أزمة المحللين .. حتى في الأحداث الواضحة !

news image

كتب – عبدالله العميره

الأزمات لا تكشف فقط كيفية التعامل معها سياسيًا أو عسكريًا.
فذلك مجال تحكمه التكتيكات والاستراتيجيات العملية.

لكن ما تكشفه الأزمات أيضًا — وبوضوح أكبر — هو مستوى العقل التحليلي في الإعلام.

ففي كل أزمة تنكشف العقول…
ويظهر الفارق بين من يقرأ الحدث، ومن يكتفي بترديده.

وقد قلت مرارًا:

لا حاجة إلى استضافة وجوهٍ مكررة محدودة العمق، تقدم كليشيهًا واحدًا من المعرفة لكل الأحداث مهما اختلفت.

وجوه اعتادت خطاب الذات… ومدح الذات…
لكنها تعجز عن الإجابة عن السؤال الأهم في أي تحليل: كيف؟

كيف يحدث ما يحدث؟
كيف تُدار الأزمات؟
وكيف يمكن فهم ما وراء الحدث؟

هذا السؤال غالبًا ما يغيب.

 

أسئلة لا بد منها

أمام هذا المشهد تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها:

أين المحللون المتخصصون؟
ولماذا لا يُعتد بهم كما ينبغي؟

والجامعات… ماذا تُخرّج؟

ليس المقصود التقليل من قيمة التعليم، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن فاقد الشيء لا يعطيه.

فالسؤال الأهم هنا ليس عن الطالب…
بل عن من يُعلّمه.

ومن المؤلم أن نجد في بعض الحالات طلابًا يمتلكون عمقًا وذكاءً يفوقان ما يظهر على الشاشات أحيانًا لدى بعض من يتباهون بحرف الدال، أو يغترّون بمعرفةٍ ليست معرفة.

 

أسئلة مؤلمة 

لاتقتصر على على المشهد الإعلامي العام، بل يمتد إلى واقع التحليل في العالم العربي، بما في ذلك المملكة.

هل يعقل أن تكون هذه الوجوه المحدودة هي كل ما لدينا؟

ألا يوجد في الجامعات ومراكز الدراسات والقطاعات الاقتصادية والعسكرية متخصصون قادرون على التحليل الاستراتيجي العميق؟

أم أن المشكلة ليست في غياب العقول…
بل في غياب من يبحث عنها ويستقطبها؟

الحقيقة أن الكفاءات موجودة، لكنها غالبًا تظهر بشكل فردي ومتقطع — صوت هنا أو صوت هناك — بينما تبقى المساحة الإعلامية أسيرة دائرة ضيقة من الأسماء المتكررة.

والتحليل الحقيقي لا يحتاج مجرد متحدث…
بل يحتاج متخصصًا مثقفًا يمتلك رؤية استراتيجية.

 

النقد القاسي .. ضرورة

قد يبدو هذا النقد قاسيًا.

لكنه في الحقيقة بقدر الفراغ الذي نراه.

فالمشكلة لم تعد مسألة تحسين أو تعديل محدود،
بل أصبحت قضية تغيير حقيقي.

تغيير يفسح المجال للعقول السعودية القادرة والعميقة لتكون في الواجهة، بدل أن تبقى الساحة محجوزة لخطاب ضعيف يتكئ على الحضور أكثر مما يتكئ على الفهم.

استمرار استضافة الضحالة ليس خطأ يمكن إخفاؤه…
بل مشكلة تُعرض على الهواء مباشرة أمام العالم.

 

تجربة الحرب .. اختبار حقيقي

خلال هذه الحرب تحديدًا، كان المشهد اختبارًا حقيقيًا.

ورغم اجتهاد البعض، فإن كثيرًا من التحليلات بقيت أسيرة أسئلة سطحية أو نقاشات ضيقة لم تلامس عمق الحدث.

فالتحليل الحقيقي لا يكتفي بوصف ما يجري…
بل يفسر لماذا يجري.

ويفهم — على الأقل — كيف يجيب عن السؤالين: كيف؟ ولماذا؟، ويمتلك قدرة استشرافية تمكّنه من قراءة المآلات.

وهنا تظهر القاعدة البسيطة في التحليل الحقيقي:

المحلل الجيد لا يكرر الخبر… بل يفسر ما وراءه.

 

نموذج يستحق التقدير

من بين الأصوات التي لفتت انتباهي في هذا السياق الدكتور أنس الحجي، وهو خبير اقتصادي بارز متخصص في شؤون الطاقة وأسواق النفط.

أعرف الرجل منذ سنوات، وأعرف عمق تفكيره وتحليله منذ عمله في صحيفة الاقتصادية عندما كان يرأس تحريرها الإعلامي المتميز عبدالوهاب الفايز.

في تلك المرحلة كانت الصحيفة تقدم نموذجًا مختلفًا في التحليل والطرح.

لكن حين غاب عبدالوهاب الفايز، غابت معه تلك البيئة التي تحتضن العقول، فرحلت معها أسماء عديدة… ومن بينها الدكتور أنس الحجي.

 حقيقة بسيطة:

العقول الجادة تحتاج مؤسسات تفهم قيمتها.

 ومن التجربة: حسن النية لا يغني عن فهم الهدف.. بمعنى أدق؛  الإبداع بلا فهم الهدف قد ينعكس سلبًا

 

ما نحتاجه اليوم

هذا المقال ليس دعوة للمحاسبة أو المعاقبة.

بل هو تذكير بأمر أكثر أهمية:

الحاجة إلى إعلامي متميز يفهم التحليل قبل أن يمارس الظهور.

إعلامي يعرف كيف يقرأ المشهد، وكيف يتحدث عن دولة بحجم المملكة العربية السعودية.

دولة تقود مسارًا كبيرًا نحو الاستقرار، وتقدم مشاريع تنموية هائلة تستحق أن تُشرح للعالم بوعي وعمق.

كما نحتاج إلى محللين يفهمون السياسة…
وسراديبها…
وما يُقال فيها… وما لا يُقال.

تحليل استراتيجي واقعي، شفاف، قائم على الحجج والمعرفة.

لا على الصوت المرتفع…
ولا على العبارات المتشنجة التي تُقال وكأن المطلوب من المتلقي أن يفهم ما لا معنى له.

 

الخلاصة

التحليل ليس استعراضًا لغويًا…
ولا حضورًا تلفزيونيًا.

التحليل الحقيقي هو مسؤولية معرفية.

وحين ترتفع قيمة الفهم، يرتفع معها مستوى الحوار…
وترتفع معها صورة الإعلام.

أما حين يغيب العمق…
فلا يبقى سوى الضجيج.

والضجيج…
لا يصنع وعيًا.

__________

الصورة | الكرسي ينتظر محللاً.