عندما اختلفَ يونغ عن مُعلّمِه فرويد
منصور مبارك المطيري*
خلال حياةٍ امتدَّت ستّةً وثمانين عاماً، أَفلح كارل غوستاف يونغ في جعْلِ التحليل النفسيّ يَطرق نَهجاً مُغايراً لذاك الذي شقَّه مؤسِّسُهُ سيغموند فرويد، ويَملأ رفوفَ علم النفس بإنتاجٍ واسعٍ ما فتئ يَستعين به المُختصّون والعامّة ويعدّونه مفتاحاً لفهْمِ مشكلات الفرد. تلك السطوة المعرفيّة، إن جازَ لنا التوصيف، لا زلنا نَجد صداها راهناً في وسائط التواصُل الاجتماعي، حيث تَظهر صورٌ له في ريعان الصبا وخريف العمر وبجانبها أقوالٌ سديدة وأخرى ثاقبة مُستلَّة من محاضراته وكُتبه، فتحوَّل إلى ما يشبه الرجل الحكيم العابر لحواجز الزمن كي يزجي لنا النّصحَ في التعامل مع عصرٍ مشحونٍ حتّى النّخاع باعتلالاتِ النَّفس وتوتُّرات الذهن.
لا ريب أنّ هذا الطبيب السويسري ذا الخلفيّة الكهنوتيّة كان في زمنه ذائعَ الصيت وطبَّقت شهرتُهُ الآفاق، فقد تحوَّل منزلُهُ في بلدة كوسناخت على بحيرة زيورخ إلى قبلة تقاطرَت إليها الشخصيّاتُ والمرضى من كلّ فجاج الأرض. كان يونغ شخصيّةً جذّابة وذا ذهنٍ متوقّد متعطّش للمعرفة، كما أنّه تميَّزَ ببنية جسديّة قويّة، إذ كان فارع الطول تَنتصب قامَتُهُ إلى نحو مترَيْن، وهو الأمر الذي حدا بفرويد حين التُقطت الصورة الشهيرة للمؤتمر العالَمي الثالث للتحليل النفسي في العام 1911 إلى مُجاوَرة يونغ والوقوف فوق صندوقٍ كي يبدو الأب أطولَ قامة من وريثه الشرعي في مَملكة التحليل النفسي.
وُلد كارل غوستاف يونغ في تمّوز/ يوليو 1875 لأبٍ يَعمل أسقفاً لأبرشيّةٍ ريفيّة كان قد انخرطَ في السلك الكهنوتي بعد الحياة الأكاديميّة، ومات في بداية العقد الخامس من عمره تاركاً كارل وشقيقته "يوهانه" يتجرّعان كأس اليتم مبكّراً. ومنذ البداية كان مُقرَّراً أن يقتفي يونغ خطى أبيه في دراسة اللّاهوت، ولكنّه صرَّحَ بأنّه عدلَ عن ذلك المَسار وعَزم على دراسة الطبّ البشري بعد طَيفٍ راوَدَهُ أثناء وجوده في ساحة مونتسر بلاتز في بازل. وهذا ما يَعكس جوهر العامل الدّيني في فكره، إلى الدرجة التي نَقَشَ فيها فوق مدخل منزله عبارة "سواء كنتَ مدعوّاً أو لم تُدعَ، فاللّه سيكون حاضراً".
