المعركة غير المرئيّة لحماية الذاكرة العربيّة
وفاء البوعيسي*
في عالَمٍ مُتدافع بالأخبار العاجلة والصور الصادمة، تتصدَّر شاشاتِ الإعلام قضايا التغيُّر المناخيّ، وذوبان الجليد، وانقراض الحيوانات، وكأنّ الخطر لا يكون حقيقيّاً إلّا إذا كان قابلاً للقياس أو التصوير. لكن في العُمق، بعيداً من عدسات الكاميرات وتقارير المنظّمات الدوليّة، تتوالى في عالَمِنا العربيّ مأساةٌ أخرى لا تقلّ خطورةً عن نظيراتِها في العالَم، بل ربّما تفوقها أثراً على المدى الطويل. إنّها مأساة انقراض المعرفة الإنسانيّة المُتراكمة، ذلك النَّوع من الفَقْد الذي يَحدث بصمتٍ كامل، بلا بياناتٍ رسميّة ولا مؤتمراتٍ طارئة.
في كلّ مرّة يُوارى فيها شيخٌ أو عجوزٌ الثرى في قريةٍ نائية، أو واحةٍ بعيدة، أو منطقةٍ جبليّةٍ معزولة، لا يَرحل إنسانٌ واحد فقط، بل يَرحل معه تاريخٌ غير مكتوب، وخبرةٌ حياتيّة لم تُسجَّل، وطبقاتٌ من الفهْم العميق للطبيعة والمُجتمع والإنسان. هذا الفَقْد لا يُعلَن عنه، ولا يُرثى، لكنّه يَتراكم عاماً بعد عام حتّى يتحوَّل إلى فجوةٍ معرفيّة هائلة في وعي الأمّة.
ما يَحدث هنا ليس مجرّد تآكُلٍ للتراث، بل انهيار بطيء لذاكرةٍ جُمعيّة تشكَّلت عَبْرَ قرون. ذاكرة لم تُبْنَ في الجامعات، ولا كُتبت في الكُتب، بل صيغت في الحقول، والأسواق، والمجالس، وبين مواسم الجفاف والخصب، وبين المرض والشفاء، وبين السِّلم والحروب على اختلاف أساليبها.
المعرفة التي لا تُدوَّن
في المجتمعات التقليديّة، كانت المعرفة تَنتقل من جيلٍ إلى جيل عَبْرَ العيش والمُمارَسة والرواية الشفويّة. لم تكُن الحاجة إلى التدوين ملحّة، لأنّ الحياة نفسها كانت هي الأرشيف. كان الطفلُ يتعلّم من مراقبة أبيه في أعمال الزراعة، ومن الاستماع إلى قصص أمّه وجَدّته، ومن مشاركة مجتمعه بطقوسه اليوميّة. هذه المعارف لم تكُن أقلّ تعقيداً من المعرفة الأكاديميّة، لكنّها كانت مختلفة في طبيعتها، مرتبطة بالسياق والبيئة والضرورة.
ومع رحيل الجيل الحامل لهذه الذاكرة، نَخسر نحن تقنيّاتٍ زراعيّةً محليّةً صَمدت في ظروفٍ قاسية، كما نَخسر فَهماً دقيقاً لدورات الطبيعة، وأكثر من هذا أساليب للتواصُل المعرفي مع الشحّ والوفرة، ومع المَرَض والصحّة، ومع الجماعة والفرد. نخسر أيضاً أشكالاً من الحِكمة الاجتماعيّة التي نَظَّمت العلاقات من دون قوانين مكتوبة، وضَبَطتِ النّزاعات من دون محاكم.
هذا النوع من المعرفة لا يُمكن استعادته لاحقاً من الكُتب، لأنّه ببساطة لم يُكتب. وإذا لم يُنقَذ في اللّحظات الأخيرة هذه، فإنّه سيَختفي إلى الأبد.
اللّغة بوصفها نظامَ معرفة
عندما نتحدّث عن انقراض اللّهجات أو اللّغات المحليّة، كثيراً ما يُختزَل الأمر في كونه فقداناً لوسيلة تعبير، أو شكلاً من أشكال التنوُّع الثقافي. لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. اللّغة ليست مجرّد أصوات، بل هي طريقة تفكير، ونظام تصنيفٍ للعالَم، وأداة لفهْم العلاقات بين الأشياء.
