اليوم 71: القوة العالقة

news image

متابعة وتحليل | بث | B

بعد أكثر من شهرين على وقف إطلاق النار، لم تعد الأزمة الأميركية–الإيرانية تُقرأ كحرب مفتوحة، ولا كسلام حقيقي.

العالم يعيش منطقة رمادية:

لا انفجار شامل،
ولا اتفاق نهائي،
ولا استقرار اقتصادي،
ولا قدرة على الحسم الكامل.

إنها تبدو كحرب من نوع آخر…
مواجهة مباشرة متوقفة،
لكن أسباب الصراع وأدوات الضغط والاستنزاف لا تزال مستمرة،
وكأن المعركة غيّرت شكلها فقط منذ بدايتها في فبراير، دون أن تنتهي فعليًا.

وفي هذا المشهد، يبرز السؤال الذي بدأ يطرحه الناس داخل أميركا وخارجها:

إذا كانت الولايات المتحدة تملك كل هذه القوة،
فلماذا لا تفتح مضيق هرمز بالقوة وتنهي الأزمة؟
ولماذا ترتفع أسعار البنزين والديزل حتى داخل أميركا، رغم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفوق بلاده النفطي؟

العرض

المشهد الحالي يكشف مفارقة كبيرة:

أميركا الأقوى عسكريًا في العالم 
لكنها تتصرف بحذر شديد.

وإيران التي تُوصف أميركيًا بأنها “منهكة”،
لا تزال قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي عبر ورقة الطاقة والممرات البحرية.

هنا تبدأ الحقيقة الأعمق:

القوة العسكرية وحدها لا تكفي دائمًا لصناعة الحسم.

فتح مضيق هرمز بالقوة ليس مجرد عملية بحرية سريعة 
بل قرار قد يشعل:

قفزات ضخمة في أسعار النفط 
هجمات غير مباشرة عبر أذرع إقليمية 
اضطرابات في الأسواق،
وتوترًا عالميًا قد ينعكس على الانتخابات الأميركية نفسها.

ولهذا يبدو أن واشنطن تحاول تحقيق معادلة معقدة جدًا:

الضغط على إيران 
دون الانزلاق إلى حرب واسعة.

إظهار القوة 
دون تحمل تكلفة الانفجار الكامل.

أما ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، رغم كونها من أكبر منتجي النفط عالميًا، فله تفسير اقتصادي وسياسي معقد.

إنتاج النفط لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار.

السوق النفطي عالمي 
والأسعار تتأثر بالخوف 
والمضاربات 
والتأمين البحري 
وحركة الشحن 
واحتمالات التصعيد.

ومجرد بقاء مضيق هرمز تحت التهديد يرفع القلق العالمي 
حتى لو لم يُغلق بالكامل.

السؤال الأهم ليس:

“لماذا لا يضرب ترامب؟”

بل:

“ما الذي يخشاه الجميع من لحظة الضربة الكبرى؟”

الإدارة الأميركية تدرك أن أي حسم عسكري كامل قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

ولهذا يبدو المشهد الحالي وكأنه:

حرب أعصاب طويلة 
واستنزاف اقتصادي متبادل 
واختبار للإرادة السياسية أكثر من كونه مواجهة تقليدية.

أما فكرة أن ترامب “يستمتع” بتعذيب العالم أو شعبه 
فالأقرب سياسيًا أنها ليست سادية، بقدر ما هي محاولة لإدارة معركة معقدة بين:

القوة،
والاقتصاد،
والانتخابات 
وصورة القيادة الأميركية.

لكنه في المقابل يواجه معضلة حقيقية:

إذا تراجع 
سيبدو ضعيفًا.

وإذا اندفع نحو حرب كبرى 
قد يدفع ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا هائلًا.

ولهذا يبدو أن الواقع أقوى من الشعارات.

حتى القوى العظمى 
حين تدخل مناطق الطاقة والممرات الدولية، 
تكتشف أن السيطرة العسكرية لا تعني دائمًا القدرة على فرض النهاية التي تريدها.

وفي المقابل، تدرك طهران أن رفع سقف التهديد النووي — عبر الحديث عن تخصيب بنسبة 90% — ليس مجرد رسالة تقنية 
بل ورقة ضغط نفسية وسياسية،
تهدف لإفهام واشنطن أن “الوقت ليس مجانيًا”.

وفي هذا السياق، يواصل الرئيس الأميركي Donald Trump اتهام طهران بالمراوغة السياسية، معتبرًا أن الإيرانيين “يقولون شيئًا ثم يتراجعون عنه”، في إشارة إلى ما تصفه دوائر أميركية بأسلوب التلاعب وكسب الوقت في التفاوض.

وفي المقابل، يكرر ترامب أن “كل الخيارات مطروحة”، مؤكدًا أنه لم يفقد صبره بعد، رغم تلويحه سابقًا بإمكانية استئناف العمليات العسكرية، وتصريحاته المتكررة بأن “الصبر بدأ ينفد”.

لكن السؤال الذي يتصاعد اليوم داخل الشارع العالمي ليس متعلقًا بالقوة الأميركية فقط 
بل بجدوى إدارة هذه الأزمة أصلًا.

فكثيرون يتساءلون:

إذا كانت واشنطن تعلم مسبقًا حساسية مضيق هرمز 
وتعرف تأثير أي تصعيد على الطاقة والأسواق 
فهل دخلت المواجهة دون حساب كامل للكلفة؟

وهل أخطأت في تقدير قدرة إيران على الصمود والمناورة؟
أم أن الإدارة الأميركية كانت تعتقد أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع طهران سريعًا إلى القبول بالشروط الأميركية؟

هنا تحديدًا تبدأ الفجوة بين “صورة القوة” و”تعقيد الواقع”.

فالدول (العظمى) قد تخطط للحروب 
وقد تمتلك السيناريوهات 
لكن الحروب الكبرى — خصوصًا حين تتصل بالطاقة والاقتصاد العالمي — لا تسير دائمًا وفق الخرائط النظرية.

ولهذا يبدو أن واشنطن اليوم لا تواجه إيران فقط 
بل تواجه أيضًا:

سؤال الهيبة 
وسؤال الكلفة،
وسؤال القدرة على تحقيق نصر واضح دون إشعال العالم اقتصاديًا.

وفي المقابل 
تحاول طهران إقناع الجميع بأنها — حتى تحت الضغط — لا تزال قادرة على تعطيل الإيقاع العالمي 
وأن أي مواجهة مفتوحة لن تكون فاتورتها إيرانية فقط… بل دولية أيضًا.

خلاصة

العالم اليوم لا يعيش لحظة انتصار أميركي كامل 
ولا انهيار إيراني كامل.

بل يعيش مرحلة:

“القوة العالقة”.

قوة تملك السلاح 
لكنها تخشى كلفة استخدامه بالكامل.

وقوة أضعف اقتصاديًا وعسكريًا 
لكنها تعرف كيف تجعل العالم يدفع ثمن تجاهلها.

 

BETH (بث B) – All rights reserved