العقار يصنع الاقتصاد .. حين تصبح الرؤية أكبر من وزارة
متابعة وتحليل
إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لم تنظر رؤية المملكة 2030 إلى العقار بوصفه قطاعًا للإسكان فحسب، بل بوصفه أحد محركات الاقتصاد الوطني، وأداة لإعادة تشكيل المدن، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز السياحة، وجودة الحياة، وجذب الاستثمار.
ومنذ انطلاق الرؤية، لم يكن الهدف بناء مساكن فقط، وإنما بناء بيئات اقتصادية متكاملة، يصبح فيها العقار نقطة انطلاق لمنظومات إنتاج، واستثمار، وسياحة، وخدمات، وفرص عمل، وتنمية مستدامة.
وفي هذا السياق، كشف صندوق الاستثمارات العامة أن إدارة الاستثمارات العقارية المحلية تعمل على تطوير أكثر من 150 أصلًا موزعة على جميع مناطق المملكة الثلاث عشرة، ضمن رؤية تدمج الإسكان، والسياحة، والبنية التحتية، والاستثمار، في منظومة تنموية واحدة، بما يعكس اتساع الدور الذي أصبح يؤديه القطاع العقاري في الاقتصاد الوطني.
ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجم الأصول وحده، بل فيما يكشفه من تحول في فلسفة التنمية؛ فالعقار لم يعد مشروعًا لإنشاء المباني، بل أصبح منصة لإنتاج اقتصاد متكامل.
تحليل BETH
ربما يكون أهم ما يميز رؤية المملكة 2030 أنها لم تتعامل مع العقار باعتباره نهاية المشروع
بل باعتباره بداية مشروع أكبر.
فالمبنى ليس الهدف.
والحي ليس النهاية.
والمدينة ليست الإنجاز الأخير.
بل إن القيمة الحقيقية تبدأ بعد اكتمال البناء، عندما يتحول المكان إلى بيئة تجذب السكان، والاستثمارات، والشركات، والسياح، والجامعات، والفعاليات، وتخلق فرص العمل.
اقتصاد المكان
وهنا يبرز مفهوم يمكن أن يلخص كثيرًا من التحولات التي تشهدها المملكة:
اقتصاد المكان.
أي أن قيمة المشروع لا تُقاس بما يُبنى فوق الأرض فقط، بل بما يولده المكان من نشاط اقتصادي، واستثمارات، وفرص، وجودة حياة، وقيمة مضافة تمتد لعقود.
التحول الحقيقي
ولا يكمن هذا التحول في شكل المباني، أو ارتفاع الأبراج، أو عدد الوحدات السكنية.
بل في طريقة التفكير نفسها.
فلسفة جديدة للتنمية
في النماذج التقليدية، كان المشروع العقاري ينتهي تقريبًا عند اكتمال البناء وتسليم الوحدات.
أما في رؤية المملكة 2030، فإن البناء ليس سوى بداية دورة اقتصادية أطول، تبدأ عندما يصبح المكان قادرًا على جذب السكان، والاستثمارات، والشركات، والجامعات، والمستشفيات، والفعاليات، والسياح، والخدمات، فتتشكل حوله منظومة اقتصادية متكاملة.
ومن هنا، لم تعد المدن تُبنى بوصفها تجمعات عمرانية فقط.
بل بوصفها منصات لإنتاج الاقتصاد.
ولهذا، فإن نجاح المشروع لا يُقاس بعدد المباني التي شُيدت.
بل بما ينتجه المكان بعد اكتمال البناء.
ولم يعد هذا المفهوم مجرد رؤية نظرية، بل أصبح حاضرًا في أبرز المشاريع الوطنية.
فمشروع ذا لاين في نيوم لا يقتصر على إنشاء مدينة جديدة، بل يجمع السكن الذكي، والبنية التحتية المتقدمة، والنقل فائق السرعة، والابتكار، والاستثمار، في منظومة واحدة تستهدف بناء اقتصاد جديد، لا مجرد توسع عمراني.
كما يجسد مشروع البحر الأحمر الفكرة نفسها، حيث لا يقتصر على تطوير وجهة سياحية، بل يبني اقتصادًا سياحيًا متكاملًا، يضم مطارًا دوليًا، ومراسي بحرية، ومنتجعات، ومناطق سكنية، وشبكات نقل مستدامة، وفرصًا استثمارية، بما يحول المشروع إلى منظومة اقتصادية قائمة بذاتها.
أما بوابة الدرعية، فتقدم نموذجًا آخر، يجمع بين التراث، والثقافة، والسكن، والسياحة، والتجارة، وجودة الحياة، ليصبح التاريخ نفسه محركًا للتنمية الاقتصادية، لا مجرد معلم تاريخي.
فالرؤية لا تستهدف بناء أحياء فقط
بل بناء أحياء تنبض بالحياة، وتصمد أمام تحديات المستقبل، وتنتج اقتصادًا مستدامًا، وتواصل تحقيق أهداف التنمية على المديين القريب والبعيد.
وتكشف هذه النماذج أن المشروعات الكبرى في المملكة لم تعد تُبنى حول المباني
بل حول الوظيفة الاقتصادية للمكان.
ويؤكد مشروع بوابة الملك سلمان في مكة المكرمة الاتجاه نفسه؛ فهو لا يقتصر على تطوير عمراني مجاور للمسجد الحرام، بل يجمع بين الإسكان، والضيافة، والتجارة، والثقافة، والتراث، وشبكات النقل، في منظومة واحدة تستهدف خدمة ضيوف الرحمن، وتعزيز الاقتصاد المحلي، ورفع جودة التجربة الدينية والسياحية، بما يعكس فلسفة تنموية ترى في المكان منصة لإنتاج القيمة، لا مجرد مساحة للبناء.