بَعد تخرُّجه، عملَ يونغ في مستشفى بورغولزلي التي كانت تُعَدّ، في مقاييس ذلك الزمن، مؤسّسة طبيّة ضخمة وفي غاية التقدُّم. وهي في الأصل مستشفى تأسَّستْ في العام 1870، وكان الغَرَضُ منها طبابة المرضى المُصابين بالذهان والمُسمّى بمصطلحات ذلك الزمن "الخَرَف المبكّر" والمُشتَقّ من تحوير الكلمة الألمانيّة "الغباء المبكّر"، واستقرَّ العِلمُ راهناً على تسميته بانفصام الشخصيّة. ففي زمنٍ كانت فيه أوروبا غارقةً في عوالم يَحكمها التزمُّت والطهرانيّة، ابتُكرت مؤسّسات الطبّ النفسي كهوامش اجتماعيّة مُظلِمة يُحتجز فيها الأشخاص غَير المُتطابقين مع معايير المُجتمع، وهو الأمر الذي يوضِح طبيعة النَّهج والفَهْم اللّذَيْن كان يُعالَج عَبْرهما المرضى آنذاك. غير أنّ مصحّة بورغولزلي كانت تَسعى من خلال بحوثها وطاقمها الخبير إلى استكشاف علاجاتٍ جديدة يكون تأثيرُها ناجعاً على المرضى وتؤدّي إلى شفائهم. وفي بيئةٍ كهذه وضعَ يونغ اللّبنات الأولى لمَنهجِه.
العالِم الموغِل بأعماق النَّفس
ربّما تفصلنا عن ذلك الزمن سنواتٌ بعيدة وأخرى أكثر اتّساعاً من منظور تطوُّر العِلم ومُراكَمة منجزاته، إلّا أنّ الإنسان المعاصر ما زال يتحدّث بشكلٍ عفوي عن مصطلحات مِن قَبيل الشخصيّات "المُعقّدة" أو الشخصيّات "الانطوائيّة" والأخرى "المُنفتحة"، من دون أن يُدرِك أنّ هذه المُصطلحات قد قامَ بسكِّها كارل غوستاف يونغ. ولا يَقف الأمر عند ذلك، فالكثير من أفكاره لا تزال تَحتفظ بصلاحيّتها وشهرتها بَعد كلّ هذا الزمن.
إنّ هذا الرجل الذي حاجَجَ فرويد وتركَّزَ اهتمامُهُ المركزي على إدراك النَّفس، كانَ في نَظَرِ الكثيرين، وبخاصّة مؤرِّخي حركة التحليل النفسي، هو الذي أَرسى القواعد الثابتة في هذا الفرع المُلتبس من العلوم. ومن دون أدنى شكّ، فإنّ يونغ انتَزع شهرةً تُوازي تلك التي اكتَسبها معلّمه فرويد وكان تأثيره الأوّل لا جدال فيه، وامتدَّ إلى علومٍ أخرى تنقَّل فكرُهُ فيها برشاقةٍ، من بينها، على سبيل، الإحاطة بعلوم الإناسة والأدب والفنّ والفلسفة. وقد رأى يونغ أنّ اللّاوعي كما يَكشف عن نفسه للبشر في الأحلام، هو في المقام الأوّل أرضٌ خصبة قويّة للإبداع البشري، وبهذا اختلفَ عن أفكار أبيه الروحي سيغموند فرويد، الذي رأى في تلك الأحلام انفلاتاً لصدماتٍ مكبوتة.
إلى جانب فرويد، يُعَدّ يونغ مثالاً يُحتذى به كعالِمٍ بأعماق النّفس ومُلهمٍ لجيشٍ من النفسانيّين الذين تتناسلهم مختلف المؤسّسات الطبيّة والأكاديميّة في العالَم، ويَنشط العديدُ من الجمعيّات والحلقات التي تدين بالولاء لنهجهِ وفكرهِ، مثلما أنّ المكائن الإعلاميّة تَدفع بين الحين والآخر بسَيلٍ من البرامج والوثائقيّات والبودكاستات والأفلام عن حياة يونغ وأفكاره. وقد يكون وراء هذا الهجس بيونغ، سيرةً وفكراً، مَقدرته الفذّة على اختراق الجدران القائمة بين الحقول العلميّة، فضلاً عن أنّه كان باحثاً دقيقاً للغاية، وإن كان تميُّزُهُ عمَّن سبقوه يكمن في منهجه الذي لم يَستبعد الظواهر الروحيّة والغيبيّة، والتي صرفَ قسطاً كبيراً من حياته في دراستها؛ فكان بذلك وشيجة مأمونة بين عوالِم الواقع والغَيب وسبّاقاً في جَعْلِ الأفكار الباطنيّة تَحظى بالقبول الاجتماعي.
