جاك الذيب .. جاك وليده

news image

حين تتحول التهديدات إلى مادة للسخرية الشعبية

كتب: عبدالله العميره

في السياسة
كما في الحياة
ليست كل التهديدات مخيفة.

بعض التهديدات
حين تتكرر كثيرًا دون فعل،
تفقد هيبتها تدريجيًا
حتى تتحول — في نظر الناس — إلى:
ضجيج معتاد.

وهنا تتدخل الثقافة الشعبية أحيانًا
لتختصر المشهد كله بجملة واحدة.

 رجل تجاوز السبعين
اختصر - بخبرة السنين -  مشهد المماحكات بين:
أمريكا
وإيران
والتصريحات المتبادلة
بمثل شعبي بسيط لكنه عميق:

“جاك الذيب .. جاك وليده.”
فكرت في كلامه ..

ضحكت أولًا

ثم ثم أعدت التفكير طويلًا.

كيف استطاع مثل شعبي قديم
أن يشرح هذا القدر من:
الاستعراض
والردع
والشد النفسي
والتهديد المتكرر
أكثر من عشرات التحليلات السياسية؟

التهديد حين يفقد قيمته

في العقل الشعبي العربي
الرجل لا يُقاس بكثرة كلامه
بل:
بثباته
وحكمته
وقدرة أفعاله على إثبات أقواله.

ولهذا
حين يكثر شخص من التهديد
ثم لا يحدث شيءد
تبدأ الجماهير بالتعامل معه بسخرية خفية.

فالعرب — تاريخيًا — يميلون إلى:
الرجل الواضحد
الثابت،
صاحب الكلمة الثقيلةد
لا كثير الضجيج.

ولهذا يقول المثل الشعبي ضمنيًا:

إذا جاء “الذيب”..
ثم جاء “وليده” يكرر الصوت نفسهد
دون حسم،
فإن الخوف يتحول تدريجيًا إلى:
اعتياد.

من الشارع .. إلى السياسة الدولية

الغريب أن هذه الفلسفة الشعبية تنطبق أحيانًا على:
الدول العظمى نفسها.

خذ مثلًا:
الولايات المتحدة
وإيران
وإسرائيل.

تصريحات
وتهديدات
ومهل
ووعيد،
وحديث عن ضربات كبرى،
ثم:
تأجيل
ومفاوضات
ورسائل خلفية
وحسابات معقدة.

حتى أصبح جزء من الجماهير يتعامل مع المشهد وكأنه:
حرب تصريحات أكثر من كونه حرب قرارات.

وهنا تظهر خطورة:
الإفراط في التهديد.

لأن التهديد — حين لا يُدار بذكاء — قد يضعف صورة صاحبه بدل تقويتها.

الحكمة… لا القوة فقط

التاريخ لا يحترم الأقوى فقط
بل:
الأكثر حكمة.

ولهذا،
هناك دول تمتلك:
السلاح
والمال
والنفوذ
لكنها تفشل في:
إدارة الأزمات
أو بناء سلام مستقر
أو تحويل القوة إلى مكاسب طويلة المدى.

روسيا مثال واضح.

دولة عظمى
لكنها ما زالت غارقة في:
حرب أوكرانيا
واستنزاف أوروبا
والصدام مع الغرب
دون قدرة حقيقية على صناعة:
نموذج أكثر ذكاءً واستقرارًا.

ليس لأن روسيا ضعيفة..

بل لأن امتلاك القوة شيء
وامتلاك الحكمة الاستراتيجية شيء آخر.

والأمر ذاته يمكن إسقاطه على:
إسرائيل
وفرنسا
ودول كثيرة تملك أدوات التأثير
لكنها أحيانًا تفشل في:
كسب احترام الشعوب
أو بناء صورة أخلاقية مستقرة.

الثقافة الشعبية ..أذكى مما يظن البعض

النخب أحيانًا تستهين بالأمثال الشعبية
وتعتبرها مجرد:
كلام بسيط.

لكن الحقيقة أن الشعوب تختزن داخل أمثالها:
تجارب
وحروب
وخداعًا
وفهمًا عميقًا للنفس البشرية.

ولهذا
قد تختصر جملة شعبية واحدة
ما تعجز عنه تقارير سياسية طويلة.

“جاك الذيب… جاك وليده”
ليست فقط طرفة.

بل توصيف دقيق لحالة:
التهديد المتكرر الذي يفقد تأثيره،
حين لا يسنده:
فعل
أو حكمة
أو حسم.

أخطر ما في السياسة الحديثة

أن بعض القادة أصبحوا يخلطون بين:
إدارة الأزمات
وإدارة المسرح الإعلامي.

فيكثر:
الوعيد
والاستعراض
والخطابات
بينما تتراجع:
الحكمة
والرؤية
وفهم أثر الكلمات على المدى الطويل.

وفي النهاية
لا تتذكر الشعوب:
من صرخ أكثر

بل:
من كان أكثر اتزانًا
وأصدق كلمة
وأعمق حكمة.

الخلاصة

الشعوب قد تخاف القوة
لكنها لا تحترم الضجيج طويلًا.

وحين تتكرر التهديدات بلا أثر واضح
يتحول الخوف تدريجيًا إلى:
سخرية شعبية.

وهنا
لا يحتاج الناس إلى مراكز أبحاث
ولا تحليلات معقدة.

يكفيهم مثل شعبي قديم يقول:

“جاك الذيب .. جاك وليده.”

كثرة التهديد ليست من الرجولة،
وكثرة المماحكات ليست من الهيبة.

فالهيبة في الصمت،
والقوة في الفعل
والحكمة في إدارة الأزمات:
بحنكة
وصبر
وحزم
وقليل من الكلام.

وعندما تبدأ الحروب الحقيقية
يُغلق باب الضجيج
حتى يتحقق الهدف
أو يعود السلام والأمان.