حين تتكلم الكراهية بالعربية ضد الخليج .. قراءة في الظاهرة وكيفية التعامل معها
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
مقدمة
في زمن الحروب لا تتحرك الصواريخ وحدها، بل تتحرك معها سرديات إعلامية وصراعات على الوعي.
وفي خضم المواجهة الدائرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، برزت ظاهرة لافتة في الفضاء الرقمي العربي: أصوات تتحدث العربية تعلن دعمها لإيران، وتبرر ضرباتها، حتى عندما تطال دول الخليج وبنيتها التحتية.
هذه الظاهرة تثير سؤالًا جوهريًا:
هل نحن أمام مواقف سياسية حقيقية؟
أم أمام حملات تأثير منظمة؟
أم أن الأمر خليط من الاثنين؟
لفهم هذه الظاهرة لا بد من قراءة تتجاوز الانفعال السياسي إلى التحليل النفسي والإعلامي والاستراتيجي.
أولاً: قوة السرديات القديمة
في علم النفس السياسي تلعب السرديات التاريخية دورًا كبيرًا في تشكيل المواقف والوعي الجمعي.
ففي العالم العربي ما تزال سردية مركزية راسخة تقوم على فكرة أن العدو الأول هو إسرائيل.
غير أن كثيرًا من العرب لم يستوعبوا بعد أن عداء إسرائيل الظاهر للعرب لا يقل عن عداء ملالي إيران الخفي.
فبينما تعلن إسرائيل أطماعها التاريخية في الأرض العربية بشعارات تمتد «من النيل إلى الفرات»، تمارس إيران نفوذها في عدد من الدول العربية عبر تدخلات مباشرة أو عبر وكلاء مسلحين، كما حدث ويحدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وبسبب قوة سردية "العدو الأول" وترسخها في الوعي العربي، لم يجد العدو الموازي مكانه في هذه العقلية، مما يدفع بعض المتابعين إلى اعتبار أي طرف يواجه إسرائيل جزءًا من معسكر المواجهة، حتى لو كانت سياساته تمس مصالح دول عربية أخرى.
هذا النمط من التفكير يُعرف في الدراسات السياسية بـ الاختزال الأخلاقي للصراع، حيث يتم تفسير الأحداث ضمن ثنائية مبسطة:
خير مقابل شر.
لكن هذه القراءة تختزل الواقع وتغفل احتمال وجود شرٍ موازٍ لا يقل خطورة عن الشر المترسخ في الوعي.
فالواقع السياسي والعسكري غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا من هذه الصيغة المبسطة.
وفي كل الأحوال، ستكشف الأيام أحد احتمالين:
إما تحولًا في مفهوم العدو الأول… أو انكشافًا أوضح للعدو الخفي.
ثانياً: سيكولوجيا “عدو عدوي صديقي”
من الأنماط النفسية الشائعة في أوقات الصراعات ما يسمى تحيز عدو العدو.
وهو ميل نفسي يجعل بعض الأفراد ينظرون إلى أي طرف يعادي خصمهم باعتباره تلقائيًا حليفًا، دون تحليل أعمق لتأثير ذلك الصراع على مصالحهم أو بيئتهم الإقليمية.
هذا التفسير العاطفي السريع قد يتجاهل أسئلة أساسية مثل:
من يدفع الثمن الحقيقي للحرب؟
ومن تتضرر بنيته التحتية واقتصاده؟
وما أثر ذلك على استقرار المنطقة؟
ثالثاً: دور الحملات الرقمية
ليس من الدقة افتراض أن كل الأصوات التي تظهر في الفضاء الرقمي تمثل رأيًا شعبيًا حقيقيًا.
فالدراسات الحديثة في الإعلام الرقمي تشير إلى وجود ما يسمى حملات التأثير المنسقة، التي قد تستخدم:
حسابات آلية
شبكات تضخيم رقمية
منصات إعلامية موجهة
وهدف هذه الحملات ليس إقناع الجميع، بل خلق انطباع بأن رأيًا معينًا واسع الانتشار.
رابعاً: الانقسام كأداة سياسية
في الاستراتيجيات الجيوسياسية، يدرك كثير من الفاعلين الدوليين أن إضعاف التماسك داخل المجتمعات قد يكون وسيلة فعالة في إدارة الصراعات.
ولهذا فإن تضخيم الخلافات داخل العالم العربي قد يخدم أهدافًا مختلفة، مثل:
تشتيت الانتباه عن جوهر الصراع
إضعاف التضامن الإقليمي
تحويل المواجهة الخارجية إلى انقسام داخلي في الوعي العربي.
