التفكير في زمن التفاهة

news image

 

من أرندت إلى عصر المنصّات

  

يوسف بن المكّي* 

وأنا أقرأ حنّة أرندت لم يَحدث أن استشعرتُ بأنّني أمام فيلسوفة تَكتب من برجٍ عالٍ، أو تُلقي بأفكارها من على مسافةٍ آمنة. فغالب الإحساس عندي أنّي أقرأ امرأةً تُصغي بقلق إلى ما يجري في العالَم، وتُدوِّن هذا القلق بلغةٍ هادئة، غير أنّها نافذة، تُربِك القارئ أكثر ممّا تُطمئنه. وربّما لهذا السبب بالذّات، لا تزال كتاباتها حيّة بعد خمسين سنة على رحيلها، كأنّها كُتبت لهذا الزمن الذي نعيش فيه، لا للقَرن الذي شهد ميلادها الفكريّ.

ولعلّ ما يشدّني إلى هذه الفيلسوفة والمُنَظِّرَة السياسيّة أنّها لا تبحث عن الشرّ في المناطق القصوى وحدها، ولا تحصره في الكوارث الكبرى كما دأب على ذلك لفيفٌ من الفلاسفة السابقين، وإنّما تقترب منه حيث يبدو بسيطاً، عاديّاً، بل وتافِهاً وعملاً روتينيّاً يُدرَج في تفاصيل الحياة اليوميّة ويُنفَّذ بوصفه امتثالاً للصمت نظير ما يمور به الواقع.

حين تابعتْ حنّة أرندت محاكمة الضابط الشهير في القوّات النّازيّة الألمانيّة الخاصّة أدولف أيخمان، لم تكُن في حاجةٍ إلى كثيرٍ من الجهد حتّى تلاحِظ أنّ الرجل الذي يقف متَّهماً أمام المحكمة، لا يشبه الصورة النمطيّة للمُجرِم؛ إذ لم يكُن فصيح الكراهية، أو مفتوناً بالقتل، وَجَدَته موظَّفاً عاديّاً شمله البرود وغَلَّفتِ البساطةُ لُغتَه، فيتحدّث بعباراتٍ جاهزة، ويُحيل كلَّ أفعاله إلى أوامر صادرة من فوق. وحتّى عندما اطَّلعتْ على الملاحظات التي دبَّجها الطبيب النفسي الإسرائيلي الذي فَحص أدولف أيخمان وعايَنه قبل المحاكمة وفي أثنائها أَلْفَتْهُ يَعتبره "شخصاً طبيعيّاً للغاية وقد يكون طبيعيّاً أكثر منّي - الطبيب النفسي - بعدما عاينْتُهُ على كلّ حال" (حنّة أرندت، أيخمان في القدس: تفاهة الشرّ، ترجمة: أحمد زعزع، بيروت، دار الساقي، ط1، 2018، ص16).

ولم يكُن ما أَثار فَزَعَ حنّة أرندت هو ما قاله أيخمان نفسه بقدر ما أَفزَعَها ما لم يقلْه؛ فكلماته كانت تشي بخواءٍ من المعنى، وهذا الصمت الكثيف الذي حلَّ محلّ التفكير، حتّى بدا العقلُ وكأنّه قد أُفرغ من عادته القديمة في السؤال والمُساءَلة. فما واجهته أرندت في شخص أيخمان لم يكُن عقلاً شرّيراً بالمعنى المُتداوَل، وإنّما عقلاً متوقّفاً عن الاشتغال، عقلاً يُكرِّر العبارات كما تُكرَّر الصيغ الجاهزة، من دون أن تمرّ عَبْرَ تجربةٍ داخليّة أو مُحاكَمةٍ ذاتيّة. فكان الرجل يتحدّث كثيراً، لكنّ كلامه كان يدلّ على غياب الفكر أكثر من حضوره؛ كلمات تتراكم من دون أن تضيء معنى، وجُملٌ تتحرّك بلا روح. هذا الفراغ الداخلي هو ما جَعَلَ الشرَّ مُمكناً، بل سهلاً، إذ لم يكُن هناك صوتٌ باطنيّ يَعترض، ولا لحظة تردُّد توقِف الفعل عند حدوده. فحين يَغيب التفكير، يَغيب معه الشعورُ بالمسؤوليّة، ويتحوّل الإنسان إلى أداةٍ تؤدّي ما يُطلب منها من دون أن تَسأل عمّا تصنعه بيدِها. من هنا تشكّلت لدى حنّة أرندت فكرة "تفاهة الشرّ" أو ابتذاله، وهي فكرة أُسيء فهمها كثيراً من طَرَفِ خصومها ومناصريها في الآن عينه؛ فالتفاهة هنا لا تَعني صِغَر الجريمة أو عدم استحقاقها للمُحاكَمة، وإنّما عَنَتْ أرندت بها خواءَ الفعل البشري من أيِّ مُساءلةٍ ذاتيّة؛ إذ صارَ الشرُّ مُمكناً حينما توقَّف الإنسانُ عن محاورة نفسه، واكتفى بأداء الدور الموكول إليه، من دون أن يَسأل عن نتائجه أو تبعاته.

