من النخلة إلى العالم.. السعودية تطلق «مواسم تمورنا»

news image

37.6 مليون نخلة وإنتاج يقترب من مليوني طن.. أسواق موسمية ومنصة رقمية تعززان حضور التمور السعودية في 133 دولة

بث | B

أعلن المركز الوطني للنخيل والتمور انطلاق أسواق التمور الموسمية في مختلف مناطق المملكة تحت شعار «مواسم تمورنا»، بهدف إبراز جودة التمور السعودية، وتنظيم عمليات البيع والشراء، وتعزيز العوائد الاقتصادية للمزارعين والمسوقين.

وتشمل المواسم: سوق عتيقة للتمور بالرياض، وكرنفال بريدة للتمور، وموسم عنيزة الدولي، وموسم تمور المدينة المنورة، وموسم جدة للتمور، وموسم صرام الأحساء، إلى جانب أنشطة زراعية وتسويقية تستهدف الزوار والتجار والمستوردين.

وتدار عمليات التداول من خلال منصة الأسواق الموسمية التي أطلقها المركز عام 2023، وتتيح توثيق العقود والاتفاقيات إلكترونيًا، وتوفير بيانات عن الكميات والأسعار والأصناف، بما يحفظ حقوق المتعاملين ويرفع مستوى الشفافية والموثوقية. ويُعد التسجيل في المنصة شرطًا لممارسة البيع داخل الأسواق المشمولة.

37.6 مليون نخلة

يتجاوز عدد أشجار النخيل في المملكة 37.6 مليون نخلة، بينها أكثر من 32 مليون نخلة مثمرة، فيما بلغ إنتاج التمور نحو 1.923 مليون طن خلال عام 2024، بارتفاع قدره 1% عن العام السابق.

وتتصدر القصيم مناطق المملكة بنحو 10.8 ملايين نخلة وإنتاج يقارب 584 ألف طن، بينما يحتل الخلاص المرتبة الأولى بين الأصناف من حيث عدد الأشجار، بإنتاج يصل إلى نحو 616 ألف طن.

وتنتج المملكة مئات الأصناف، من أبرزها السكري والخلاص والعجوة والصقعي والصفري، ما يمنح القطاع تنوعًا تسويقيًا يسمح بتوجيه المنتجات إلى شرائح وأسواق مختلفة.

الأولى في التصدير

تُصدّر التمور السعودية إلى 133 دولة، وبلغت قيمة صادراتها قرابة 1.7 مليار ريال، لتحتل المملكة المرتبة الأولى عالميًا في تصدير التمور من حيث القيمة.

وهذا يعني أن التمور لم تعد محصولًا محليًا مرتبطًا بموسم الحصاد فقط، بل أصبحت منتجًا تصديريًا يدخل في الصناعات الغذائية والتحويلية، والتعبئة والتغليف، والخدمات اللوجستية، والتجارة الإلكترونية.

كما يخلق القطاع دخلًا للمزارع والمسوّق والمصنع والناقل وتاجر التجزئة، ويفتح فرصًا لإنتاج مشتقات ذات قيمة أعلى، مثل دبس التمر، والسكر الطبيعي، والمساحيق الغذائية، والأعلاف، ومستحضرات التجميل والمنتجات المستخرجة من مخلفات النخيل.

من التمور إلى الصناعة

لا تتوقف القيمة الاقتصادية للتمور عند بيعها بصورتها التقليدية، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من الصناعات التحويلية التي ترفع قيمة المحصول وتطيل مدة صلاحيته وتفتح أمامه أسواقًا جديدة.

وتشمل هذه الصناعات إنتاج معجون التمر، والدبس، والشراب المركز، ومسحوق التمر، والسكر الطبيعي، والخل، والحلويات والمخبوزات، وألواح الطاقة والمنتجات الغذائية الصحية، إلى جانب استخدام التمور في تطوير بدائل طبيعية للمحليات الصناعية.

