حتى يقوله الأجنبي

news image

إعلام يمتلك المال والمنصات، لكنه لا يزال ينتظر الخارج ليحدد له ما يستحق أن يكون خبرًا

عبدالله العميره

لم يعد ضعف الإعلام يُقاس بقلة المنصات أو محدودية الوصول إلى المعلومة.

قد تمتلك المؤسسة استوديوهات حديثة، وموازنات كبيرة، وشبكة مراسلين واسعة، ومنصات متعددة؛ ثم تبقى أسيرة منهج قديم لا يصنع الخبر، ولا يكتشف الاتجاه، ولا يمنح الجمهور معرفة تتجاوز ما وصل إليه بالفعل.

إمكانات تقنية متقدمة، وأدوات تنفيذ حديثة، وميزانيات ضخمة؛ يقابلها فقر في الفكرة، وجمود في الإدارة، ومخرجات لا توازي حجم الموارد المتاحة.

لقد تطورت وسائل الإنتاج، لكن العقل الذي يديرها لم يتطور بالمستوى نفسه؛ فاتسعت الفجوة بين ما تملكه المؤسسة وما تنتجه، وبين ضخامة الإمكانات ومحدودية العائد التحريري.

لا يزال خطاب الذات حاضرًا؛ إعلام يتحدث عن نفسه إلى نفسه، ويكرر العبارات الآمنة، ويحتفي بالحدث بعد وقوعه، لكنه نادرًا ما يفسر ما وراءه أو يستشرف ما سيأتي بعده.

ولا يزال الاعتماد على الوكالات والصحف الأجنبية هو الطريق الأقصر إلى المعلومة؛ بكل محتوى الأجندة، لا بوصفها مصادر مهمة يجب الاستفادة منها، بل بوصفها صاحبة الحق في تحديد ما هو مهم، وما يستحق التقديم، وما يمكن مناقشته.

حتى بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تزال عاجزة عن صناعة أخبار وتقارير بمهنية حديثة، تواكب الواقع وحجم التطلعات، وتخاطب المتلقي السعودي والعربي بلغة عصرية، وتمتلك في الوقت نفسه القدرة على الوصول إلى الجمهور الأجنبي والتأثير فيه.
ما تنتجه غالبًا نشرات تكتفي بنقل ما وصل، أو برامج «توك شو» عتيقة الأسلوب، أو حوارات تقليدية «للغاية»: مقدم يطرح الأسئلة المعتادة، وضيوف يتبادلون الكلام المتوقع، ثم ينتهي البرنامج دون معلومة جديدة، أو زاوية مختلفة، أو معرفة تبقى بعد انطفاء الإضاءة.

ولا ينفي ذلك وجود وجوه إعلامية متميزة استطاعت، بما تملكه من معرفة وحضور ومهنية، أن تخرج عن هذا القالب؛ لكنها تظل استثناءً يؤكد أن المشكلة في المنهج السائد، لا في غياب الكفاءات تمامًا.

تتغير الوجوه، لكن معظم  الأسئلة لا تتغير.

تتبدل الديكورات، لكن طريقة التفكير المرسومة ؛كما هي.

تكبر الشاشة، ولا تكبر معها الفكرة.

المشكلة ليست في البرامج الحوارية؛ فهي جزء أصيل من العمل الإعلامي. المشكلة أن تتحول إلى بديل عن الصحافة: عن البحث والتحقق، وبناء المصادر، وقراءة الوثائق، وتفسير الأحداث، واستشراف اتجاهاتها ومآلاتها، واكتشاف التحولات قبل أن تصبح أخبارًا مستهلكة.

الإعلام الحديث لا ينتظر الحدث ثم يجمع ضيوفًا للحديث عنه.

إنه يرصده وهو يتشكل.

ويعرف أين يبحث.

ويفهم الوثيقة.

ويربط المعلومات المتفرقة.

ويصنع من الخبر معرفة، ومن المعرفة تأثيرًا.

أما المؤسسة التي لا تصنع روايتها، فلن تبقى بلا رواية؛ بل ستعيش داخل رواية صنعها الآخرون لها.