إنّ المُتأمّل في ما يَنضح به العالَمُ اليوم، يصعب عليه الاستغناء عن هذا التحليل. فنحن نعيش وسط تدفُّقٍ متواصل للأخبار، ونرى الحروب تُبَثّ مُباشرة، والضحايا يُختزلون في أرقام، والمآسي تُستهلَك كما تُستهلك باقي الموادّ الإعلاميّة. شيئاً فشيئاً، فَقَدَ العنفُ حِدَّتَه، وغَدَا مألوفاً، حتّى كأنّه جزءٌ من المشهد الطبيعي للعالَم. ولعلّ هذا الاعتياد هو ما توجَّست منه أرندت. فحين يُصبح العنف خبراً عاديّاً، ويتحوّل الظلمُ إلى تفصيلٍ عابرٍ، تتآكل قدرتُنا على الحُكم الأخلاقي، ويُصبح التفكير عبئاً غير مرغوب فيه أو وزراً يلزم تلافيه. وفي مثل هذا المَناخ، لا يحتاج الشرّ إلى تبريرٍ أو شرْعنةٍ، بقدر ما يكفيه أن يُدار بهدوء، وأن يُمارَس دونما ضجيج.

انشغلت حنّة أرندت، إلى جانب تأمّلها في الشرّ، بسؤال التعدُّد، وهو سؤال ظلَّ مُلازِماً لها في كتاباتها عن السياسة والشموليّة. فكانت تَرى أنّ أخطر ما قد يصيب المجتمعات هو انغلاقها داخل تفسيرٍ واحد للعالَم، ورؤيةٍ واحدة للتاريخ، وأنموذجٍ واحدٍ للإنسان. والحقّ أنّ هذا الانغلاق، وإنْ اتَّخَذَ في زمنها شكلَ أنظمة شموليّة صارخة، يبدو اليوم أكثر نعومة، وأكثر انتشاراً. فنحن نعيش في عالَمٍ يُروَّج فيه لأنموذجٍ كونيٍّ واحد للحياة الجيّدة، وللتقدُّم، وللنجاح. وتُقاس فيه الثقافات بمدى قُربها من هذا الأنموذج، وتُدفَع اللّغات الهامشيّة إلى الزوايا، وتُختزَل الهويّات المتعدّدة في قوالب جاهزة. لذلك نَظرت حنّة أرندت إلى مسألة التعدُّد بحسبانها شرطاً أساسيّاً لوجود عالَمٍ مُشترَك، تقول في هذا الصدد: "إنّ التعدّديّة هي شرط الفعل الإنساني، لأنّنا جميعاً مُتشابهون، أي أنّنا بَشر، من دون أن يكون أيُّ شخصٍ مُطابقاً لأيِّ إنسانٍ آخر قد عاش، أو يعيش، أو سيولَد" . فالأصل في البشر هو الاختلاف لا التشابه؛ لأنّ الاختلاف يَفتح إمكانات الرؤية والفعل والحوار، ومتى ما جرى محو التعدُّد، ضاقَ العالَم وضعفتِ السياسةُ وتحوَّلَ الاختلافُ من مصدرٍ للغنى إلى باعثٍ على القلق.