عندما تكبر الرؤية..
وهنا يتغير تعريف العقار نفسه.
فالعقار لم يعد ملفًا يخص وزارة بعينها، يقتصر دورها على التخطيط للإسكان، وتنفيذ المشروعات السكنية، ورفع نسب التملك؛ بل أصبح مشروع دولة، تتكامل فيه السياسات الاقتصادية، والاستثمارية، والعمرانية، والسياحية، والتنموية، ضمن رؤية واحدة تستهدف بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
فكلما اتسعت الرؤية الوطنية، لم يعد ممكنًا أن تحملها وزارة واحدة.
فالوزارات تنفذ.
أما الرؤية، فترسم الاتجاه.
ومن هنا، لم يعد نجاح أي جهة يُقاس بما أنجزته داخل حدود اختصاصها فقط، بل بمدى إسهامها في تحقيق المستهدفات الكبرى للدولة.
وهذا هو التحول الذي تعيشه المملكة اليوم.
فالملفات الكبرى لم تعد تُدار بمنطق القطاعات المنفصلة..
بل بمنطق المنظومات المتكاملة.
ولهذا، فإن نجاح المشروع العقاري لم يعد مسؤولية جهة واحدة.
بل نتيجة لتكامل التخطيط، والاستثمار، والنقل، والسياحة، والثقافة، والاقتصاد، وجودة الحياة، في رؤية واحدة.
هل تغيرت أدوات القياس؟
ومن هنا يبرز سؤال إداري واستراتيجي بالغ الأهمية.
فقد تحقق جهة تنفيذية جميع مؤشرات الأداء الخاصة بها، بينما لا يتحقق الهدف الاستراتيجي الذي انطلقت من أجله الرؤية.
ليس بسبب ضعف التنفيذ..
بل لأن ما يُقاس داخل المؤسسة، قد لا يكون هو ما يُقاس على مستوى الدولة.
فالوزارة قد تنجح في زيادة عدد الوحدات السكنية، أو رفع نسب التملك، أو إنجاز المخططات وفق مستهدفاتها التشغيلية.
لكن الرؤية تقيس النجاح بمعايير أوسع بكثير.
فلم يعد السؤال:
كم مشروعًا أُنجز؟
ولا:
كم وحدة سكنية سُلِّمت؟
بل أصبح:
كم استثمار وُلِد؟
كم وظيفة خُلقت؟
كم اقتصادًا نشأ؟
كم شركة استقطب المشروع؟
كم سائحًا جذب؟
وكم أسهم في رفع جودة الحياة؟
وهنا، لا يصبح السؤال عن حجم الإنجاز..
بل عن طبيعة الأثر الذي تركه.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كانت الرؤية منذ انطلاقتها تنظر إلى العقار باعتباره محركًا للاقتصاد الوطني، فهل واكبت جميع أدوات التنفيذ هذا التحول، أم أن بعضها ما زال يقيس النجاح بمعايير مرحلة سابقة؟
وهل ما زالت بعض البرامج تعمل بعقلية "توفير السكن"، على الطريقة التقليدية لشركات التطوير العقاري أو مكاتب العقار، بينما تتجه الرؤية إلى بناء اقتصاد المكان، حيث يصبح السكن عنصرًا واحدًا ضمن منظومة اقتصادية متكاملة تضم الاستثمار، والسياحة، والخدمات، والبنية التحتية، وجودة الحياة؟
إنه سؤال لا يستهدف جهة بعينها.
ولا يقلل من الجهود التي بُذلت.
لكنه يدعو إلى مراجعة أدوات القياس نفسها.
فالمراجعة ليست تشكيكًا في الإنجاز.
بل ضمانة لاستمرار نجاحه.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة شاملة للبرامج العقارية، تقيس ما تحقق، وما لم يتحقق، وأسباب التعثر إن وجدت، ومدى اتساق المخرجات مع المستهدفات الكبرى للرؤية.
فالمباني وحدها لا تصنع اقتصادًا.
لكن المكان الذي يُحسن تصميمه، وتُدمج فيه عناصر التنمية، قد يصنع اقتصادًا كاملًا.
الخلاصة الاستشرافية
قد يكون ما أعلنه صندوق الاستثمارات العامة عن تطوير أكثر من 150 أصلًا في مختلف مناطق المملكة، أكثر من مجرد إعلان عن محفظة عقارية.
إنه مؤشر على أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من التفكير التنموي، أصبح فيها العقار أداة لإنتاج الاقتصاد، لا مجرد قطاع يقدم منتجات عمرانية.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون بناء المزيد من المشروعات فقط..
بل التأكد من أن جميع أدوات التنفيذ، ومؤشرات الأداء، وآليات التقييم، تتحرك بالعمق نفسه الذي انطلقت منه الرؤية.
فالنجاح لم يعد يُقاس بعدد المباني التي شُيدت..
ولا بعدد الوحدات التي سُلِّمت..
بل بقدرة المكان على إنتاج اقتصاد، وجذب الاستثمار، وصناعة الفرص، وتحقيق جودة حياة مستدامة.
**فالرؤية كانت واضحة منذ يومها الأول..
لكن التحدي الحقيقي كان، وما يزال، أن تُقرأ، وتُقاس، وتُنفذ بالحجم نفسه الذي كُتبت به.**
سؤال ختامي :
"هل تقيس الجهات التنفيذية نجاحها.. بينما تقيس الدولة نجاحًا مختلفًا؟"