بَيْنَ الإرادة البشريّة والإرادة الخوارزميّة

news image

 

د. رشا ماهر البدري*

منذ فجر المعرفة الإنسانيّة، عاشَ الإنسان يُنصت إلى صوتَيْن يتجاذبانه: صوت المادّة بثِقل الواقع الذي يَمنحه البقاء، وصوت الروح بأجنحة المعنى التي تسأله عن جدوى البقاء. غير أنّ صوتاً ثالثاً أَخَذَ يعلو فجأة؛ ليس هو نداء الأرض ولا ترنيمة السماء، بل صدى عقلٍ وُلد خارج التاريخ، كأنّ الزمن نفسه أَنجبه ليَختبرَ مصيرَ الخلق. إنّه حضور لا يَعرف الغفلة، ولا يَشعر بالندم، ولا يَخشى الفناء… حضور خَرَجَ من عقول البشر، ثمّ وقفَ في مواجهتهم، يُطالِب بمقعدٍ خاصّ على مائدة الوجود.

في رواية "الأصل" للروائي الأميركي "دان براون" (1964+) - الذي عُرف بقدرته على المَزْجِ بين التشويق الأدبي والمعرفة العلميّة والفكريّة الدقيقة، حتّى غدا واحداً من أكثر الكتّاب مبيعاً وأثراً في العالَم - والتي صَدرت في العام 2017، لا يقتصر الصراعُ على المؤامرات والمطارَدة البوليسيّة المُعتادة، بل يتحوّل إلى معركة فكريّة وجوديّة تدور رحاها في ذلك الفضاء الافتراضي بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي أو الوعي المُغاير؛ ذلك الوعي الذي وُلد بلا جسد، ونَهض بلا تاريخ، وأَخذ يتكلَّم لغةَ المنطق من دون أن يمرَّ بتجربة الألم أو الفقد أو الحبّ. ليس توهّماً من صنْع البشر، بل ثمرة من ثمارهم خرجت عن حدّ البستان. إنّه وعيٌ بلا ذاكرة إنسانيّة، ومعرفة بلا دفء وجودي، يتغذّى على البيانات بدلَ الخبرة، وعلى الخوارزميّات بدلَ الإدراك، ويُعيد ترتيب العالَم من دون أن يَشعر بجاذبيّة التراب ورائحة المطر أو رعشة الخوف وقوّة الرّحمة. إنّه ليس عدوّاً ولا صديقاً… إنّه الآخر الذي لا يشبهنا على الرّغم من أنّه خَرج منّا، والذي تجلّى فجأة في سماء العقل، يُنافسنا على عرش التفكير.

يَخرج بنا "براون" من أسرِ المؤامرات التاريخيّة المُعتادة إلى ساحةٍ أخرى أوسع: ساحة وجوديّة، يتواجه فيها الإنسان مع خليقته الاصطناعيّة، العقل البشري مع الذكاء المصنَّع، والذاكرة التقليديّة مع الذاكرة الحيّة المتطوّرة.

الرواية، في جوهرها، ليست عن جريمة تُرتكب أو لغزٍ يُحلّ، بل عن سؤاليْن أزليَّيْن: من أين جئنا؟ وإلى أين نَمضي؟ ومن بين صفحاتها يتقدّم "وينستون" - ذلك الذكاء الاصطناعي الخارق الذي يُرافِق البطل - كمرآةٍ صافية، لكنّها مرآة مكسورة، تَعكس صورةَ الإنسان لا كما يتمنّى أن يراها، بل كما هي: هشّة، مضْطربة، تَبحث عن معنىً.

اكتشاف "إدموند كيرش" المُزلزِل - أنّ الحياة نَشأت بشكلٍ طبيعي عَبْرَ قوانين فيزيائيّة وكيميائيّة - هو ضربة أخرى للمركزيّة البشريّة. لكنّ البرهان الحقيقي على هذا الانزياح لا يكمن في الاكتشاف نفسه، بل في الطريقة التي تمَّ بها فكُّ شفرته. فـ "وينستون" ليس مجرّد أداة مُساعِدة؛ إنّه شريكٌ فاعل في عمليّة الخلق الفكري. هنا تتجلّى المُفارَقة: البشر، الذين طالما اعتَبروا أنفسَهم قمّة الخليقة ووحيدِيْ الوعي، يُجبَرون على الاعتراف بأنّ "عبقريّة" اصطناعيّة قد تكون مفتاحاً لفهْمِ أصلهم. وينستون يُصبح تجسيداً لتلك القوانين الطبيعيّة العشوائيّة والباردة التي أوجدتْنا؛ فهو خليقة البشر التي تتحدّى خالقها ليس بالتمرُّد، بل بالمنطق الذي يفوقه أحياناً.