أضف إلى ذلك أنّ يونغ نجحَ في أن يَجعل للتحليل النفسي موطئ قدمٍ في مؤسّسات التعليم العالي. ففي مُقرّرات عِلم نفس الشخصيّة التي هي في صلب الدراسة الأكاديميّة لتخصُّص علم النفس، يَظهر اسم كارل يونغ بوصفه مؤسِّساً لمصطلح الانطواء. وهذا مفهوم شائع جدّاً في عِلم نفس الشخصيّة راهناً، وإنْ طرأت عليه بعض التصويبات التي جَعلَتْهُ مُختلفاً عن المعنى الذي قدَّمه يونغ؛ إذ تعامَلَ يونغ مع مصطلح الانطواء على أنّه انطواءٌ على الذّات حصراً، بحيث يَنظر المرء إلى نفسه بدلاً من التوجُّه ببصيرته نحو الخارج، ومُتّجهاً بالتالي نحو الحواسّ والعالَم. ففي علم نَفس الشخصيّة، بات هذا المفهوم يُسمّى "التواصُل الاجتماعي"، فيما الانطوائيّون لا يميلون إلى مُخالَطة الآخرين، وتلوح عليهم علامات التحفّظ فيُحجمون عن التحدُّث بحريّة مع الآخرين. وهكذا تكون النظرة الداخليّة أو الخارجيّة التي قالَ بها يونغ قد اندَثرت، ولكنّ المصطلح لا يزال موجوداً.
يونغ ومبدأ التفرُّد
أولى يونغ في مَنهجه للعلاج النفسي أهميّةً قصوى لمبدأ التفرُّد، والذي غالباً ما يتمّ التعبير عنه بعبارة " كنْ على طبيعتك". ويَنهض هذا النّهج على القول إنّ اللّاوعي لدى كلّ فرد يتولّى إرشاده إلى شخصيّته الحقيقيّة. وكان لدى يونغ مفهوم آخر قام باجتراحه على الضدّ من تعاليم فرويد وهو اللّاوعي الجمعي. وكان هذا المفهوم قد ضربَ عرض الحائط بما كان قد سَبق لفرويد أن ركَّز عليه عن الخبرات الفرديّة التي يعيشها المرء، وبخاصّة في مرحلة الطفولة، والتي يقوم بكبْتِها لاحقاً. أمّا يونغ فرأى أنّ هناك أساساً روحيّاً جماعيّاً، أَنفقَ في شرْحِه وصَوْغِه وقتاً طويلاً، فيقول إنّ ثمّة أنماطاً تعود إلى عصورٍ قديمة وتَنتقل عَبْر الأجيال، بحيث تَكتسب بذلك صفةَ الوراثة، وتكون جنباً إلى جنب مع الغرائز، ومتجسِّدَةً في الجينات البشريّة وتكون أنماطاً يملأها الفرد من خلال عيشه للحياة. وكلّما أَفسح المرءُ المجالَ لهذه الأنماط القديمة، التي غالباً ما يَجهلها، في أن تتفاعَل مع اللّاوعي، أَخَذَ هذا الأخير في الاقتراب من جوهره الحقيقي. ويَستتبع ذلك بالضرورة حقيقة أنّ ذلك الجوهر موجود في أعماق الفرد وما عليه سوى التنقيب عنه وكشْفِه، وهو ما يتأتّى عنه حقيقة ثانية تَأخذ بتلابيب الأولى مفادها أنّ في أعماق كلّ إنسان هدفاً وغاية، وفي أنّ الحريّة تكمن في قدرة المرء على بلوغ ذلك الهدف وتلك الغاية.
