الطبع والتطبع
كتب: عبدالله العميره
يقول المثل إن الكلب العقور، إذا لم يجد من يعضه، عضّ نفسه.
وفي بعض المجتمعات، يحدث ما يشبه ذلك على مستوى الخطاب العام؛ فبعض الناس إذا لم يجد خصمًا يهاجمه، انقلب على نفسه ومجتمعه، أو على أقرب الشعوب إليه.
هذه الظاهرة ليست حكرًا على مجتمع بعينه، لكنها تظهر غالبًا في البيئات التي تعاني ضعف الوعي، أو الإحباط التاريخي، أو غياب التعليم النقدي.
هناك تتحول الكلمات إلى سلاح سهل، وتصبح حملات الشتم والتجريح بديلاً عن التفكير والتحليل.
وفي العالم العربي، نرى أحيانًا أصواتًا محدودة – لكنها صاخبة – تمارس نوعًا من جلد الذات أو جلد الآخرين بطريقة أقرب إلى ردود الفعل الغاضبة منها إلى النقد الواعي.
هؤلاء لا يكتفون بانتقاد واقعهم، بل يهاجمون كل تجربة ناجحة حولهم، خصوصًا عندما تأتي من دول عربية شقيقة.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن هذه الأصوات لا تمثل الشعوب.
ففي كثير من الأحيان تكون الأغلبية صامتة.
والصمت هنا ليس دائمًا علامة رضا، بل قد يكون تعبيرًا عن:
عدم الموافقة على هذا المستوى من الخطاب.
الترفع عن الدخول في جدالات عبثية.
أو الإيمان بأن هذه الضوضاء مجرد فقاعات عابرة.
فالعلاقات بين الشعوب العربية، رغم كل ما يعتريها من خلافات سياسية أو إعلامية، أعمق من أن تهزها منشورات غاضبة أو مقاطع عابرة في منصات التواصل.
بين الطبع والتطبع
في علم الاجتماع، يقال إن الإنسان يحمل في داخله طبعه الذي تشكّل عبر التربية والثقافة، لكنه يكتسب أيضًا تطبعه من البيئة التي يعيش فيها.
وعندما تنشأ أجيال في بيئات يغيب فيها التفكير النقدي، أو تتغذى على خطاب عدائي، فإنها قد تتعلم الشك في الآخر قبل فهمه، والهجوم قبل الحوار.
لكن هذه الحالة ليست قدرًا دائمًا.
فالمجتمعات التي تعزز التعليم، والوعي، والانفتاح قادرة دائمًا على إعادة تشكيل خطابها العام.
التحدي الحقيقي
المشكلة ليست في وجود أصوات متطرفة أو سطحية، فهذه موجودة في كل المجتمعات.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه الأصوات إلى أدوات في معارك أكبر.
ففي منطقتنا تحديدًا، هناك قوى وأنظمة لا تخفي سعيها إلى إضعاف المجتمعات العربية وتمزيق نسيجها عبر تغذية الانقسامات والخلافات.
ومن بين أخطر هذه النماذج النظام الإيراني الذي لم يتوقف منذ عقود عن محاولة التمدد في دول عربية عدة، عبر أدوات سياسية أو عسكرية أو إعلامية، ما أدى إلى صراعات وانقسامات لا تزال آثارها ماثلة في أكثر من بلد.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول.
صوت العقل
إن أفضل مواجهة لهذه الظواهر لا تكون بالصراخ أو الشتائم المضادة، بل عبر التوعية الهادئة والعميقة.
توعية تذكّر الناس بأن:
الخلاف لا يعني العداء.
والنقد لا يعني الكراهية.
والاختلاف بين الدول أو السياسات لا يبرر تمزيق العلاقات بين الشعوب.
فالأمم التي تنشغل بتشويه بعضها، تفتح الطريق لمن يريد إضعافها جميعًا.
أما الأمم التي تدرك هذه الحقيقة، فإنها تحصّن نفسها بالوعي، وتترك الضجيج لمن يعيشون عليه.
وفي النهاية، تبقى القاعدة بسيطة:
الضجيج قد يعلو أحيانًا، لكن الوعي هو الذي يصنع المستقبل.
وأحيانًا يكشف الضجيج الحقائق.
___
الصورة تقول إن الصراعات التي نراها أحيانًا بين الناس ليست دائمًا طبيعية، بل قد تكون نتيجة تحريك خفي يستفيد من الانقسام.