السعودية .. حين تتحول الرؤية إلى حضارة

ليست طفرة .. بل مشروع حضارة
من بناء المشاريع إلى بناء المستقبل
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
في 25 أبريل 2016، أطلقت المملكة العربية السعودية رؤية السعودية 2030، بوصفها خطة وطنية شاملة لإعادة رسم مسار التنمية، وضعها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بدعم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. واستهدفت الرؤية تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والسياحة والترفيه، وبناء اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية.
وبعد عقدٍ تقريبًا من انطلاقها، لم تعد الرؤية مجرد وثيقة للتخطيط.
بل أصبحت واقعًا يتشكل على الأرض.
وحين ينظر الزائر إلى المملكة اليوم، قد يرى مدنًا تتغير، وطرقًا تُشق، ومشروعاتٍ ترتفع في كل اتجاه.
لكن ما يحدث في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فالسعودية لا تبني مشروعات متفرقة.
بل تعيد بناء علاقتها بالمستقبل.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
كم مشروعًا يجري تنفيذه؟
بل:
كيف تتحول رؤية وطن إلى مشروع حضارة؟
لعل توقيت هذا التقرير ليس مصادفة.
مع إطلالة العام الهجري 1448هـ، برزت مجموعة من المؤشرات التي تعكس تسارع التحول الذي تشهده المملكة.
فقد انخفض معدل البطالة بين المواطنين إلى 7.2%، وارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 35%، فيما تصدرت المملكة دول العالم في نمو إيرادات السياحة الدولية، واستقطبت الرياض مئات الشركات العالمية لإنشاء مقراتها الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، تواصلت مشروعات التحول الكبرى، وتسارع التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، وتقدمت مبادرات الاستدامة البيئية، واستمر تنفيذ المشروعات الإستراتيجية في مختلف مناطق المملكة.
ورغم أهمية كل إنجاز على حدة، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في هذه الأرقام وحدها.
بل في أنها تشير إلى أن ما يجري لم يعد سلسلة من النجاحات المنفصلة، وإنما أجزاء مترابطة من مشروع وطني يتحرك في اتجاه واحد.
من المشاريع إلى الحضارة
المشروعات تستطيع كثير من الدول تنفيذها.
أما الحضارات، فلا تُبنى بالمشروعات وحدها.
بل بالفكرة التي تجعل كل مشروع جزءًا من منظومة أكبر.
ولهذا لا تبدو مشاريع المملكة متفرقة.
فالطاقة ترتبط بالصناعة.
والصناعة ترتبط بالتعدين.
والتعدين يرتبط بالنقل.
والنقل يرتبط بالمدن.
والمدن ترتبط بجودة الحياة.
وجودة الحياة ترتبط بالاقتصاد.
والاقتصاد يرتبط بالإنسان.
إنها شبكة متكاملة، يصعب فهم أحد عناصرها بمعزل عن بقية عناصر رؤية السعودية 2030.
ورشة وطن
لعل ما يلفت انتباه الزائر اليوم أن المملكة تبدو وكأنها ورشة عمل مفتوحة.
لكنها ليست ورشة مدينة واحدة.
ولا مشروع قطاع واحد.
فالرياض تعيد تشكيل بنيتها الحضرية.
وجدة تطور واجهتها ومرافقها.
والدرعية تستعيد مكانتها التاريخية.
ونيوم تقدم تصورًا جديدًا لمدن المستقبل.
ومشروع البحر الأحمر يعيد تعريف السياحة المستدامة.
والقدية تؤسس لصناعة ترفيه ورياضة عالمية.
وفي الوقت نفسه تتوسع شبكات النقل، والمطارات، والموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق اللوجستية، والمدن الصناعية، ومشروعات التعدين، وجودة الحياة.
ولهذا، تبدو المملكة وكأنها لا تبني مشاريع متفرقة.
بل تعيد تشكيل بنيتها الحضارية بصورة متكاملة.
سباق مع الزمن
هناك دول احتاجت إلى عقود طويلة للوصول إلى ما وصلت إليه.
أما المملكة، فتسعى إلى اختصار الزمن.
ليس بالسرعة وحدها.
بل بوحدة الرؤية.
وسرعة اتخاذ القرار.
وتكامل القطاعات.
وتوظيف التقنية.
والمراجعة المستمرة للأداء.
ولهذا تبدو السنوات القليلة الماضية وكأنها تعادل مراحل زمنية أطول في تجارب تنموية أخرى.
