اللاجئون الأوكرانيون.. أزمة جديدة تلوح في أوروبا

هالة عرفة - بث:
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وأنظار الاتحاد الأوروبي تتجه صوب التداعيات المستقبلية المحتملة لهذا الصراع على أوكرانيا وعموم أوروبا، والتي يتصدرها ملف اللاجئين، لا سيَّما أن الموجة الراهنة من اللاجئين الأوكرانيين تُعد الأكبر في تاريخ أوروبا منذ أزمة اللاجئين السوريين عام 2015؛ حيث أكَّد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "فيليبو جراندي"، في 28 فبراير 2022، أن أكثر من نصف مليون شخص فروا من أوكرانيا خلال الأيام الأربعة الأولى فقط للعملية العسكرية الروسية، كما حذرت الأمم المتحدة من أنه في حال استمرار الحرب فإن عدد اللاجئين الأوكرانيين قد يتجاوز 7 ملايين شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، حيث يُمنع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين (18-60) عامًا من مغادرة أوكرانيا؛ للدفاع عن البلاد، بموجب قرار الرئيس الأوكراني " فولوديمير زيلينسكي".
الاتحاد الأوروبي يعاني وطأة أزمة اللاجئين منذ 2015
تُنذر الحرب الروسية الأوكرانية بأزمة لجوء جديدة، لا سيَّما أن الاتحاد الأوروبي يعاني بالفعل من تفاقم أزمة اللاجئين منذ عام 2015، والتي زادت وطأتها العام الماضي 2021، مع أزمتي اللاجئين الأفغان في أعقاب سقوط كابول في أيدي حركة طالبان، واللاجئين على الحدود البيلاروسية البولندية، وعلى النقيض من الأزمات سالفة الذكر، فإن بروكسل لن تتمكن من وقف تدفق هذه الموجة من اللاجئين، حيث يتمتع الأوكرانيون بميزة الدخول إلى منطقة شنجن بدون تأشيرة، والإقامة بها نحو 90 يومًا بصورة قانونية.
وفي هذا الإطار، فإن أزمة اللاجئين التي شهدتها أوروبا عام 2015، والمناوشات الحدودية اللاحقة بشأن المهاجرين مع تركيا وبيلاروسيا، قد أسهمت في بلورة تدابير الاستعداد لأزمات اللجوء المستقبلية، وذلك عبر زيادة الاستثمارات في آليات الإنذار المبكر والتنبؤ، (على سبيل المثال التنبؤ بأعداد اللاجئين ووجهتهم)، وزيادة التفويضات الممنوحة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل (فرونتكس)، ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون (اليوروبول – Europol)، بما يخول لها التدخل في أزمات الهجرة واللجوء، وبناء القدرات اللازمة لمعالجة الزيادة المفاجئة في أعداد اللاجئين.
كما قامت بروكسل بتفعيل آلية جديدة للاستعداد للأزمات المتعلقة بالهجرة وإدارتها (EU mechanism for preparedness and management of crises related to migration)، والتي تجمع بدورها أصحاب المصلحة الرئيسين في هذا الصدد، وهم: المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء التي تعاني وطأة موجات الهجرة واللجوء، ووكالات الاتحاد الأوروبي ذات الصلة؛ وذلك لاتخاذ إجراءات مُنسقة في حال اندلاع أزمة لاجئين جديدة.
هذا، وقد أكَّدت الحكومات الأوروبية منذ الإرهاصات الأولى للأزمة الأوكرانية الراهنة أن هناك استعدادات جارية وخطط طوارئ لزيادة القدرة على استقبال اللاجئين، ومن ثمّ فإن الأولوية في الحالة الأوكرانية ستتمحور حول تأمين الاستقبال المناسب للاجئين، وتوفير أماكن إقامة ملائمة لهم، ودعم احتياجاتهم المادية كالملابس والغذاء.
الاستجابة الأوروبية لأزمة اللاجئين الأوكرانيين
في ضوء التقديرات التي تشير إلى فرار ملايين الأوكرانيين من الحرب، يتوقَّع الخبراء أن يتجه هؤلاء إلى الدول الأوروبية بدلًا من روسيا، وفي هذا الإطار، فإن أوكرانيا تشترك في حدودها البرية مع أربع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي: رومانيا وسلوفاكيا والمجر وبولندا، بالإضافة إلى حدودها مع مولدوفا من الجنوب، وبيلاروسيا من الشمال، وروسيا من الشمال والشرق، ومن المرجَّح أن تحصل كل من بولندا والمجر وسلوفاكيا ومولدوفا ورومانيا على نصيب الأسد من اللاجئين الأوكرانيين.
فبالنسبة لبولندا، تعهَّدت السلطات البولندية بإنشاء مراكز إيواء للاجئين الأوكرانيين على طول حدودها المشتركة مع أوكرانيا البالغة 300 ميل؛ لتقديم الغذاء والرعاية الصحية لهم، وأعربت عن استعدادها لإيواء مليون لاجئ من أوكرانيا، والسماح لجميع الأوكرانيين الفارين من الحرب بدخول حدودها، حتى أولئك الذين ليس لديهم وثائق رسمية، وألغت شرطها الخاص بسلبية اختبار فيروس كورونا.