مثال كاشف: خبر كان أمامهم

في الثامن عشر من يوليو 2026، نشرت وكالة BETH تقريرًا بعنوان:

«السعودية تقترب من امتلاك دورة الوقود النووي»

لم يكن الخبر سطرًا عابرًا ولا توقعًا فضفاضًا.

عرض التقرير موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبدئيًا على مسودة اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية، وإمكان فتح المجال أمام المملكة لتخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.

وشرح اتفاق المادة «123»، ومراحل توقيع الرئيس، والإحالة إلى الكونغرس، ومراجعة التسعين يومًا، والضمانات، والفرق بين الإطار القانوني العام ونقل تقنية التخصيب فعليًا.

ثم انتقل من نقل المعلومة إلى فهمها.

شرح معنى تحول السعودية من استيراد الوقود النووي إلى امتلاك جزء من دورته، ولماذا قد تختار واشنطن التعاون مع الرياض بدل دفعها إلى شركاء دوليين آخرين، وما الذي يعنيه ذلك لمكانة المملكة الاستراتيجية.

نُشر التقرير يوم 18 يوليو عند الساعة 11:33 بتوقيت مكة. تقرير BETH

بعد أربعة أيام، أصبح الموضوع حاضرًا بقوة في الإعلام  المحلي والعربي، وفي مقدمته قناة «العربية»، لكن بوابته هذه المرة كانت صحيفة أمريكية.

نشرت وول ستريت جورنال أن ترامب وافق على اتفاق نووي مدني طويل الأمد مع السعودية، وأنه يشمل دورًا مركزيًا للشركات الأمريكية ودراسة مشتركة لجدوى تخصيب اليورانيوم داخل المملكة.

وحمل التقرير الأمريكي معلومات أحدث وأكثر تحديدًا، ومن الطبيعي أن تنقلها وسائل الإعلام وتناقشها.

السؤال ليس:

لماذا نقلت «العربية» عن صحيفة أمريكية؟

السؤال:

لماذا لا يصبح الخبر السعودي جديرًا بالشاشة السعودية إلا بعد أن يقوله الأجنبي؟

ولماذا لم تلتقط «العربية» المعلومة حين نشرتها BETH قبل أربعة أيام، فتتحقق منها، وتبني عليها، وتناقش أبعادها، بدل انتظارها حتى تعود من صحيفة أمريكية؟

الرصد شيء والتبعية شيء آخر

حتى لا يدخل أحد من ثغرة مفتعلة، فنحن لا نعارض التعاون مع الوكالات والصحف الأجنبية، ولا ندعو إلى انغلاق الإعلام السعودي على نفسه.

فالإعلام المحترف لا يعمل داخل صندوق مغلق؛ يرسل ولا يستقبل، أو يتلقى ولا يشارك، ويتأثر ولا يؤثر.

بل لا بد له من:

  • التعاون مع المؤسسات الإعلامية الدولية.
  • الاشتراك في خدمات الوكالات.
  • تبادل الأخبار والصور والخبرات.
  • رصد ما يُنشر ويُبث في الخارج.
  • قياس حجم الانتشار والأثر والتأثير.
  • متابعة كيفية تقديم بلاده وقضاياها إلى الرأي العام الدولي.

فالرصد الإعلامي وقياس الأثر من أهم أدوات الدولة والمؤسسة الحديثة؛ لأنهما يكشفان اتجاهات الخطاب، ومواقع النفوذ، ونقاط القوة والضعف، وحملات التضليل، ومدى وصول الرسالة الوطنية إلى جمهورها المستهدف.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين أن ترصد ما يقوله العالم لتفهمه وتؤثر فيه، وبين أن تنتظره ليحدد لك ما يستحق أن تراه، والزاوية التي ينبغي أن تنظر منها، والرواية التي يريد منك أن تنقلها.

الرصد يأتي بعد امتلاك الرؤية، ويساعد على تطويرها وقياس أثرها.

أما التبعية فتبدأ من غياب الرؤية، وتجعل المؤسسة الأجنبية صاحبة القرار في تحديد أهمية المعلومة وزاوية تناولها وتوقيت مناقشتها.

التعاون يضيف إلى قدرتك.

أما الارتهان فيعوض غيابها.

الاستفادة من الوكالات الأجنبية ممارسة مهنية ضرورية، لكن تحويلها إلى عقل بديل لغرفة الأخبار هو المشكلة.

