بين التبسيط والتسطيح .. كيف يفكر الإعلام و الجمهور؟

news image

كتب: عبدالله العميره

في خضم الحروب والأزمات الكبرى، لا يُختبر السياسيون والعسكريون فقط، بل يُختبر أيضًا الإعلام وطريقة تفكير الجمهور معًا. فالحرب الدائرة اليوم تطرح سؤالين مهمين:

كيف يقرأ الإعلام الغربي هذه الحرب؟
وهل يميل المتابعون إلى التحليل العميق أم إلى التحليل السطحي؟

الإجابة عن هذين السؤالين تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الإعلام والسياسة والجمهور.

كيف يقرأ الإعلام الغربي الحرب؟

رغم اختلاف الصحف والقنوات، يمكن ملاحظة ثلاث مدارس رئيسية في الإعلام الغربي، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا.

مدرسة الرواية الاستراتيجية

هذه المدرسة تظهر في صحف ومجلات مثل:

The New York Times

Financial Times

The Economist

Le Monde

Der Spiegel

وهي مؤسسات تحاول قراءة الحرب من زاوية أوسع، مثل:

ميزان القوى العسكري

الأهداف الاستراتيجية للحرب

تأثيرها على الطاقة والاقتصاد

انعكاساتها على النظام الدولي

ولهذا غالبًا ما تطرح أسئلة من نوع:

هل تحقق واشنطن هدفها بإضعاف إيران دون إسقاط النظام؟
وهل يمكن منع تحول الحرب إلى حرب إقليمية واسعة؟

هذه المدرسة تمثل التحليل الأقرب إلى العمق المهني.

مدرسة التغطية السياسية الداخلية

هذه المدرسة أكثر وضوحًا في الإعلام الأمريكي، حيث تتحول الحرب إلى موضوع داخلي.

فالتركيز هنا لا يكون على الحرب نفسها بقدر ما يكون على:

تأثيرها على الانتخابات

شعبية الرئيس

الصراع بين الحزبين

ولهذا يصبح السؤال:

هل يستفيد الرئيس سياسيًا من الحرب؟
أم ستنعكس عليه داخليًا؟

مدرسة الإعلام اللحظي

وهي المدرسة الأكثر انتشارًا في عصر المنصات الرقمية.

تعتمد على:

الأخبار العاجلة

الصور والمقاطع

الانفجارات والتطورات اللحظية

لكنها غالبًا تكتفي بالإجابة عن سؤال واحد:

ماذا حدث؟

بينما يغيب السؤال الأهم:

لماذا حدث؟

هل الجمهور يعشق التحليل السطحي؟

الإجابة الصادقة:
في كثير من الأحيان؛ نعم.

لكن السبب ليس حب السطحية بقدر ما هو طبيعة العصر نفسه.

عصر السرعة

الإنسان اليوم يعيش في عالم:

الهاتف

الفيديو القصير

الخبر العاجل

بينما يحتاج التحليل العميق إلى:

وقت

قراءة

تركيز

وهو ما لم يعد متاحًا لكثير من الناس.

الدماغ يحب القصة البسيطة

العقل البشري يميل بطبيعته إلى التفسير السهل:

الخير ضد الشر
نحن ضدهم
انتصار أو هزيمة

لكن الواقع السياسي والعسكري أكثر تعقيدًا من هذه الصيغ البسيطة.

ولهذا ينتشر المحلل الذي يقول:

"الحرب ستنتهي خلال أسبوع"

أكثر من المحلل الذي يقول:

"السيناريوهات مفتوحة وقد تتحول إلى حرب استنزاف".

الفرق بين التبسيط والتسطيح

وهنا تكمن القضية الأهم في العمل الإعلامي.

هناك فرق واضح بين ثلاثة أمور:

التبسيط

وهو فن الصحافة الحقيقي.

أن تأخذ فكرة معقدة وتقدمها بلغة يفهمها الجميع دون أن تفقد معناها.

فعندما نقول مثلًا:

"الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف"

فنحن نختصر تحليلات طويلة في جملة قصيرة، لكنها ما زالت دقيقة.

التسطيح المتعمد

ويحدث عندما يتم اختزال الواقع بطريقة تشوهه.

مثل:

اختزال الصراعات المعقدة في ثنائية الخير والشر
أو تجاهل الأسئلة الصعبة

وغالبًا ما يحدث ذلك لأسباب:

سياسية
أو تجارية
أو دعائية.

الدماغ السطحي

وهذا ليس خطأ الإعلام وحده.

بل يحدث عندما لا يريد المتلقي التفكير أصلًا.

فيكتفي بجملة مثل:

"انتهت الحرب.. نحن انتصرنا"

دون أن يسأل:

ماذا بعد؟
ما الثمن؟
ما النتائج؟

من المسؤول عن التسطيح؟

من واقع الصحافة، المسؤولية لا تقع على طرف واحد.

بل هي نتيجة تفاعل ثلاثة عناصر:

الوسيلة الإعلامية
الإعلامي
الجمهور

فالوسيلة تحدد سقف الخطاب.
والإعلامي يحدد جودة الطرح.
والجمهور يحدد إيقاع الاستهلاك.

وعندما يختل هذا التوازن يظهر التسطيح الإعلامي.

الإعلام بين الشرح والاختزال

الإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساعد الناس على فهمه.

فهو لا يقول فقط:

ماذا حدث؟

بل يساعد على الإجابة عن سؤالين آخرين:

لماذا حدث؟
وإلى أين قد يقود؟

وهنا يظهر الفرق بين الإعلام الذي يشرح العالم… والإعلام الذي يكتفي باختصاره.

 

الخلاصة

التبسيط ليس مشكلة.

بل هو جوهر العمل الصحفي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التبسيط إلى تسطيح.

فـ التبسيط فن الصحافة
أما التسطيح فهو اللحظة التي يتنازل فيها الإعلام عن احترام عقل القارئ.

لعل المفارقة الجميلة وسط هذا الضجيج، أن المشهد لا يخلو من محللين يثبتون أن العمق ما زال حاضرًا حين يحترم صاحبه عقل المتلقي. اليوم أرى أسماء مثل مشاري الذايدي، ويوسف الهوتي،  ود. غايز النشوان، ووزير الإعلام الكويتي السابق سعد بن طفلة، ووزير الإعلام الأردني السابق الدكتور سميح المعايطة، تؤكد أن التحليل الجيد لا يحتاج صراخًا بل رؤية. أما الدكتور سميح المعايطة، فأرجو أن أراه دائمًا؛ لأنه يقدّم نموذجًا للمحلل العميق الذي يطرح أفكارًا جديدة، واقعية، وذكية، بعيدًا عن التكرار والسطحية. وهذا وحده يثبت أن الجمهور لا يرفض العمق… بل يرفض من يعجز عن تقديمه بوضوح واحترام.

Between Simplification and Flattening .. How Do Media and the Public Think?

موضوع ذو صلة:
أزمة المحللين .. حتى في الأحداث الواضحة !