن استخدمت وسائل محدودة لا تحقق أهدافًا عسكرية أو اقتصادية مؤثرة.

وفي قراءة أولية لهذه المحاولة الإرهابية، يتضح أن المهاجم يسعى إلى تحقيق عدة أهداف:

إظهار قدرته على الوصول إلى العمق السعودي من أكثر من اتجاه.

رفع كلفة حماية شبكة واسعة من المنشآت وخطوط الأنابيب والموانئ.

إثارة القلق في الأسواق، حتى مع فشل الهجوم ميدانيًا.

الضغط على المملكة بسبب دورها في استقرار إمدادات الطاقة.

وتوسيع الحرب دون الدخول في مواجهة إيرانية مباشرة ومعلنة مع السعودية.

وبذلك تصبح المسيّرة أداة عسكرية وإعلامية واقتصادية في وقت واحد.

فقد تفشل في إصابة المنشأة، لكنها تحاول إصابة الثقة باستمرار الإمدادات.

ماذا تريد إيران ووكلاؤها؟

ينسب البيان السعودي العملية إلى ميليشيات تابعة لإيران .

ما يعني أن الهجوم ضمن نمط إيراني يقوم على استخدام الجماعات المسلحة لتحقيق أهداف إقليمية، مع الاحتفاظ بمسافة تسمح لطهران بالإنكار أو تجنب المسؤولية المباشرة.

وتشير قراءة توقيت الهجوم واتجاهه وأهدافه إلى أربعة مقاصد محتملة.

لماذا السعودية؟

لا يعني استهداف السعودية أن الميليشيات تراها عاجزة عن الرد أو هدفًا سهلًا، بل يكشف أنها تدرك مكانة المملكة بوصفها مركزًا للطاقة والاستقرار والتأثير السياسي في المنطقة.

فمحاولةضرب منشأة سعودية، يحاول إثارة القلق في أسواق النفط، ورفع تكاليف التأمين والشحن، والضغط على دولة تؤدي دورًا في منع اتساع الحرب وفتح مسار سياسي لإنهائها.

لكن لماذا لا تُكلف هذه الميليشيات بمهاجمة إسرائيل أو البوارج الأميركية؟

لأن مهاجمة البوارج أهدافًا متحركة وشديدة التحصين تتطلب قدرات استطلاع وتوجيه أكثر تقدمًا، كما أنها قد تستدعي ردًا أميركيًا مباشرًا وفوريًا على مواقع الإطلاق والقيادة.

أما مهاجمة إسرائيل، فتواجه مسافات ومسارات جوية ومنظومات دفاع معقدة، وقد تكشف بصورة أوضح صلة إيران بالعملية وتمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مبررًا لتوسيع الحرب على طهران نفسها.

في المقابل، تحاول إيران توزيع الأدوار وفق جغرافيا وكلائها:

ميليشيات العراق تضغط من الشمال.

والحوثيون يهددون من الجنوب والبحر الأحمر.

بينما تحتفظ طهران بقواتها وأسلحتها المباشرة لإدارة مستوى المواجهة وتجنب دفع ثمن جميع العمليات بنفسها.

ولا يجعل ذلك السعودية هدفًا أقل قدرة على الرد، بل هدفًا أعلى قيمة في الحسابات الإيرانية؛ لأن الاعتداء عليها يمس الطاقة والممرات والاستقرار الإقليمي في وقت واحد.

لكن هذه الحسابات قد تتحول إلى خطأ استراتيجي.

فالمملكة التي تعمل على إيقاف الحرب لا تقبل أن تتحول جهودها الدبلوماسية إلى غطاء للاعتداء عليها، وضبط الرد لا يعني غيابه، بل يعني أن الرياض هي التي تحدد هدفه وتوقيته وحدوده.

وبذلك لا يكشف محاولات الوكلاء عن ضعف سعودي، بل عن محاولة إيرانية لتعويض صعوبة مواجهة الخصوم المباشرين باستخدام وكلاء وجبهات متعددة، وهي محاولة قد تدفع المملكة من موقع الساعي إلى التهدئة إلى موقع صانع الردع.

محاولة تطويق المملكة

بعد التصعيد الحوثي من الجنوب والبحر الأحمر، يمثل إطلاق المسيّرات من العراق محاولة لإظهار السعودية وكأنها معرضة للضغط من الشمال والجنوب والشرق.

ولا تقوم الغاية على احتلال أرض أو تعطيل جميع المنشآت، بل على إجبار المملكة على توزيع دفاعاتها ورفع جاهزيتها على مساحة جغرافية واسعة.