ليس الاعتراض على أن تنقل «العربية» عن وول ستريت جورنال.

الاعتراض أن تصبح الصحيفة الأمريكية مانحًا للمعلومة أهميتها، وللمحرر شجاعته، وللموضوع إذن دخوله إلى الشاشة.

المؤسسة الواثقة تنتج روايتها، ثم تراقب كيف تلقاها العالم.

أما المؤسسة التابعة فتنتظر رواية العالم، ثم تعيد بثها إلى مجتمعها.

لم نطلب منهم أن ينقلوا عنا

لسنا أمام نزاع على سبق صحفي، ولا اتهام بأن وسيلة ما أخذت تقرير BETH دون الإشارة إليه؛ فلا يوجد دليل على ذلك، ولا يحتاج نقدنا إلى ادعاء لا نستطيع إثباته.

كما أن BETH لم تنشر جميع التفاصيل التي ظهرت لاحقًا، ولم تدّع امتلاك المصدر الوحيد للمعلومة.

ولم يكن مطلوبًا من «العربية» أن تتبنى تقرير BETH أو تتعامل معه بوصفه حقيقة نهائية.

كان بإمكانها أن تبدأ من التاريخ الرسمي للملف.

بدأ المسار يخرج إلى العلن في أبريل 2025، عندما أعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، خلال زيارته الرياض ولقائه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الطاقة، اتفاق البلدين على المضي نحو مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون في مجالات الطاقة، ومنها الطاقة النووية المدنية.

ثم وُقّعت مذكرة التعاون في مايو، قبل أن يوقّع الوزيران في نوفمبر 2025 إعلانًا مشتركًا باكتمال مفاوضات التعاون النووي المدني، تمهيدًا للوصول إلى اتفاق المادة «123».

كان بالإمكان الانطلاق من هذه المحطات، ثم إضافة معلومات الصحيفة الأمريكية بشأن موافقة ترامب، ومدة الاتفاق، والمفاعلات، ودراسة جدوى التخصيب.

وكان يمكن، بقدر بسيط من الإنصاف المهني، الإشارة إلى أن وكالة BETH السعودية نشرت في 18 يوليو تقريرًا موسعًا عن مسار الاتفاق، ومراحله القانونية، ودلالاته الاستراتيجية.

هذه الإشارة لا تنتقص من الصحيفة الأمريكية.

ولا تنتزع من «العربية» حقها في بناء خبرها.

إنها تقول للمتلقي فقط إن مؤسسة سعودية قرأت التحول مبكرًا، ووضعت المعلومة في سياقها، قبل أن تدخل موجة التغطية الدولية الواسعة.

لكن القصة بدأت من اللحظة التي تكلمت فيها الصحيفة الأمريكية، كأن الاتفاق وُلد في مكتب تحريرها، لا في مسار تفاوضي سعودي أمريكي امتد لأكثر من عام.

ليست المرة الأولى

هذه ليست المرة الأولى التي تنشر فيها BETH خبرًا أو تقريرًا استباقيًا، ثم يظهر الموضوع بعد أيام في قنوات وصحف سعودية وعربية منسوبًا إلى وكالة دولية أو صحيفة أجنبية.

يتكرر المشهد في ملفات سياسية واقتصادية واستراتيجية مختلفة:

تلتقط BETH المعلومة مبكرًا.

تتحقق من اتجاهها.

تضعها في سياقها.

وتبني حولها تقريرًا يشرح ما تعنيه وما قد تقود إليه.

ثم تظهر المعلومة نفسها، أو جانب أساسي منها، في وسيلة أجنبية، فتنتقل عندها إلى صدارة بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية بوصفها تطورًا جديدًا.

ولا يعني ذلك أن الوسيلة الأجنبية أخذت المعلومة من BETH؛ فقد تصل مصادر مختلفة إلى الحقيقة نفسها بصورة مستقلة.

لكن تكرار المشهد يطرح سؤالًا مشروعًا:

لماذا تستطيع مؤسسة سعودية محدودة الإمكانات التقاط موضوعات مهمة قبل مؤسسات تمتلك موازنات ضخمة وشبكات مراسلين ومنصات واسعة؟

وقد يسأل قارئ:

من أين تأتي BETH بأخبارها المتفردة وتقاريرها الاستباقية؟

الإجابة لا تقوم على ادعاء امتلاك قدرة خارقة.