كما يمكن الاستفادة من التمور غير المطابقة لمواصفات التسويق المباشر في إنتاج الأعلاف والمكونات الغذائية، بدل فقدان قيمتها أو تحولها إلى هدر زراعي.

وتمتد الصناعة إلى مخلفات النخيل نفسها؛ إذ يمكن تحويل النوى إلى زيوت ومساحيق ومنتجات تجميلية وأعلاف، بينما يُستفاد من السعف والجذوع والألياف في صناعة الورق، والأخشاب المركبة، والأسمدة العضوية، ومواد التعبئة والتغليف، ومنتجات الحرف التقليدية.

وهنا تتضاعف القيمة الاقتصادية للنخلة؛ فالمزارع لا يبيع الثمرة فقط، والمصنع لا ينتج عبوة تمر فقط، بل تتكون سلسلة صناعية تشمل الفرز والتعبئة والتصنيع الغذائي والنقل والتسويق والبحث والتطوير.

ويمثل التوسع في هذه الصناعات الخطوة التالية أمام القطاع السعودي؛ لأن المنافسة العالمية لا تقوم على حجم الإنتاج وحده، بل على مقدار القيمة التي تستطيع الدولة استخراجها من كل جزء في النخلة، وتحويل محصول موسمي إلى منتجات قابلة للتداول طوال العام.

النخيل في العالم

تُعد النخلة من أقدم الأشجار الزراعية التي عرفها الإنسان، وتتركز زراعتها بصورة رئيسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما تسهم المنطقة العربية بأكثر من 75% من الإنتاج العالمي للتمور.

ولا ترتبط أهميتها بالغذاء وحده؛ فقد أسهمت تاريخيًا في قيام التجمعات البشرية حول الواحات، ووفرت الثمر والظل، واستُخدمت جذوعها وسعفها وليفها في البناء والصناعات التقليدية.

ولهذا ارتبطت النخلة في الذاكرة العربية بالحياة والاستقرار؛ فحيث تظهر النخلة في البيئة الصحراوية، يظهر معها الماء والزراعة وإمكان نشوء المجتمع.

لماذا النخلة؟

يتكون شعار المملكة العربية السعودية من سيفين متقاطعين تعلوهما نخلة. ووفق الدلالة الرسمية، يرمز السيفان إلى القوة والمنعة والتضحية، بينما ترمز النخلة إلى الحيوية والنماء والرخاء.

ويحمل اختيار النخلة معنى يتجاوز شكلها الزراعي؛ فهي شجرة متجذرة في تاريخ الجزيرة العربية، صمدت في بيئتها القاسية، ومنحت الإنسان الغذاء والظل ووسائل العيش.

ولهذا لم تُوضع النخلة في الشعار لمجرد أنها محصول مشهور، بل لأنها تختصر العلاقة بين الأرض والإنسان: جذور راسخة، وقدرة على الصمود، وثمر يتحول إلى حياة ورخاء.

ما وراء الموسم

تكمن أهمية «مواسم تمورنا» في نقل أسواق التمور من التداول الموسمي التقليدي إلى منظومة أكثر تنظيمًا تعتمد التوثيق والبيانات والشفافية.

فالخطوة لا تنظم بيع التمر فقط، بل تؤسس لسوق يمكن قياسه وتطويره، وتساعد المزارع على معرفة الأسعار، والمشتري على التحقق من التعاملات، والجهات المعنية على قراءة حجم الإنتاج وحركة الطلب.

وهنا يتحول الموسم من سوق مؤقت بعد الحصاد إلى حلقة ضمن اقتصاد متكامل يبدأ من النخلة، ويمر بالمزرعة والمصنع والمنصة الرقمية، وينتهي بمنتج سعودي يصل إلى المستهلك في أكثر من 130 دولة.

المنافسة العالمية لا تقوم على عدد النخيل أو حجم المحصول وحدهما، بل على مقدار القيمة التي يمكن إنتاجها من كل تمرة، وكل نواة، وكل جزء من النخلة.