المثقفون .. والعامة
حين تصبح الثقافة استعراضًا لا تأثيرًا
كتب: عبدالله العميره
هل للمثقفين أثر حقيقي على وعي المجتمعات العربية؟
أم أن العلاقة بين “النخبة الثقافية” والعامة أصبحت مجرد تعارف بصري بلا تأثير عميق؟
سؤال يبدو قاسيًا
لكنه مشروع.
ففي العالم العربي
يظهر التباين بوضوح بين:
حجم الخطاب الثقافي
وضعف انعكاسه على سلوك المجتمعات ووعيها اليومي.
لدينا:
كتب
وروايات
ومعارض
وندوات
وأسماء تُقدَّم باعتبارها “قممًا ثقافية”..
لكن السؤال:
أين الأثر الحقيقي؟
لماذا لا يبدو المجتمع أكثر وعيًا رغم هذا الضجيج الثقافي الطويل؟
الحديث هنا ينعكس على ما نراه في:
الشارع،
ومدرجات الملاعب،
والأسواق،
وما نقرأه ونشاهده يوميًا في مواقع التواصل.
أم أن الصورة ليست بهذه القتامة؟
هل — كما يرى البعض — أن الفئة الظاهرة والأعلى ضجيجًا ليست إلا الأقلية،
بينما تبقى الأغلبية الواعية:
صامتة
هادئة
وأقل استعراضًا؟
هنا ندخل إلى ملف آخر أكثر تعقيدًا:
“صمت الوعي”.
المثقف والبرج العاجي
جزء من الأزمة أن بعض المثقفين تحولوا — مع الوقت — إلى:
طبقة معزولة.
يتحدثون بلغة لا يفهمها الناس
ويكتبون لأنفسهم
أو للنخبة المشابهة لهم
لا للمجتمع.
وهنا تبدأ الثقافة بالتحول من:
رسالة
إلى استعراض.
ومن:
وعي
إلى “صورة ذهنية” عن المثقف.
حتى بدا أحيانًا أن بعض المثقفين يهتمون:
بكيف يظهرون
أكثر من ماذا يغيّرون.
جيل المقاهي .. ثقافة أم مشهد؟
ثم ظهر مشهد جديد.
شباب وشابات
لكن ليسوا هذه المرة في الأبراج العالية
بل على طاولات المقاهي
وإلى جوار كوب قهوة وكتاب
وصورة جاهزة للنشر.
وهنا يبرز السؤال الحساس:
هل نحن أمام:
تقارب حقيقي مع الثقافة؟
أم مجرد انتقال للاستعراض من:
الصالونات الثقافية
إلى “الإنستغرام الثقافي”؟
لا يمكن إنكار أن جزءًا من هذا المشهد إيجابي،
فالقراءة — حتى لو بدأت بدافع الصورة — قد تتحول إلى عادة حقيقية.
لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الثقافة:
إكسسوارًا اجتماعيًا
لا مشروع وعي.
حين يصبح:
شكل القارئ
أهم من:
ما الذي قرأه؟
وكيف غيّره؟
لماذا تراجع تأثير الكُتّاب الكبار؟
هنا ندخل إلى الجزء الأخطر.
لدينا أسماء كبيرة
وروايات شهيرة
وكتّاب يُقدَّمون كرموز ثقافية
لكن أثرهم الشعبي محدود جدًا مقارنة بحجم حضورهم الإعلامي.
لماذا؟
هل السبب نوعية الكتب؟
جزئيًا .. نعم.
فبعض الأعمال أصبحت:
منفصلة عن الناس
وغارقة في:
الرمزية المبالغ فيها
أو السوداوية
أو العبث
أو التعقيد الذي يجعل القارئ يشعر أنه أمام:
استعراض لغوي،
لا تجربة إنسانية تمسه.
الرواية البائسة
في السنوات الأخيرة
تحولت بعض الروايات إلى:
مساحات مكتظة بالبؤس
والعدمية
والتشوه النفسي
وكأن العمق لا يتحقق إلا عبر:
الكآبة
والانهيار
والعلاقات المريضة
والشخصيات المحطمة.
حتى أصبح القارئ أحيانًا يخرج من الرواية:
أكثر اختناقًا
لا أكثر وعيًا.
والأخطر،
أن كتابة الرواية نفسها أصبحت سهلة بصورة مقلقة.
أي شخص:
يمتلك حسابًا
وقليلًا من الجرأة
وبعض الاقتباسات
قد يتحول فجأة إلى “روائي”.
فهل نحن أمام:
اتساع ثقافي صحي؟
أم تضخم إنتاجي أفقد الرواية هيبتها؟
هل التضييق جزء من المشكلة؟
نعم
لكن ليس وحده.
لا يمكن إنكار أن بعض البيئات العربية ضيّقت طويلًا على:
الكتاب
وحرية الطرح
والمناقشات الفكرية العميقة.
لكن المشكلة أيضًا أن بعض المثقفين
حين توفرت لهم المساحة
لم يعرفوا كيف يقتربون من الناس.
فبقوا يدورون داخل:
دوائر مغلقة
ونقاشات نخبوية
وقضايا لا تمس الإنسان العادي مباشرة.
الثقافة والسلوك
المعيار الحقيقي للثقافة ليس:
عدد الكتب
ولا صور المعارض
ولا الاقتباسات.
بل:
السلوك.
هل أصبح الإنسان:
أكثر فهمًا؟
أكثر عدلًا؟
أقل تعصبًا؟
أكثر قدرة على التفكير؟
هنا فقط يمكن قياس نجاح الثقافة.
أما حين تبقى الثقافة:
لغة منفصلة عن الحياة
فإنها تتحول إلى:
ديكور ذهني جميل
لكن محدود التأثير.
أخطر ما حدث
ربما أخطر ما حدث في العالم العربي،
أن الجماهير بدأت تفقد ثقتها تدريجيًا في:
“المثقف التقليدي”.
ليس لأنها تكره الثقافة
بل لأنها لم تعد ترى أثرًا حقيقيًا لها على الواقع.
ولهذا
بدأت الجماهير تبحث عن:
- المؤثر،
- والمقطع السريع،
- والفكرة المختصرة،
- والطرح المباشر،
حتى لو كان أقل عمقًا.
لأن الناس — في النهاية — تبحث عمن:
يفهمها
لا عمن يتحدث فوقها.
الخلاصة
الثقافة الحقيقية ليست:
مكتبة ضخمة
ولا رواية معقدة
ولا صورة مع كوب قهوة.
الثقافة الحقيقية هي:
القدرة على التأثير في الإنسان
وتطوير وعيه،
وجعله يرى الحياة والعالم بطريقة أعمق وأذكى.
وحتى يحدث ذلك،
ربما يحتاج المثقف العربي أن ينزل قليلًا:
من البرج
ومن المقهى أيضًا.
كيف يمكن التأثير على وعي العامة؟
هنا تبدأ المنطقة الأخطر… والأجمل أيضًا.
لأن المشكلة ليست في غياب الثقافة فقط=
بل في:
طريقة تقديمها.
فالعامة — في الغالب — لا ترفض الوعي
لكنها ترفض:
التعالي
والتعقيد
واللغة التي تشعرها بأنها أقل فهمًا.
ولهذا
فإن أول خطوة للتأثير الحقيقي هي:
1- احترام عقل الناس.. لا احتقارهم
بعض المثقفين يتحدثون مع الناس وكأنهم:
“مشروع جهل”.
بينما الإنسان البسيط قد يملك:
فطرة
وحكمة
وفهمًا للحياة
أعمق من مثقف يعيش داخل الكتب فقط.
حين يشعر الناس أن المثقف:
يفهمهم
لا يستعرض عليهم
يبدأ التأثير الحقيقي.
2- تحويل الثقافة من “خطاب” إلى “حياة”
الناس لا تتأثر غالبًا بالمواعظ الطويلة
بل بما:
تراه
وتعيشه
وتشعر أنه يشبهها.
ولهذا
فإن أعظم الثقافات تأثيرًا هي التي تتحول إلى:
سلوك يومي.
حين يرى الناس:
الاحترام
والنقاش الراقي
والصدق
والتفكير المتزن
فإن الثقافة هنا تصبح:
عدوى إيجابية.
3- التبسيط دون تسطيح
وهنا تظهر عبقرية الإعلامي أو المثقف الحقيقي:
أن يشرح الفكرة العميقة بلغة يفهمها الجميع،
دون أن يفقدها عمقها.
أو بمعنى أدق:
“النزول إلى مستوى الناس .. للارتقاء بهم.”
فأخطر المثقفين تأثيرًا ليس الأكثر تعقيدًا
بل الأكثر قدرة على:
تبسيط الفكرة العميقة
دون تسطيحها
أو إهانة عقل المتلقي.
4- مخاطبة مشاعر الناس .. لا عقولهم فقط
الإنسان لا يتحرك بالفكرة وحدها،
بل:
بالمشاعر أيضًا.
ولهذا
فإن الثقافة الباردة جدًا
والمكتوبة وكأنها تقرير جامعي
تفشل غالبًا في التأثير الشعبي.
الناس تتذكر:
القصة
والصورة
والمشهد
والإحساس
أكثر مما تتذكر التنظير الجاف.
5- ربط الثقافة بالواقع الحقيقي
حين يتحدث المثقف عن:
الفقر
أو العلاقات
أو الخوف
أو العمل
أو الضغوط
أو الحب
أو التربية
بلغة تشبه حياة الناس
هنا تبدأ الثقافة بالنزول من البرج إلى الأرض.
أما حين تبقى الثقافة غارقة في:
قضايا لا تمس الإنسان العادي
فإنها تتحول إلى:
نقاشات مغلقة بين النخبة.
6- صناعة “المثقف القريب”
العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى:
“المثقف العارف”
بل إلى:
“المثقف القريب”.
الذي يستطيع أن يجلس مع الناس
ويضحك
ويبسط
ويناقش
ويخطئ أحيانًا
دون أن يفقد قيمته الفكرية.
لأن البشر يتأثرون بمن:
يشعرون أنه منهم
لا بمن يشعرهم أنهم أقل منه.
7- استخدام أدوات العصر بدل محاربتها
بعض المثقفين ما زالوا يحتقرون:
المقاطع القصيرة
والبودكاست
والمنصات الرقمية.
بينما الحقيقة أن هذه الأدوات أصبحت:
الشارع الجديد للعقول.
السؤال لم يعد:
هل نستخدمها أم لا؟
بل:
كيف نستخدمها بذكاء دون أن نسقط في التفاهة؟
الخلاصة الأعمق
التأثير الحقيقي على وعي العامة لا يبدأ من:
الكتاب فقط،
ولا من الجامعة
ولا من الندوة.
بل يبدأ من:
فهم الإنسان نفسه.
ماذا يخاف؟
ماذا يحب؟
كيف يفكر؟
ما الذي يجذبه؟
وما الذي يجعله يثق؟
وهنا تحديدًا،
يلتقي:
الإعلام،
والثقافة،
والسايكولوجيا.
ولهذا ربما
الصحفي أو المثقف الأكثر تأثيرًا،
ليس الأكثر صراخًا،
ولا الأكثر استعراضًا،
بل الأكثر فهمًا للإنسان
من عقلك… أعرفك من أي بلد أنت؟
اليابان تقرأ:
الانضباط
والإتقان
والعمل الجماعي.
الصين تقرأ:
القوة
والمعرفة
والتفوق طويل المدى.
كوريا الجنوبية تقرأ:
النجاح
والتطوير
والمنافسة.
أوروبا تقرأ:
الفلسفة
والفرد
والحرية
ونقد الذات.
أمريكا تقرأ:
الفرصة
والتأثير
والتسويق
وصناعة الحلم.
أما العالم العربي..
فلا يزال يقرأ بعقول متفرقة:
بين التراث
والعاطفة
والسياسة
والدين
والترفيه
والبحث المتأخر عن الوعي.
ولهذا
نجح مفكرو بعض الدول في توسيع وعي مجتمعاتهم
لأنهم عرفوا:
كيف يفكر الناس
وماذا يريدون
وكيف يخاطبون عقولهم بلغتهم لا بلغتهم هم فقط.
فالثقافة لا تنجح حين تتعالى على المجتمع..
بل حين تفهمه
ثم ترتقي به.