لكن تعدد الجهات المنفذة لا يخفي وحدة الهدف:

محاولة اختبار الدفاعات، وتهديد الطاقة، ورفع كلفة الاستقرار  للعالم الذي توفره المملكة للمنطقة والأسواق.

إفساد الهدوء

جاء الهجوم في وقت توقفت فيه الضربات الأميركية على إيران، ومنحت واشنطن المحادثات فرصة جديدة.

وقد تسعى بعض الجماعات المرتبطة بطهران إلى استغلال التوقف لإثبات حضورها، أو تحسين موقع إيران التفاوضي، أو منع التهدئة من تقليص دور الميليشيات ونفوذها.

لكن هذا السلوك قد يحقق نتيجة عكسية.

فهو يقدم دليلًا على أن وقف الضربات على إيران لا يعني توقف التهديد الذي تمثله شبكتها الإقليمية، وأن أي اتفاق لا يعالج نشاط الوكلاء قد يوقف جبهة ويفتح جبهات أخرى.

ولا ينبغي التعامل مع استخدام الوكلاء وكأنه ستار نجحت إيران في الاختباء خلفه. فارتباط هذه الميليشيات بالحرس الثوري، وتسليحها وتمويلها وتدريبها وتوجيهها، لم يعد مجهولًا للولايات المتحدة وحلفائها أو لدول المنطقة.

وطهران لا تراهن على إقناع العالم بأن هذه الجماعات لا تتبع لها، بل على توزيع كلفة الحرب؛ تضرب بأذرعها، ومن أراضي دول أخرى، ثم تترك تلك الأذرع والدول تتحمل جانبًا من الرد والعواقب.

وقد تختار الميليشيا توقيت العملية أو بعض تفاصيلها، لكن ذلك لا يمحو مسؤولية من أنشأ قدرتها وحدد خصومها ومدّها بالسلاح. فالاستقلال التنفيذي المحدود لا يعني استقلال المشروع أو الهدف.

ولهذا لا يغير التنصل الإيراني من حقيقة المسؤولية، ولا يكشف استخدام الوكلاء عن قدرة خفية بقدر ما يكشف ضيق خيارات الحرس الثوري في مواجهة خصومه مباشرة؛ فهو يحاول إثبات بقائه قادرًا على الإيذاء، لكن بأدوات باتت صلتها به مكشوفة.

ولا يكفي أي اتفاق يوقف النار مع إيران ويترك أذرعها قادرة على مواصلة مهمتها؛ لأن الحرب عندئذ لا تنتهي، بل تنتقل من الدولة التي صنعتها إلى الميليشيات التي صنعتها الدولة.

اختبار الدفاعات

تُستخدم هجمات المسيّرات أحيانًا لاختبار سرعة الرصد والاستجابة، وتحديد مسارات الاعتراض، والبحث عن فجوات يمكن استغلالها في هجمات لاحقة.

وقد يكشف توزيع المسيّرات بين الرياض والمنطقة الشرقية محاولة لقياس قدرة منظومة الدفاع على التعامل مع أهداف متزامنة ومتباعدة.

ولا ينبغي قياس العملية بما أصابته أو لم تصب فقط، بل بما حاول العدو معرفته عن الدفاعات السعودية، وبما قد يخططون لتنفيذه لاحقًا.

إحراج بغداد

إطلاق الهجوم من العراق يضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية سيادية مباشرة.

فإما أن تثبت قدرتها على منع استخدام أراضيها للاعتداء على دولة مجاورة، أو تظهر الميليشيات أقوى من سلطة الدولة في امتلاك قرار الحرب والسلم.

وقد يكون خلق توتر بين الرياض وبغداد أحد أهداف العملية، خصوصًا مع توسع العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين خلال الأعوام الأخيرة.

فالميليشيات لا تستهدف المنشآت السعودية وحدها، بل تحاول أيضًا وضع العراق أمام مواجهة لا يختارها، والإضرار بعلاقاته مع محيطه العربي.

العراق ليس الميليشيات

من المهم التمييز بين الدولة العراقية والجماعات التي تعمل داخل أراضيها.

فالموقف السعودي قال إن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، ونفذته ميليشيات تابعة لإيران، ولم ينسبه إلى الحكومة أو القوات المسلحة العراقية.

وهذا التفريق ضروري؛ لأنه يمنع المنفذين من تحقيق هدف مزدوج:

لكن احترام سيادة العراق لا يعفي حكومته من المسؤولية عن التحقيق في مواقع الإطلاق، وتفكيك البنية التي نفذت الهجوم، ومحاسبة المتورطين، وضمان عدم تكراره.