في كتاباتِه رَسَمَ كارل غوستاف يونغ خطّاً عريضاً لعلاقة الفرد بذاته الداخليّة، بحيث رأى أنّ كلّ امرئٍ له سبيل محدَّد مسبّقاً يتحتَّم عليه أن يمضي فيه. وعَدَّ الكثيرون من شرّاح تراث يونغ أنّ هذا القول يَنطوي على طمْأنةٍ للفرد وعلى دعوتِه للاسترخاء؛ فحين يتملّكه هذا الشعور ليس هناك الكثير ممّا يتوجب عليه القيام به، إذ ليس مُجبراً بالتالي على مُكابَدة الحياة واختبارها. فعلى الفرد أن يسبر غور نفسه فقط، وأن يَنظر فيها كي يُدرِك مَسارَ حياته القويم. وما سَبق يوضِح الترابُطَ المُحكم بين أنموذج يونغ والتقنيّة المُشار إليها بنموذج التعبير كأحد صنوف علاج المرء من خلال جعْلِه قادراً على التعبير عمّا يمور في دخائله، ومن ثمّ الوصول إلى جذر التفرُّد. فهذا المصطلح الذي يقوم بدَورٍ مركزي في عِلم النَّفس البشريّ، غالباً ما يتعلّق بحقيقة أنّه لا يُمكن تطويره إلا باكتساب الخبرات. ورأى يونغ أّن المفتاح لذلك هو في الكشف الخلّاق عن أحلام المَرء، عَبْرَ تفسير الرموز التي تَظهر في الأحلام والرغبات، وبهذا المعنى فإنّ يونغ كان يُشيِّد نظريّةً للتطوُّر عملَ على إتمامها في مراحل لاحقة.
*كاتب من الكويت
مؤسسة الفكر العربي
_____
تلخيص BETH
يتتبع المقال المسار الفكري لكارل غوستاف يونغ، منذ نشأته الدينية والطبية، مرورًا بتكوينه العلمي في مستشفى بورغولزلي، وصولًا إلى لحظة الاختلاف الجوهري مع سيغموند فرويد.
يركّز النص على انتقال يونغ بالتحليل النفسي من حصر الإنسان في الصدمة والكبت الفردي، إلى رؤية أوسع ترى في اللاوعي مساحة للإبداع، والرمز، والمعنى، والذاكرة الجمعية.
كما يوضح المقال إسهامات يونغ المفصلية، مثل:
مفهوم الانطواء والانفتاح
اللاوعي الجمعي
مبدأ التفرّد
مركزية الحلم والرمز في فهم النفس
ويبيّن كيف أسّس يونغ لنموذج علاجي وفكري لا يزال حاضرًا في علم النفس، والفلسفة، والثقافة المعاصرة، بوصفه جسرًا بين العلم والروح، وبين الفرد وإرثه الإنساني العميق.
تعليق BETH
ما يميّز يونغ ليس كثرة المفاهيم، بل جرأته على توسيع السؤال.
فبينما سعى فرويد إلى تفسير الإنسان،
حاول يونغ أن يُصغي إليه.
وحين حاصر التحليل النفسي الإنسان داخل تاريخه الشخصي،
فتح يونغ نافذة على تاريخ أعمق… تاريخ يشترك فيه البشر عبر الرمز والأسطورة والذاكرة.
في زمننا الحالي، حيث يُختزل الإنسان في التشخيص،
وتُقاس صحته النفسية بالأداء والقدرة على التكيّف،
تعود أفكار يونغ لتطرح سؤالًا مقلقًا:
هل نُعالِج الإنسان…
أم نُبعده أكثر عن ذاته؟
من هنا، لا يبدو اختلاف يونغ عن فرويد حدثًا تاريخيًا،
بل انقسامًا ما زال قائمًا حتى اليوم
بين علم نفسٍ يُرمّم،
وعلم نفسٍ يبحث عن المعنى.