الأثر .. لا البهرجة
في كثير من دول العالم، تنجح بعض المشروعات في لفت الأنظار عند افتتاحها.
ثم تخفت آثارها مع مرور الزمن.
أما الفلسفة التي تحكم كثيرًا من المشاريع السعودية، فتبدو مختلفة.
فالسؤال ليس:
كيف يبدو المشروع يوم افتتاحه؟
بل:
هل سيبقى مؤثرًا بعد عقود؟
ولهذا يبرز التركيز على جودة البنية التحتية.
والاستدامة.
والقيمة الاقتصادية.
وجودة التصميم.
وارتباط المشروع بحياة الإنسان.
فالهدف لا يبدو صناعة صورة جميلة.
بل صناعة قيمة دائمة.
المتابعة .. جزء من البناء
المشروعات العملاقة لا تعتمد على التخطيط وحده.
بل على المتابعة المستمرة.
ولهذا أصبحت مراجعة الأداء، وإعادة توزيع المسؤوليات، وتحديث القيادات، جزءًا طبيعيًا من إدارة مشروع وطني بهذا الحجم.
فكلما ارتفع سقف الطموح.
ارتفع معه معيار التقييم.
ولا تُقرأ التغييرات القيادية باعتبارها مجرد حركة إدارية.
بل باعتبارها إحدى أدوات رفع كفاءة التنفيذ، والمحافظة على سرعة الإنجاز، وضمان أن تبقى النتائج بحجم الطموحات.
فالنجاح لا يقاس بما يُعلن.
بل بما يتحقق على الأرض.
الإنسان قبل الإسمنت
ورغم ضخامة المشروعات العمرانية، فإن التحول السعودي لا يقتصر على بناء المدن والطرق.
فالاستثمار في الإنسان يمثل الوجه الآخر للرؤية.
ويتجسد ذلك في تطوير التعليم، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، والثقافة، وجودة الحياة، وتمكين الكفاءات الوطنية.
فالحضارات لا تُبنى بالحجر أولًا.
بل بالإنسان القادر على أن يبنيها، ويحافظ عليها، ويطورها.
ما بعد 2030
كثيرون ينظرون إلى عام 2030 باعتباره نهاية الرحلة.
لكن المؤشرات المعلنة تؤكد أن الرؤية تمثل محطة ضمن مشروع وطني أطول.
فما يُبنى اليوم لا يُصمم لسنوات قليلة.
بل لأجيال.
ولهذا يبدو التحول السعودي أقرب إلى مشروع حضاري ممتد، لا إلى برنامج حكومي محدود بزمن.
نماذج من التحول
وتتجسد هذه الفلسفة في سلسلة من المشروعات الوطنية الكبرى، من أبرزها:
نيوم، والدرعية، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، وحديقة الملك سلمان، والمسار الرياضي، ومترو الرياض، ومطار الملك سلمان الدولي، وشبكات السكك الحديدية، وتوسعة المطارات، والموانئ، ومشروعات التعدين، والمدن الصناعية، إلى جانب استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، فضلًا عن الدور المتنامي لصندوق الاستثمارات العامة في قيادة التحول الاقتصادي وتمويل المشروعات الإستراتيجية. وتُظهر المؤشرات الرسمية اتساع قاعدة القطاع الخاص، ونمو أعداد المنشآت الوطنية، واستمرار تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات الرؤية.
الأفق
الحضارات لا تُبنى بالحجر وحده.
ولا تُقاس بعدد الأبراج، أو الطرق، أو المدن.
بل بقدرتها على أن تجعل كل مشروع لبنة في مشروع أكبر.
ولهذا، قد يكون ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد أكبر برنامج للمشروعات في تاريخها.
بل بداية انتقال من بناء المشروعات إلى بناء حضارة قادرة على إنتاج المشروعات باستمرار.
وقد انعكس هذا التحول أيضًا في تنامي ثقة الاقتصاد العالمي بالمملكة، إذ اختارت أكثر من 700 شركة عالمية إنشاء مقراتها الإقليمية، ولا سيما في العاصمة الرياض، في مؤشر يتجاوز نقل المكاتب إلى المشاركة المباشرة في صناعة النمو، والاستثمار، وبناء الاقتصاد السعودي الجديد.
فالحضارة ليست ما نبنيه اليوم... بل ما نجعل العالم يختار أن يبنيه معنا غدًا.