فسيادة الدولة لا تعني رفض اتهامها فقط، بل قدرتها على منع أراضيها من التحول إلى منصة لاعتداءات عابرة للحدود.

ومن هنا جاءت صياغة الخارجية السعودية دقيقة وحازمة.

لم تتهم بغداد بتنفيذ الهجوم، لكنها طالبتها باتخاذ كل ما يلزم لمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقًا للعدوان.

وهي صياغة تتجاوز طلب الإدانة أو فتح تحقيق، إلى المطالبة بإجراء عملي يوقف الخطر.

من الاعتراض إلى الردع

يكمل بيان الخارجية ما بدأه بيان وزارة الدفاع.

فوزارة الدفاع أعلنت إحباط الهجوم، وحددت مصدر انطلاق المسيّرات والجهة المنفذة، وأكدت الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين.

أما الخارجية، فانتقلت خطوة إضافية عندما تحدثت عن الرد على مصادر العدوان، لا عن المسيّرات بعد إطلاقها فقط.

وهذا التعبير يوسع نطاق الرسالة السعودية.

فمصدر العدوان قد يشمل مواقع الإطلاق، وشبكات القيادة والسيطرة، وخطوط الإمداد، والجهات التي توفر السلاح والتمويل والمعلومات، متى ثبتت مسؤوليتها وحددها التقدير السعودي.

كما أن استخدام عبارة ردع المعتدين يعني أن الهدف ليس معاقبة منفذي الهجوم الماضي وحده، بل منع الهجوم التالي.

فالاعتراض يحمي المنشأة من المسيّرة التي أُطلقت.

أما الردع، فيجعل الجهة المعادية تعيد حساباتها قبل إطلاق مسيّرة جديدة.

كيف تتعامل السعودية؟

تتعامل المملكة مع الحادث عبر مسارات متوازية، وليس من خلال رد واحد متعجل.

الدفاع أولًا

نجاح الاعتراض هو أول عناصر الرد؛ لأنه يحرم المهاجم من تحقيق هدفه المباشر، ويحمي المنشآت والإنتاج والسكان.

لكن تعدد اتجاهات الهجوم يتطلب استمرار تطوير منظومة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرات مواجهة المسيّرات الصغيرة والمنخفضة، وربط الرادارات ووسائل الدفاع حول المنشآت والمطارات وخطوط الأنابيب ومراكز التحكم.

وكلما انخفضت كلفة الاعتراض، وارتفعت القدرة على اكتشاف المسيّرة مبكرًا، فقد هذا السلاح جزءًا من قيمته لدى الميليشيات.

تثبيت الأدلة

قبل أي تحرك، تحتاج المملكة إلى تحديد مواقع الإطلاق، ومسارات الطيران، وأنواع المسيّرات، ومكوناتها، والجهة التي أدارتها ووجهتها.

هذه المعلومات لا تحدد المسؤولية فقط، بل تكشف ما إذا كان الهجوم عملية مستقلة نفذتها ميليشيا، أم جزءًا من حملة منسقة مع جبهات أخرى.

كما تمنح الرياض أساسًا قانونيًا وسياسيًا لأي إجراء تتخذه لاحقًا، وتساعد الحكومة العراقية إذا أرادت التحرك ضد المنفذين.

تحميل بغداد مسؤوليتها

يبدأ المسار السياسي بالتواصل المباشر مع الحكومة العراقية، ومطالبتها بضبط مواقع الإطلاق والجماعات المسلحة، وكشف نتائج التحقيق، وتقديم ضمانات عملية تمنع التكرار.

والمصلحة العراقية نفسها تقتضي التحرك.

فنجاح الميليشيات في إطلاق هجمات خارجية من أراضي البلاد يعني سلب الدولة قرارها السيادي، وتعريض العراق لردود وتوترات لا يختارها شعبه أو حكومته.

كما أن عدم التعامل مع الهجوم بجدية قد يحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية، ويفرض على بغداد كلفة أفعال جماعات لا تخضع لقرارها.

رد محسوب

عبارة «الرد في الوقت والمكان المناسبين» تعني أن المملكة لا تسمح للمنفذ بفرض توقيت استجابتها أو شكلها.

وقد يتدرج الرد من إجراءات دبلوماسية واستخباراتية ومالية، إلى تعطيل شبكات الإمداد والقيادة، وصولًا إلى التعامل مع مصادر التهديد إذا استمر العدوان وتوافرت الأدلة والضرورة العسكرية.