ومن جانبه، صرَّح الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين " كريس ميلتسر" بأن ما يقرب من 45200 لاجئ أوكراني عبروا الحدود إلى بولندا خلال 15 ساعة فقط يوم 26 فبراير 2022.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أن بولندا تُعد موطنًا لنحو مليون أوكراني، فر العديد منهم إلى بولندا في أعقاب استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى احتمالية انضمام ما يتراوح بين مليون وثلاثة ملايين أوكراني إليهم من جراء الحرب الراهنة.
وفيما يخص رومانيا، فقد استقبلت أكثر من 10 آلاف شخص من أوكرانيا في خلال 24 ساعة فقط من بدء الحرب، وأعربت السلطات الرومانية عن استعدادها لقبول نحو نصف مليون لاجئ، وقد قُوبل اللاجئون الأوكرانيون بترحيب حار من قِبل السلطات الرومانية والشعب على حدٍ سواء، حيث تشكَّلت لجنة ترحيب مؤقتة مكونة من السلطات الرومانية، والمنظمات غير الحكومية، والجماعات الكنسية، والمواطنين لمقابلة اللاجئين الأوكرانيين، واصطف المتطوعون لتقديم الغذاء والإقامة المجانية لهم.
هذا، وقد دفعت الأزمة الأوكرانية بعض الدول الأوروبية للعدول عن سياستها المناهضة للهجرة، ففي حين رفضت النمسا استقبال اللاجئين الأوكرانيين خلال أزمة القرم عام 2014، أكَّد المستشار النمساوي "كارل نيهامر"، في 25 فبراير 2022، أنه سيرحب باللاجئين الأوكرانيين باعتبارهم جزءًا من أوروبا، علاوةً على ذلك، فإن رئيس الوزراء المجري "فيكتور أوربان" المناهض للهجرة، أكَّد أن بلاده ستستقبل جميع الأوكرانيين.
ورغم أن أوكرانيا ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، فإن جُملة من الدول الأوروبية تعهَّدت باستيعاب اللاجئين الأوكرانيين من باب "الوحدة" و"التضامن"، كما تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بصورة وثيقة مع الشركاء الأوروبيين، والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية المختصة في هذا الصدد؛ لتعزيز سُبل الاستجابة لدعم النازحين داخليًّا في أوكرانيا، أو اللاجئين الأوكرانيين في البلدان المجاورة، كما أعربت واشنطن أيضًا عن استعدادها لقبول اللاجئين الأوكرانيين.
ازدواجية السياسات الأوروبية تجاه اللاجئين
سلَّطت الأزمة الأوكرانية الضوء على الازدواجية الواضحة في السياسات الأوروبية إزاء ملف اللاجئين، فعلى النقيض مما كان عليه الحال عقب الحرب في سوريا عام 2015، وتأجُّج الأزمة الأفغانية العام الماضي، رحَّب القادة الأوروبيون باللاجئين الأوكرانيين، بما في ذلك دول الجوار الأوكراني، مثل سلوفاكيا والمجر وبولندا، وهي دول طالما اتبعت سياسات مناهضة لتدفق المزيد من موجات اللاجئين، لا سيَّما تلك الناجمة عن الصراعات في الشرق الأوسط وإفريقيا وأفغانستان.
علاوةً على ذلك، أعربت بعض الدول الأوروبية عن استعدادها لتحمل أعباء اللاجئين، وكانت ألمانيا مثالًا بارزًا في هذا الصدد، حيث أكَّدت استعدادها لتقديم الدعم اللازم لبولندا ودول أوروبا الشرقية فيما يتصل بالتعامل مع الزيادة المرتقبة في عدد اللاجئين الأوكرانيين.
وتؤول تلك الازدواجية في المعايير الأوروبية تجاه قضية اللاجئين الأوكرانيين مقارنة بغيرهم من اللاجئين إلى عدد من المؤثرات، في مقدمتها وحدة العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية والحضارية المشتركة؛ نظرا لكون أوكرانيا بلد أوروبي يشاطر الدول الأوروبية الأخرى المعايير والخبرات ذاتها.
وتتجلّى الازدواجية الأوروبية في المفارقة الواضحة في التمييز بين المواطنين الأوكرانيين وغيرهم من ذوي الجنسيات الأخرى المقيمين في أوكرانيا؛ إذ تتزايد حاجة هذه الفئة الأخيرة إلى تأشيرات لدخول الدول الأوروبية، فعلى النقيض من حال المواطنين الأوكرانيين، لا تزال الجنسيات الأخرى عالقة على حدود الدول الأوروبية، تكافح من أجل اجتياز المعابر الحدودية.
و يمكن القول بأن أزمة اللاجئين الأوكرانيين تُمثل سلاحًا ذا حدين بالنسبة للقارة الأوروبية، حيث تتميز أوكرانيا بارتفاع نسب المتعلمين بين سكانها، ووجود كوادر بشرية متخصصة في مجالات تحتاجها الدول الأوروبية، كالهندسة وتكنولوجيا المعلومات، بما يجعل اللاجئين الأوكرانيين -أو المتخصصين منهم على أقل تقدير- أصولًا قيّمة للقوى العاملة الأوروبية.
ومع ذلك، ستظل التهديدات السياسية -التي برزت على خلفية أزمة اللاجئين في أوروبا عام 2015- قائمة، في ظل صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة، خصوصًا مع إمكانية التوظيف السياسي للأزمة من جانب بعض القوى الدولية.