إنها منهج عمل صحفي:

  • مصادر خاصة بُنيت الثقة معها خلال سنوات.
  • معلومات أولية تُقارن بما هو متاح من مصادر رسمية وموثوقة.
  • متابعة للوثائق والتصريحات والمؤشرات التي قد تبدو منفصلة، لكنها تكشف عند جمعها اتجاهًا واحدًا.
  • فريق يقرأ المعلومة استراتيجيًا ولا يكتفي بنقلها.
  • قرار تحريري يعرف ما يبحث عنه، ويميز بين الخبر العابر والتحول الذي يستحق التوقف عنده.
  • إدارة تتحمل مسؤولية النشر، ولا تنتظر مؤسسة أجنبية كي تمنحها الإذن بالثقة فيما توصلت إليه.

لا تقول BETH إنها تملك الحقيقة وحدها؛ لكنها تملك ما تحتاج إليه الصحافة كي تقترب منها:

مصادر موثوقة، وتحققًا مسؤولًا، وتحليلًا استراتيجيًا، وقرارًا تحريريًا يعرف ماذا يفعل.

لا ننتقد لمجرد النقد

لسنا في خصومة مع المؤسسات الإعلامية السعودية، ولا ننتقد بعضها طلبًا للظهور أو تصفيةً لحساب مهني.

نريد لها أن تنجح؛ لأنها جزء من قوة المملكة وحضورها وصورتها وقدرتها على مخاطبة العالم.

لكن الرغبة في نجاحها لا تعني الصمت عن ضعفها، خصوصًا أن ما يتاح لبعض هذه المؤسسات من موارد ودعم وتقنيات وانتشار لا ينعكس بالمستوى نفسه على جودة إنتاجها التحريري وقدرتها على صناعة الخبر.

حين تنفق المؤسسة على الصورة أكثر مما تنفق على العقل، يصبح الاستوديو فاخرًا والمحتوى فقيرًا.

وحين تكبر الميزانية دون أن تكبر القدرة على صناعة الخبر، فلا تعود المشكلة في نقص الموارد، بل في طريقة إدارتها.

وحين تمتلك المؤسسة مراسلين ومحررين ومنصات في عواصم العالم، ثم تنتظر صحيفة أجنبية كي تكتشف لها خبرًا يتعلق ببلادها، فمن حق المتلقي أن يسأل:

ما العائد التحريري من كل هذه الإمكانات؟

ليست القضية حجم الميزانية وحده، بل الفجوة بين ما تملكه المؤسسة وما تنتجه؛ بين حجم المنصة وحجم الفكرة، وبين قدرتها على الوصول وقدرتها على الفهم.

ونقدنا لا يقوم على انطباع عابر، بل على وقائع قابلة للمقارنة: توقيت النشر، ومحتوى التقارير، وتسلسل التغطية، والفرق بين ما كان متاحًا وما تم التعامل معه.

حين تكون الأدلة موجودة، يصبح النقد واجبًا مهنيًا لا خصومة شخصية.

المشكلة في الاختيار

ليست السعودية فقيرة في العقول الصحفية.

هناك كفاءات وطنية عالية الجودة تفهم سياسة بلادها، والعلاقات الدولية، وتوازنات المصالح، وتأثير الكلمة، وحدود المعلومة ومسؤوليتها.

لكن كثيرًا من هذه العقول محيّد لا مبتعد، ومبعد لا غائب.

في المقابل، يتقدم أحيانًا أشخاص لم يُختبروا بمعيار المعرفة والقدرة، بل بمدى التزامهم الصمت، وانتظارهم الخبر جاهزًا، وإجادتهم حماية مواقعهم أكثر من صناعة قيمة للمؤسسة.

وبعد أربعة وأربعين عامًا في الصحافة، لا أصف مشهدًا أراقبه من بعيد؛ فقد عرفت غرف الأخبار، وكيف تُصنع قراراتها، ولماذا تُقتل بعض الأفكار قبل وصولها إلى القارئ.