وقوة الرد لا تُقاس بسرعته فقط، بل بقدرته على منع الهجوم التالي دون توسيع الحرب بطريقة تخدم مخططات المهاجم.

فالميليشيا قد ترغب في استدراج المملكة إلى مواجهة مفتوحة تمنحها شرعية داخلية أو تعيد تقديمها جزءًا من معركة إقليمية أوسع.

أما الرد السعودي الأكثر تأثيرًا، فهو الذي يعاقب المنفذ ويحمي العلاقة مع العراق، ويمنع طهران من الاختباء خلف وكلائها.

حماية استمرارية الطاقة

ينبغي أن يترافق الرد الأمني مع رسالة اقتصادية واضحة:

المنشآت تعمل، والإمدادات مستمرة، والمسارات البديلة جاهزة.

فأحد أهداف استهداف النفط هو دفع الأسواق إلى المبالغة في تقدير الخطر، ورفع الأسعار وتكاليف التأمين حتى إذا لم تصل المسيّرات إلى أهدافها.

وكلما قدمت المملكة معلومات دقيقة عن سلامة المنشآت واستمرار الإنتاج، حرمت المهاجم من تحقيق مكسب اقتصادي وإعلامي لم يحققه عسكريًا.

كما أن حماية الطاقة لم تعد تقتصر على المنشآت داخل المملكة، بل تمتد إلى الموانئ والناقلات وخطوط الأنابيب وأنظمة الملاحة والاتصالات، من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط.

من يتحمل المسؤولية؟

الميليشيات تتحمل مسؤولية التنفيذ.

والجهة التي سلحتها ودربتها ومولتها ووجهتها تتحمل مسؤولية دعم العدوان.

أما الدولة التي انطلق الهجوم من أراضيها، فتتحمل مسؤولية منع تكراره، والتحقيق فيه، ومحاسبة منفذيه.

هذه المستويات لا ينبغي خلطها، لكنها لا ينبغي أن تُستخدم أيضًا لإضاعة المسؤولية بين طرف وآخر.

فاستخدام الوكلاء لا يلغي صلة الراعي، ووجود الميليشيا داخل دولة لا يحولها إلى كيان بلا عنوان، كما أن عدم مشاركة الحكومة العراقية في الهجوم لا يعفيها من واجب منع تكراره.

قراءة بث | جبهة من الشمال

كانت منشآت السعودية تواجه التهديد الإيراني من الشرق، ثم انتقل الحوثيون إلى تهديد الساحل الغربي والبحر الأحمر.

واليوم يأتي الهجوم من الأراضي العراقية شمالًا.

ولا تمثل هذه المسيّرات، بهذا المعنى، عملية منفصلة، بل محاولة لبناء طوق ضغط حول المملكة واستهداف العنصر الذي يمنحها والعالم قدرًا كبيرًا من الاستقرار: الطاقة.

لكن الهجوم كشف في الوقت نفسه حدود هذه الاستراتيجية.

فالمسيّرات دُمرت، والمنشآت لم يُعلن تضررها، وتحولت محاولة التخفي خلف الوكلاء إلى إعلان سعودي واضح لمصدر الانطلاق والجهة المنفذة والراعي الذي تتبعه.

كما أن بيان الخارجية رفع مستوى الرسالة من اعتراض الطائرات إلى ردع المعتدين والرد على مصادر العدوان.

ويبقى القرار الأهم في بغداد:

هل تتحرك الدولة العراقية لمنع الميليشيات من استخدام أراضيها في حرب لا يختارها العراق؟

أما السعودية، فقد نجحت في منع الإعتداء، لكنها أمام مرحلة تتطلب ما هو أبعد من الاعتراض:

تحويل كل محاولة جديدة إلى كلفة على منفذها، وبناء ردع يجعل إطلاق المسيّرة أصعب من إسقاطها.

فالخطر لم يعد قادمًا من اتجاه واحد.

ولهذا لن تكتفي المملكة بحماية السماء فوق منشآتها، بل ستعمل على منع تحول جغرافيا المنطقة إلى منصات مفتوحة لضربها.

إن استهداف السعودية بهذه الصورة المنسقة يؤكد أن خصومها يرون فيها نقطة ارتكاز وقوة إقليمية يصعب مواجهتها مباشرة؛ فيلجؤون إلى ميليشيات متفرقة وعمليات إرهابية لا تحقق هدفًا استراتيجيًا، بل تزيد المملكة قوةً وثباتًا وإصرارًا على ردع كل من يحاول المساس بأمنها ومقدراتها.