هذا ما أفكر فيه

كتب: عبدالله العميره
قبل ثلاثة عشر عامًا، لم يكن الطريق واضحًا.
ولم تكن فكرة وكالة أنباء سعودية خاصة مألوفة.
بل إن كثيرين كانوا ينظرون إليها بوصفها فكرة جميلة، لكنها صعبة، أو مشروعًا سابقًا لوقته، أو تجربة يصعب أن تستمر طويلًا.
ومع ذلك، استمرت وكالة بث.
ليس لأن الطريق كان سهلًا.
ولا لأن الوقود كان متوفرًا.
بل لأن الإيمان بالفكرة كان أقوى من حسابات الواقع.
فبعض المشاريع لا تعيش على التمويل وحده.
بل تعيش على التصميم، وعلى الإصرار، وعلى طاقة أشخاص يؤمنون بما يفعلون، حتى عندما لا يرى الآخرون ما يرونه.
ثلاثة عشر عامًا ليست رقمًا صغيرًا.
فالبقاء وحده، في عالم تتغير فيه وسائل الإعلام كل يوم، ليس أمرًا عاديًا.
والاستمرار دون أن تفقد الفكرة روحها، ليس أمرًا عاديًا أيضًا.
لكن الأخطر من التوقف، أن يبقى المرء في المكان نفسه.
ولهذا، لم تكن غاية بث أن تستمر فقط.
بل أن تتحرك.
أن تتعلم.
أن تتغير.
أن تعيد النظر في نفسها.
وأن تبحث دائمًا عن أفق أبعد.
فنحن لا نؤمن بأن العمر وحده يصنع القيمة.
بل إن الحركة هي التي تمنح الزمن معناه.
لسنا في معركة مع أحد.
ولا ننظر إلى أي عميل أو متابع أو مؤسسة باستخفاف.
فلكل إنسان زاوية يرى منها العالم.
ولكل مرحلة وعيها، وتجاربها، وحساباتها.
لكننا، في المقابل، لا نقبل من أي كائن أن يستخف بما نؤمن به.
فالهدوء ليس ضعفًا.
والرقي ليس عجزًا.
والصبر ليس استسلامًا.
والابتسامة لا تعني غياب القدرة.
لقد تعلمنا أن بعض الأفكار لا تُفرض بالقوة.
بل تُشرح.
وتُكرر.
وتُثبت نفسها مع الوقت.
ولهذا، نسير.
ليس لأن الجميع فهم ما نقوم به.
بل لأننا نحاول أن نجعل من لم يفهم اليوم، يفهم غدًا.
وربما يتحول يومًا ما إلى ناقل للفهم الصحيح.
ولأن الفكرة كانت مختلفة عما اعتاده كثيرون، لم يكن مستغربًا أن ينظر البعض إلى بث بوصفها صحيفة، لا وكالة أنباء. فالعين كثيرًا ما ترى ما اعتادت عليه، لا ما يقف أمامها.
نحن لا نبحث عن التصفيق.
ولا نطارد الضجيج.
ولا نقيس أنفسنا بعدد العناوين التي ننشرها.
فالأثر الحقيقي لا يُقاس بما يقال عنك اليوم، بل بما يتغير بسببه غدًا.
ومنذ البداية، لم يكن سؤالنا:
كم خبرًا نشرنا؟
بل:
كم فكرة أوضحنا؟
وكم معنى أضفنا؟
وكم سؤالًا أجبنا عنه قبل أن يُطرح؟
لأننا لا نؤمن بأن الصحافة هي أن تسبق الآخرين إلى الخبر فقط.
بل أن تسبقهم إلى فهم الإنسان.
فالصحفي البارع ليس مجرد ناقل للمعلومة.
إنه قارئ للأسئلة التي تدور في العقول، قبل أن تتحول إلى كلمات.
قد نكون غرباء عن بعض التصورات التقليدية.
وقد نبدو سابقين لوقتنا أحيانًا.
وقد لا يفهمنا الجميع بالسرعة نفسها.
وهذا طبيعي.
فكل فكرة جديدة تمر بمرحلة الشك، ثم مرحلة التساؤل، ثم مرحلة الفهم، ثم تصبح شيئًا معتادًا.
ولهذا، لسنا مستعجلين.
فالزمن لا ينصف الضجيج دائمًا.
لكنه، في النهاية، ينصف الأفكار التي تواصل السير.
هذا ما أفكر فيه.
أن قيمة الإنسان، وقيمة المؤسسات، لا تكمن في عدد السنوات التي مرت عليها.
بل في قدرتها على ألا تبقى في المكان نفسه.
وفي أن تواصل الحركة، حتى عندما يكون الوقود قليلًا.
لأن بعض الرحلات لا يكفيها الوقود.
بل تحتاج إلى إيمان لا ينفد.
وربما لهذا السبب ما زلت أؤمن أن المستقبل لا تصنعه المؤسسات التي تملك كل شيء.
بل المؤسسات التي لا تتوقف عن السير.
ولعل الزمن وحده هو الذي يجيب.
فبعد عشرة أعوام، سأتذكر أن من استهان ببث لم يكن سوى تجربة عابرة، لا أكثر.
وبعد عشرين عامًا، سأذكر بامتنان أولئك الذين آمنوا بالفكرة، وأوصلوا رسائلها بصمت، دون ضجيج أو انتظار للمكافآت.
وبعد ثلاثين عامًا، قد يحدث الفرق الحقيقي.
حينها، قد يخجل من استهان، وسيرفع صوته من اختار الصمت يومًا.
لكن الحقيقة أنني لا أرغب في انتظار ثلاثين عامًا.
بل نسعى إلى اختصار المسافات، وكسر كثير من الحواجز خلال العامين المقبلين.
وأعترف أن فكرة التوقف تزورني أحيانًا.
ليس بسبب التعب.
بل حين أرى أن قصور الفهم لا يقتصر على بعض المتابعين، بل يمتد أحيانًا إلى بعض المسؤولين.
لكنني أعود إلى حديث النفس.
فأنا لا أريد أن تكون بث وكالة تقليدية، تنمو مطمئنة إلى دعم مضمون، وتكتفي بأقل جهد لأن الطريق ممهد.
ولا أطمح إلى أن أكون مجرد رقم يضاف إلى الأرقام.
بل إن هدفي أبعد من ذلك.
أن أقدم للدولة والمجتمع قيمة أكبر من أي رقم.
وأن أترك أثرًا يبقى، لا ضجيجًا يختفي.
ولهذا، كلما مرّت فكرة التوقف بخاطري، أعود إلى السؤال نفسه:
إذا كنا نؤمن بما نفعل، فهل يليق بالفكرة أن تتوقف؟
وأجد الجواب يعود بهدوء:
لا.
فبعض الرحلات لا تُقاس بحجم الوقود .. بل بالقدرة على مواصلة السير.
هذا ما أفكر فيه اليوم.
أما السؤال الذي لا يزال ينتظر وقته، فهو: من يصنع من؟
وذلك حديث آخر.