ثمّة لهجات كثيرة مُنتشرة في الأرياف والبوادي العربيّة تُقدِّم ثراءً لغويّاً مذهلاً في توصيف عناصر البيئة المُحيطة. وهناك كلمات دقيقة تَصِف مراحل نموّ النبات، وحالات التربة، وأنواع الرياح، ودرجات الحرارة، وتغيُّرات السماء. هذا الثراء لم يَنشأ من فراغ، بل من حاجةٍ وجوديّة لمبدأ البقاء؛ فالإنسان الذي لا يُميِّز بين هذه الفروق، هو ولا شكّ معرَّض للفشل وحتّى الهلاك. وحين تَختفي هذه اللّهجات، لا نَخسر مفرداتٍ فحسب، بل نَخسر تحليلاً شديد الدقّة للبيئة؛ وقد يكون اليوم تحديداً أكثر أهميّةً من أيِّ وقتٍ مضى، في ظلّ الأزمات المناخيّة الشرسة وشحّ المَوارِد. كما نَخسر أيضاً قدرةَ الإنسان على قراءة الطبيعة بلغةٍ وُلدت منها، لا بلغةٍ مُستورَدة ومُجرَّدة.
صيدليّة الأرض
في القرى الجبليّة والصحراويّة، لا تزال تعيش معرفةٌ طبيّة هائلة خارج نطاق المؤسّسات الصحيّة الحديثة. هذه المعرفة ليست قائمةً على الوهْم، بل هي صادرة عن تجارب طويلة، وعن ملاحظاتٍ دقيقة لتأثير النباتات والعلاجات الطبيعيّة على الجسد الإنساني؛ إذ تَعرف نساءٌ كثيرات في المُجتمعات التقليديّة أعشاباً تُعالِج الالتهابات، وأخرى تُخفِّف من آلامَ المفاصل، وثالثة تُستخدَم في حالات الحمّى أو مشكلات الجهاز الهضمي. كما يَعرف الرعاةُ نباتاتٍ تُنقِذ الماشيةَ من التسمُّم، ويَعرف الفلّاحون كذلك طُرقاً طبيعيّة لمُواجَهة الآفات الزراعيّة من دون مُبيدات.
كما أنّ كثيراً من الصناعات الدوائيّة الحديثة، اعتمدت في بداياتها على هذا النَّوع من المعارف أو التجارب الشعبيّة. لكنّ الجزء الأكبر منها لم يُدرس بعد، ولم يُوثَّق، ومع كلّ جيلٍ يَرحل، تَضيق الفرصةُ أكثر لاكتشافه. نحن لا نَخسر وصفاتٍ تقليديّةً فحسب، بل نَخسر إمكانيّاتٍ علاجيّةً واقتصاديّةً قد تكون حاسمة لمستقبل الصحّة.
التاريخ الذي لا يَكتبه الأقوياء
التاريخ الرسمي، كما يُدرَّس ويُكتَب، غالباً ما يَعكس وجهةَ نظرِ السلطة. إذ يُركِّز على الدول، والمعارك، والحكّام، ويَتجاهل حياةَ الناس العاديّين. لكنّه ليس التاريخ الوحيد، ولا الأكثر صدقاً بالضرورة. هناك تاريخٌ آخر يعيش في الذاكرة الشفويّة، في الحكايات التي تُروى في المجالس، وفي الأغاني، وفي الأساطير المحليّة.
هذا التاريخ يَحمل رواياتٍ عن المجاعات، وعن الهجرات القسريّة، وعن التعايُش بين الأديان والثقافات، وعن النّزاعات الصغيرة التي لم تَدخل كُتُبَ التاريخ، لكنّها شكّلت وجدان المُجتمعات. وفقدان هذا التاريخ يعني حتماً فقدان القدرة على فهم أنفسنا خارج الرواية الرسميّة، وفقدان صوت الفئات التي لم تَمتلك أدوات الكتابة والسلطة.
لماذا يتسارع الانقراضُ المعرفيّ
هناك قوىً متعدّدة تَدفع نحو هذا الفَقْد المُتسارع، والعوْلمة الثقافيّة فَرضت أنموذجاً لغويّاً وثقافيّاً واحداً، وقدَّمت اللّهجات المحليّة بوصفها رمزاً للتخلُّف. والتعليمُ الرسميّ، على الرّغم من أهميّته، أَسهَم أحياناً في نزْع الشرعيّة عن المعارف المحليّة، عَبْرَ تجاهلها الكامل. كما أنّ التحوّل الاقتصادي والتحضُّر يسحبان الوظيفة العمليّة من كثيرٍ من المعارف التقليديّة؛ ومع فقدان الوظيفة، تموت المعرفة. والهجرة من الريف إلى المدينة قَطعت السلسلة بين البيئة والمعرفة، وما كان ضرورةً أصبح عبْئاً، وما كان مَصدر فخرٍ أصبح مدعاةً للخجل.
