من يصنع عقل العالم؟

news image

من يوجّه الرأي العام العالمي؟

ومن يكتب الرواية قبل أن يقرأها العالم؟

 

إعداد وقراءة | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره

المقدمة

كل يوم، يقرأ الإنسان عشرات الأخبار.

ويشاهد مئات الصور.

ويمر أمام آلاف المنشورات.

لكنه نادرًا ما يسأل السؤال الأهم:

من اختار لي أن أرى هذا؟

وهل ما أراه هو العالم فعلًا؟

أم أنه جزء من العالم اختاره أحدهم، ورتبه بطريقة معينة، ثم قدّمه لي باعتباره الصورة الكاملة؟

هذا السؤال لا يتعلق بالسياسة وحدها.

ولا بالإعلام وحده.

بل بالطريقة التي يتكوّن بها وعينا، وتتشكل بها قناعاتنا، وتُبنى بها قراراتنا.

ولهذا، لم يعد كافيًا أن نعرف ماذا حدث.

بل أصبح من الضروري أن نفهم:

كيف وصلت إلينا الحكاية أصلًا؟

الإعلام .. لم يعد يعمل وحده

كان يمكن قبل عقود أن نقول إن الصحف، والإذاعات، والقنوات التلفزيونية، هي التي تصنع الرأي العام.

أما اليوم

فالصورة أصبحت أكثر اتساعًا.

الإعلام ما زال لاعبًا رئيسيًا.

لكنه لم يعد اللاعب الوحيد.

فهناك:

  • المنصات الرقمية.
  • شركات التقنية.
  • محركات البحث.
  • الذكاء الاصطناعي.
  • مراكز الأبحاث.
  • شركات قياس الرأي.
  • شركات العلاقات العامة.
  • صناعة السينما والترفيه.
  • المؤثرون.

وحتى الجامعات، التي لا تصنع الأخبار، لكنها كثيرًا ما تصنع الأفكار التي تتحول لاحقًا إلى أخبار وسياسات.

وهنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا، لكنه من أكثر الأسئلة تأثيرًا في عصرنا:

من يشكّل الطريقة التي يرى بها الناس العالم؟

للوهلة الأولى، قد يعتقد كثيرون أن الإجابة واضحة:

صحيفة.

أو قناة تلفزيونية.

أو منصة رقمية.

لكن الصورة أوسع من ذلك بكثير.

فما يصل إلى الإنسان كل يوم لا تصنعه وسيلة واحدة، ولا مؤسسة واحدة، ولا حتى دولة واحدة، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها المؤسسات الإعلامية، والمنصات الرقمية، وشركات التقنية، ومحركات البحث، والذكاء الاصطناعي، ومراكز الأبحاث، والجامعات، وشركات العلاقات العامة، وصناعة الترفيه، والمؤثرون، وغيرها من القوى التي تسهم، بدرجات متفاوتة، في تشكيل الوعي العام.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي:

من يملك أكبر وسيلة إعلام؟

بل:

من يمتلك القدرة الأكبر على التأثير في الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم؟

هل يصنع الصحفي الرأي العام؟

هذا أحد أكثر الأسئلة شيوعًا.

لكنه أيضًا أحد أكثرها تضليلًا.

فالصحفي لا يبدأ من فراغ.

والمحرر لا يعمل في فراغ.

والمؤسسة الإعلامية لا تتحرك في فراغ.

فكل خبر يمر قبل نشره عبر منظومة كاملة:

  • أولويات تحريرية.
  • سياسات مؤسسية.
  • قوانين.
  • مصالح اقتصادية.
  • جمهور مستهدف.
  • بيئة سياسية.
  • وسوق إعلامية تتنافس فيها آلاف المنصات على انتباه الإنسان.

ولهذا، فإن الصحفي يصنع جزءًا من المشهد.

لكن المشهد نفسه تصنعه منظومة أكبر بكثير.

من يصنع عقل العالم؟

قد يبدو السؤال فلسفيًا.

لكنه في الحقيقة سؤال عملي جدًا.

لأن من يحدد ما نقرأ

يسهم في تحديد ما نفكر فيه.

ومن يحدد ما لا نقرأ

يسهم أيضًا في تشكيل وعينا، ولكن بطريقة أقل وضوحًا.

ولهذا، فإن أخطر أدوات التأثير ليست دائمًا الكذب.

بل أحيانًا

الانتقاء.

أن تختار قصة دون أخرى.

وحدثًا دون آخر.

وصورة دون أخرى.

وزاوية دون أخرى.

فالإنسان يبني فهمه للعالم من المادة التي تصله.

وليس من المادة التي لم يرها أصلًا.

ولهذا، لا يبدأ الوعي بالسؤال:

ماذا قرأت؟

بل بالسؤال:

ماذا لم أقرأ؟

الاختيار .. أخطر من النشر

التأثير لا يصنعه ما يُنشر فقط، بل يصنعه أيضًا ما يُستبعد من النشر.

وهذه الجملة تقودنا مباشرة إلى سؤالين لا يقلان أهمية عن كل ما سبق:

من يصنع ما يُنشر؟

ومن يقرر ما يُستبعد من النشر؟

وهنا نصل إلى أحد أهم قوانين الإعلام.

فالقضية ليست فيمن ينشر الخبر، بل فيمن يختار أن يكون هذا الخبر هو الذي يُنشر.

فالنشر مرحلة تنفيذ.

أما الاختيار

فهو اللحظة التي تبدأ فيها صناعة الرواية.

ولهذا، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس:

من كتب الخبر؟

بل:

من قرر أن يراه العالم؟

من يقرر أن يتصدر هذا الخبر العناوين؟

ومن يقرر أن يبقى ذاك الخبر في الهامش؟

هل هو الصحفي؟

أم رئيس التحرير؟

أم المؤسسة؟

أم السياسة التحريرية؟

أم الجمهور؟

أم الخوارزمية؟

أم المصالح؟

أم أن القرار النهائي هو حصيلة تفاعل كل هذه العوامل معًا؟

القاعدة التي تغيّر طريقة قراءتنا للإعلام

الواقع أن:

ليس كل ما يحدث يُنشر 

وليس كل ما يُنشر يمثل كل ما حدث.

وهذه ليست دعوة إلى الشك في كل ما نقرأ أو نشاهد.

بل دعوة إلى فهم الطريقة التي تُبنى بها الرواية الإعلامية.

ولذلك، فإن فهم الإعلام لا يبدأ بقراءة ما نُشر، ولا بمشاهدة ما بُث.

بل يبدأ بفهم:

لماذا نُشر هذا؟

ولماذا لم يُنشر غيره؟

 

هذا ما أفكر فيه