هذه الاستراتيجية عُرفت تاريخيًا باسم فرق تسد.
خامساً: اقتصاد الانفعال في الإعلام الرقمي
تلعب خوارزميات المنصات الرقمية دورًا كبيرًا في تضخيم الخطاب المتطرف.
فالمنصات تميل إلى إبراز المحتوى الذي يثير:
الغضب
الجدل
الصدمة
لأن هذا النوع من المحتوى يحقق تفاعلًا أكبر.
وبالتالي قد تبدو الأصوات المتطرفة أكثر انتشارًا مما هي عليه في الواقع.
كيف تعامل الخليج مع الأزمة؟
في المقابل، يظهر تعامل دول الخليج، وخاصة السعودية، مع الحرب الحالية نموذجًا مختلفًا يقوم على إدارة الأزمة بهدوء استراتيجي.
فبدل الانجرار إلى التصعيد، ركزت السياسة الخليجية على:
حماية الاستقرار الداخلي
تجنب توسيع نطاق الحرب
إبقاء المجال مفتوحًا للحلول السياسية.
هذا النهج يعكس ما تسميه الدراسات الاستراتيجية سياسة الاحتواء الهادئ للأزمات.
الإعلام بين الشرح والضجيج
على المستوى الإعلامي، اتسم الخطاب الخليجي بدرجة عالية من الرصانة والتوازن، مع التركيز على عرض الوقائع وتأكيد مبادئ القانون الدولي وحق الدفاع عن النفس.
غير أن هذه الرصانة قد تُساء قراءتها أحيانًا في الفضاء الرقمي، حيث قد يراها البعض—خصوصًا في بيئات يغلب عليها الجدل والانفعال—علامة ضعف أو تردد، بينما هي في حقيقتها اختيار واعٍ لتجنب الانزلاق إلى خطاب الفوضى والتحريض.
وفي المقابل، تتسم بعض الأصوات في المنصات الرقمية بخطاب انفعالي يختزل الصراع في شعارات بسيطة، متجاهلًا تعقيداته السياسية والاستراتيجية.
وهنا يظهر الفرق بين الإعلام الذي يشرح العالم… والإعلام الذي يكتفي بالضجيج حوله.
لكن المعادلة الإعلامية الناجحة لا تقوم على الرصانة وحدها، بل على الجمع بين الهدوء في الطرح وقوة الحجة.
فالإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يعمل أيضًا على تفكيك الروايات المضللة وتقديم الحجج الواضحة التي تعزز وعي الجمهور.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تتطلب إلى جانب الرصانة الإعلامية برامج توعوية وتحليلية تقدم المعلومات الدقيقة، وتكشف التناقضات، وتمنح المتلقي أدوات الفهم النقدي.
فالرصانة حين تُدعَم بالحجة تصبح قوة إقناع…
أما الضجيج، مهما علا صوته، فيبقى صوتًا بلا معرفة.
فالإعلام الرصين لا يرفع صوته… بل يرفع مستوى الوعي.
الخلاصة
الظاهرة التي نشهدها في الفضاء الرقمي العربي لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.
فهي غالبًا نتيجة تداخل عدة عناصر:
سرديات تاريخية قوية
ردود فعل نفسية سريعة
حملات تأثير رقمية
بيئة إعلامية سريعة الانتشار.
لكن الحقيقة الأهم في زمننا هي أن الحروب لم تعد تُحسم فقط في ميادين القتال… بل في عقول الناس أيضًا.
ولهذا فإن المعركة الأعمق ليست فقط في صد الصواريخ، بل في حماية الوعي من التضليل والاختزال.
خاتمة
في النهاية، ليست كل الأصوات التي تعلو في زمن الضجيج تستحق أن تتحول إلى معركة. فبعضها يعيش على الجدل، ويتغذى على الردود، ويكبر كلما منحه الآخرون اهتمامًا أكبر من حجمه الحقيقي. ولهذا فإن الحكمة الإعلامية لا تكمن في الرد على كل صوت، بل في التمييز بين من يحتاج إلى توعية بالحجة، ومن يجب كشف تضليله أمام الجمهور، ومن لا يستحق أكثر من أن يُترك ليذوب في ضجيجه. فالإعلام الذي يحترم عقل الناس لا يلاحق كل صدى، بل يختار المعركة التي تستحق أن يخوضها… ويرفع مستوى الوعي بدل أن يرفع مستوى الضجيج.
المزيد من الموضوعات المهمة،
ومن بينها: