من يشعلها؟
شر البلية..
كتب: عبدالله العميره
إشعال الحروب أسهل بكثير من إطفائها.
ولهذا، قد يحتاج العالم أحيانًا إلى:
شخص متهور
أو قائد غاضب
أو متطرف
أو تاجر سلاح
حتى تبدأ النار.
لكن إطفاءها قد يحتاج إلى عقول نادرة.
فالحروب لا تبدأ دائمًا بسبب القوة فقط؛ بل أحيانًا بسبب:
الجهل
والغرور
وسوء الحسابات
والأحقاد
ومصالح من يعيشون على الفوضى.
ولهذا تبدو بعض الحروب أسرع من قدرة العقل على منعها.
يقال دائمًا:
من الصعب أن تبني صرحًا حضاريًا، لكن البناء ليس مستحيلًا.
أما الهدم، فهو أسهل بكثير.
حين تريد بناء مدينة،
أو اقتصاد
أو جامعة
أو مشروع سلام
فأنت تحتاج إلى:
مهندس بارع
وعمال متخصصين،
ووقت طويل
وصبر
وعقول تعرف ماذا تفعل.
لكن عندما تريد الهدم، قد يكفي:
رجل جاهل يحمل فأسًا.
وربما لهذا السبب تسهل الحروب.
فالهدم بطبيعته أسرع من البناء، وقرار إشعال النار أسهل من قرار السيطرة عليها بعد انتشارها.
المشكلة أن العالم الحديث أصبح مليئًا بما يمكن تسميته:
“سوق الظل للهدامين”.
تجار سلاح
ومحرضون
ومتطرفون
ومستفيدون من الفوضى
وإعلام يربح من النار أكثر من السلام.
بعضهم يتحدث عن:
الحرية
أو الأمن
أو حماية الشعوب
بينما هو عمليًا يسكب الوقود على الحرائق.
ولهذا قد تبدو بعض مشاهد العالم شبيهة بصورة عبثية:
أشخاص يحملون طفايات حريق بيد
وبراميل وقود باليد الأخرى.
ومن هنا تتحول المأساة أحيانًا إلى شيء يشبه:
“شر البلية ما يضحك.”
لكن الأخطر أن إشعال الحرب لا يحتاج دائمًا إلى عقل عبقري.
بينما منعها
أو إيقافها
أو بناء سلام حقيقي بعدها
يحتاج إلى:
حكماء أقوياء.
فالحروب لا تكشف فقط من يملك السلاح؛ بل تكشف أيضًا:
من يملك العقل.
الهدم يمكن أن يقوم به جاهل يحمل فأسًا.
أما بناء الحضارات،
وحماية الشعوب
وإطفاء الحرائق قبل انتشارها
فهي مهمة لا ينجح فيها إلا:
الأقوياء الحكماء.
وتذكرتُ قصة طريفة تختصر الفرق بين:
إشعال النار
وإطفائها.
شاب تخرج وعمل في الدفاع المدني، ثم عاد إلى أهله في الصحراء، حيث:
شبة النار
والقهوة
وإكرام الضيف.
سأله أحد أقاربه أمام الحضور:
وين تشتغل؟
قال:
في الدفاع المدني.
قالوا:
وش يعني الدفاع المدني؟
قال:
يعني نطفي النيران.
فردوا بصوت واحد:
“أفا يا ولد.. أبوك يشعل النار للضيف، وأنت تطفيها؟!”
اختلاف المعاني أحيانًا يصنع الطرافة.
طبعًا؛ هناك فرق شاسع بين:
نارٍ تُشعل للكرم وإطفاء الجوع
ونارٍ يشعلها طغيان الشبع من أجل الهدم.
لكن العالم اليوم يبدو وكأنه يعيش المعنيين معًا:
أناس يشعلون النار باسم المصالح
وآخرون يحاولون إطفاءها بالزيت وقليل من الماء.
وفي النهاية، لا تستمر نار مستعرة إلى الأبد؛ إلا إذا حكم إبليس الأرض وحده.
أما البشر، فقد خلقهم الله:
للعبادة
وإعمار الأرض
لا لتحويلها إلى رماد.
والتاريخ يخبرنا أن كل من تجاوز قانون الله في الأرض، كانت نهايته مؤلمة، مهما بلغت قوته؛ ثم جاءت بعده:
دول جديدة
وحضارات أخرى
وأجيال أعادت بناء ما هدمته الحروب والغرور
كل هؤلاء، لو كانوا يفهمون فعلًا في:
إدارة الأزمات
وإطفاء الحروب
والحلول الدبلوماسية السلمية
لما كانت بلدانهم مشتعلة
ولما كانت مجتمعاتهم تعاني
ولما صنعوا هذا العدد من الأعداء.