من الحفْظ إلى الإحياء
إنقاذ المعرفة المهدَّدة لا يكون بتخزينها في أرشيفاتٍ مُغلقة، بل بإعادتها إلى الحياة. التوثيق الرقمي خطوة أساسيّة، تسجيل الأصوات، والحكايات، والأغاني، واللّهجات، قَبل أن تختفي. استخدام التقنيّات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتحليل هذه الموادّ وبنائها في قواعد بياناتٍ مفتوحة.
لكنّ الأهمّ هو دمْج هذه المعرفة في الحاضر: في التعليم، في الفنون، في الإعلام، وفي الاقتصاد المحلّي. عندما تُصبح اللّغةُ المحليّة أداةَ تعبيرٍ مُعاصرة، لا مجرّد ذكرى، وعندما تتحوَّل المعرفة التقليديّة إلى مَوردٍ حيّ، يُمكن لها أن تَستمرّ.
في اختصار، على الحكومات والمؤسّسات الرسميّة أن تتحوَّل من دَور المتفرّج إلى دَور الشريك الفاعل عَبر:
أوّلاً. إدماج محدود في التعليم: لا يَعني ذلك التخلّي عن الفصحى، بل إدخال مقرّراتٍ اختياريّة أو أنشطة لا منهجيّة في المناطق التي تتوافر فيها هذه اللّغات، تتعرّف خلالها الأجيالُ الجديدة على تراثها اللّغوي بوصفه جزءاً من هويّتها المركّبة.
ثانياً. حوافز اقتصاديّة: دعْم المشروعات السياحيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي تَستخدِم هذه اللّغات والمعارف كرأسمالٍ ثقافيّ فريد، مثل السياحة البيئيّة التي يقودها مرشدون محليّون، أو تسويق المنتجات التقليديّة مع قصصها بلغتها الأصليّة.
هكذا فإنّ حماية الذاكرة المعرفيّة العربيّة ليست مسألة حنين ولا تَرفاً ثقافيّاً، بل هي مسألة بقاء ورسوخ وهويّة. فأُمّة تَفقد ذاكرتها يعني في المحصّلة أنّها تَفقد قدرتَها على الفهْم والتجدُّد والمُقاوَمة. التنوُّع المعرفي الذي نَملكه ليس عِبئاً، بل ثروة استراتيجيّة في عالَمٍ يزداد اضْطراباً. كلّ معرفة نُنقذها اليوم هي استثمار في مستقبلٍ أكثر توازُناً ووعياً، مستقبل لا يقطع مع جذوره، بل يَبني عليها بوعيٍ ومسؤوليّة.
*كاتبة وروائيّة من ليبيا
تعليق BETH | الذاكرة بوصفها أمنًا معرفيًا
لا تكمن أهمية هذا المقال في استعادة الحنين إلى الماضي، بل في طرح سؤالٍ يتجاوز الثقافة نحو الاستراتيجية:
هل يمكن لأمّة أن تبني مستقبلها وهي تفقد أرشيف خبرتها غير المكتوبة؟
في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، تبدو المفارقة واضحة؛
فالعالم يسابق الزمن لحفظ كل معلومة رقمياً، بينما تتلاشى في أجزاء واسعة من العالم العربي معارف إنسانية كاملة لم تُوثَّق أصلًا.
إن ما تصفه الكاتبة ليس فقدان تراث، بل تآكل رأس مال معرفي صامت تشكّل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة والمجتمع.
فاللغة المحلية ليست لهجة فقط،
والحكاية الشعبية ليست ترفًا،
والمعرفة التقليدية ليست بديلاً عن العلم الحديث،
بل طبقة خبرة إنسانية قد تصبح أكثر قيمة في عالم يواجه أزمات المناخ والموارد والهوية.
من هنا، تتحول حماية الذاكرة العربية من مشروع ثقافي إلى قضية وعي واستدامة حضارية.
لأن الأمم لا تفقد مكانتها عندما تخسر مواردها فقط…
بل عندما تنقطع ذاكرتها عن مستقبلها.