التفكير ليس تَرَفاً

ولعلّ من النصوص التي توقّفتُ عندها طويلاً لحنّة أرندت هي تلك التي تتأمّل من خلالها في أزمة التربية؛ إذ لم تَكتب عن المدرسة بوصفها مؤسّسةً تقنيّة، ولا عن التعليم باعتباره مسألةَ مناهِج وطرائق تدريس، وإنّما اهتجست بالتفكير في التربية بوصفها علاقةً بين الأجيال وفِعلاً يتقلّدُ مسؤوليّةً تجاه عالَمٍ موروث. فالتربية عندها أَصبحت "مشكلة من أعظم المشكلات السياسيّة... ولا حاجة بنا إلى خيالٍ خصب لكي نُدرِك أخطارَ التدهْوُر المُطّرد في المستويات الأوّليّة في النظام المدرسي بأسره" (حنّة أرندت، بين الماضي والمُستقبل: ستّةُ بحوثٍ في الفكر السياسيّ، ترجمة: عبد الرّحمن بشناق، بيروت: جداول للنَّشر، ط1، 2014، ص 237). ترى صاحبة "الوضع البشري" أنّ التربيةَ تَفقد معناها حين يتخلّى الكبار عن هذا العالَم، وحين يُطلَب من الأطفال التكيُّف مع واقعٍ لا نَفهمه نحن أنفسنا، أو لا نجرؤ على الدّفاع عنه. فالتعليم، في جوهره، هو تقديم العالَم للوافدين الجُدد، مع الاعتراف بأنّه عالَمٌ غير مُكتمل، وقابل للنقد والتقويم. والحال أنّ أزمة التربية اليوم تتجلّى في تعليمٍ سريع، نَفعيّ، يُركِّز على المهارات القابلة للتوظيف، ويغفل تكوين الحُكم، والقدرة على التفكير، والشعور بالمسؤوليّة؛ إذ أَصبح يُدرَّب المتعلّم على الاستجابة أكثر ممّا يُدرَّب على السؤال، وعلى التكيُّف أكثر ممّا يُدرَّب على الفهْم. ولطالما آمنَت حنّة أرندت بأنّ كلّ طفل يَحمل إمكانيّةَ بدايةٍ جديدة، وأنّ التربية هي المجال الذي تُصان فيه هذه الإمكانيّة. وحين تَفشل التربية، فإنّنا نَفشل في ضمان استمراريّة العالَم نفسه.

ما يَجمع هذه الأفكار كلّها هو إيمان هذه الفيلسوفة بأنّ التفكير ليس تَرفاً، ولا نَشاطاً ذهنيّاً معزولاً، ولا يَنبغي لنا أن نَعتبره كذلك، بل إنّ استمراريّة الفضاء العمومي تكمن في جعْلِ التفكير مُمارَسةً يوميّة تَحمي الإنسان من الانزلاق إلى التفاهة، وتَحفظ قدرتَهُ على الحُكم والاختيار. فالتفكير، عندها، هو ما يَجعل الإنسان قادراً على التوقُّف، وعلى الامتناع، وعلى قول "لا..." حين تُصبح "نعم..." هي الخيار الأسهل.

وبعد خمسين سنة على رحيلها، لا تزال حنّة أرندت تُذكِّرنا بأنّ أخطر ما قد نَفقده ونَخسره هو القدرة على التفكير، وخسران هذا الأخير خسرانٌ لسائر القيَم والفضائل التي انماز بها الإنسانُ عن غيره من الكائنات. ففي عالَمٍ سريع، صاخب، ومُثقل بالعنف، يُصبح التفكير فِعلاً مُقاوِماً، ومسؤوليّةً أخلاقيّة، وربّما يصير آخر ما تبقّى لنا كي نَظلّ بَشراً.

*باحث في الفلسفة المُعاصِرة من المغرب 
مؤسسة الفكر العربي
__________
تعليق | BETH

هذا النص يعيد طرح سؤال مركزي في زمن الإعلام الفوري والذكاء الاصطناعي:
هل ما يهدد الإنسان اليوم هو “الشرّ المتعمّد” أم تعليق التفكير؟
قراءة أرندت تُظهر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأيديولوجيات وحدها، بل في تحوّل الإنسان إلى منفّذ صامت داخل منظومات أكبر منه—سياسية، إعلامية، أو تقنية. في عصر تتحوّل فيه المآسي إلى محتوى، والحروب إلى أرقام، يصبح التفكير فعلًا مقاومًا، لا ترفًا ثقافيًا. التحدّي اليوم ليس فقط إدانة الشرّ، بل استعادة القدرة على الحكم الأخلاقي في فضاء عام مُنهك بالضجيج.

من أرندت إلى عصر المنصّات
انتقال مفهوم «تفاهة الشر» من بيروقراطية الأمس إلى ضجيج الإعلام الرقمي اليوم.