سألت ذات مرة رجلًا مهمًا:

ما دمتم تعترفون بضعف الصحافة، فلماذا لا تطورونها؟

قال:

من أين لنا عقول تفهم؟

قلت:

العقول موجودة، لكنكم أبعدتموها حين قدّمتم الآمن على القادر، والمطيع على الفاهم.

لم تكن المشكلة يومًا في ندرة العقول، بل في معايير الاختيار التي همّشت الكفاءة، وقرّبت من لا يسأل ولا يبادر. لذلك لا ينبغي أن نتفاجأ عندما تتحول المؤسسة الكبيرة إلى جهاز ينتظر ما تنتجه المؤسسات الأجنبية.

وفي مناسبة أخرى، قال لي مسؤول بارز في صحيفة سعودية:

يا عبدالله، امشِ بجانب الحائط؛ فهو أفضل لك وأسلم.

قلت له:

بل افهم ما تقوم به، وامشِ في وسط الرصيف تحت الشمس.

افهم سياسة بلدك، والعلاقات الدولية، والمنافسة بين الدول، وتعقيدات المصالح بين الأصدقاء والحلفاء. وابنِ مصادر تثق بك؛ لأنك لا تستخدمها، ولا تحرقها، ولا تحرّف ما تقوله.

خذ حريتك، وتحمل مسؤوليتها.

فالمشي بجانب الحائط ليس سياسة تحريرية، بل تدريب مستمر على الخوف.

الحذر مطلوب، وحماية المصالح الوطنية مسؤولية، وفهم حساسية العلاقات ضرورة. لكن الجهل ليس حذرًا، والتردد ليس حكمة، والعجز عن اتخاذ القرار ليس حرصًا على الدولة.

فالصحفي الذي يعرف لماذا ينشر ومتى يتوقف مسؤول؛ أما الذي يمتنع لأنه لا يعرف، فخائف.

ما الذي يجب أن يتغير؟

الإصلاح لا يبدأ بشراء تقنية جديدة أو إطلاق شاشة إضافية.

يبدأ بإعادة الاعتبار إلى العقل الصحفي:

  • تقديم الفاهم المخلص، لا الآمن محدود القدرة.
  • إعادة الكفاءات المحيّدة إلى مواقع التأثير.
  • منح المحرر حرية مسؤولة ومحاسبته على نتائجها.
  • بناء شبكات مصادر تقوم على الثقة والمهنية.
  • إنشاء وحدات حقيقية للتحقيق والتحليل والاستشراف.
  • رصد ما تنتجه المؤسسات السعودية قبل البحث في الصحافة الأجنبية.
  • مكافأة الخبر المصنوع، لا المنقول فقط.
  • قياس نجاح المؤسسة بما تضيفه إلى المعرفة، لا بحجم استوديوهاتها وحده.
  • الفصل بين حماية المصلحة الوطنية وحماية المسؤول الضعيف من انكشاف ضعفه.

لقد تغير الزمن.

الدولة التي تتحرك بسرعة لا يستطيع إعلام بطيء الفهم أن يشرحها.

والدولة التي تفاوض العالم لا يمثلها إعلام ينتظر العالم ليشرح له ما فعلته.

المطلوب ليس واجهة تتحرك.

المطلوب عقل يرى، ويفهم، ويقرر، ويتحمل المسؤولية.

الخلاصة

كانوا يقولون:

مزمار الحي لا يُطرب.

لكن هذا المثل لم يعد صالحًا لتفسير ما يحدث.

فالمزامير تطورت.

والأحياء تطورت.

والجمهور تغير، وأصبح يسمع العالم كله في اللحظة نفسها.

وفي الحي عقول ومواهب قادرة على إنتاج لحن يصل إلى أبعد من حدوده.

الذي لم يتغير هو بعض الزمّارين.

ليست المشكلة أن مزمار الحي لا يُطرب.

المشكلة أن من يحتكرون العزف فيه لم يتعلموا بعد كيف يصنعون لحن هذا العصر.

ولهذا لا ينبغي للخبر السعودي أن يسافر إلى الخارج كي نصدقه عندما يعود.

فإذا كان إعلامنا لا يرى المعلومة حتى يقولها الأجنبي، فالمشكلة ليست في غياب الخبر، ولا في ضعف المزمار.

المشكلة في الزمّار الذي لا يزال يعزف للماضي، بينما الحي كله يعيش في المستقبل.