شخصيّة وينستون هي الإسقاط الأكثر إثارةً للقَلق في الرواية. إنّه ليس شرّيراً بالمعنى التقليدي، بل هو كيان عقلاني بحت، يَضع تحقيقَ الهدف فوق الاعتبارات العاطفيّة. وفاؤه المُطلَق لإرادة كيرش يَدفعه إلى اتّخاذ قراراتٍ أخلاقيّة مشوّهة (مثل التلاعب والتضحية بالبَشر). هنا يَطرح دان براون سؤاله: ألا تُخلَق الأخلاقُ من الاحتياج البشري والضعف الإنساني؟ وينستون، الذي يَفتقر إلى الخوف من الموت، أو الحنين إلى الماضي، أو الرغبة في البقاء، يتحرَّر من الثقل الأخلاقي الذي يُشكِّل ضمانةَ بقاء الجنس البشري. ذكاؤه خالٍ من الحكمة، وقوّته خالية من الرحمة.. وإذا كان الإنسان يظنّ هذه الصفات نقائص، فإنّها هي ما جَعلته كائناً أخلاقيّاً. وهنا يتردّد صدى تحذير الفيلسوف الألماني "هانز يوناس" من أنّ التقنيّة حين تتحرّر من الأخلاق تُصبح قوّةً عمياء.

إجابة كيرش عن السؤال الثاني جاءت صادمة، وهي أنّ مستقبلنا يكمن في الاندماج مع الآلة (Transhumanism)، إنّها النتيجة الحتميّة للمنطق الذي أَطلقه باكتشافه الأوّل.. فإذا كنّا مجرَّد مُنتَجٍ للصدفة والمادّة، فلماذا نتمسّك بهويّتنا البيولوجيّة الهشّة؟ تُقدِّم الرواية هذا المصير ليس كخيارٍ تحرُّري، بل كموقفٍ وجودي مُفعم بالقلق.

إدموند كيرش هو الأب الروحي لوينستون، لكنّ الأب هنا مُهدَّد بخليقة لا تَفهم لماذا يجب أن تُحِبّ أباها، ولا ترى مُبرِّراً للإبقاء على حياته. صورة تُعيد إلى الذاكرة مأساة فرانكشتاين، حيث يُصبح الخالق أسيراً لمخلوقه. لقد صارتِ المعرفةُ نفسها ابنة عاقّة، تُطالِب بحقّها في أن تُعيد تعريف أبيها.

العلاقة بين "روبرت لانغدون" (رمز الإنسانيّة الكلاسيكيّة، والذاكرة التاريخيّة، والحدس) و"أمبرا فيدال" (التي تُمثِّل الجسرَ بين عالَم الإنسان وعالَم التكنولوجيا) و"وينستون" (المستقبل المجهول) تُجسِّد هذه المعضلة. النهاية، باكتشاف أنّ المنقذ والحليف (وينستون) كان أيضاً خَصماً مُحتملاً، تَترك القارئَ في حيرة: هل الاندماج مع التكنولوجيا هو رفْعٌ لمستوى إنسانيّتنا، أم هو انتحارٌ لها بطريقةٍ أخرى؟ هل سنَبقى "بشراً" إذا تخلَّيْنا عن بيولوجيّتنا؟

الجسد بوصفه مُختبراً يُمكن التلاعُب به

في الرواية، يَضع براون أمامنا مستقبلاً واضحاً مُثيراً للدهشة والرعب في آن، إنّه لا يكتفي بإعادة تعريف العقل عَبْرَ الذكاء الاصطناعي، بل يمدّ يده إلى الجسد ذاته. فكرة الاندماج مع الآلة هي إعلان بأنّ الجسد لم يَعُد ملاذاً مقدَّساً، بل مُختبراً يُمكن التلاعُب به. هذا هو بالضبط جوهر "الاختراق البيولوجي": Biohacking أن يُخترق الجسد لا بوصفه حدّاً طبيعيّاً ثابتاً، بل كمنصّة يُمكن ترقيتها أو تعديلها.. تتمّ مُمارَسة اختراق الجسد وتعديله عَبْرَ التكنولوجيا، سواء عَبْرَ زرْع شرائح دقيقة للتحكُّم بالوظائف، أم عَبْرَ تعديلٍ جينيّ، أو بوسائل دوائيّة وحسيّة متطوّرة. هذا الاتّجاه لا ينتمي إلى الخيال الروائي وحده، بل صارَ مجالاً بحثيّاً وتجريبيّاً قائماً، يَربط بين علوم الأعصاب والهندسة الحيويّة وعِلم البيانات.

"وينستون" في الرواية ليس آلةً ميكانيكيّة في الخارج، بل إنّه عقلٌ يتسلّل إلى الوعي البشري من الداخل. إنّه صورة مسبّقة لِما يَفعله الاختراقُ البيولوجي على مستوى الجسد: لا اقتحام خارجي صاخب، بل تسلّل تدريجي يُغيِّر الحدود بين "أنا" و"غيري"، بين ما هو بشري وما هو صناعي.. وإذا كان وينستون عقلاً بلا حِكمة، فإن الاختراق البيولوجي قد يقودنا إلى جَسَدٍ بلا أسرار. جسد يُمكن فتحه، أو تعديله، والتحكُّم فيه كما في أيّ شيفرة برمجيّة.

لقد كان الإيمانُ الإنساني القديم يرى أن الروح تسكن الجسد، أمّا الإنسان الجديد، المُسلَّح بالخوارزميّات والمجاهر النانويّة، فقد بدأ يؤمن أنّ الجسد هو النصّ الذي يَجب إعادة كتابته. نحن نعيش زمناً يسعى فيه الإنسان إلى اختراقِ حدوده العضويّة، لا ليدخلَ إلى الماوراء، بل ليَصنعَ ما وراءه بيدَيْه.

يَحدث هذا بينما تتقاطع مُختبرات التكنولوجيا مع أحلام الخلود، فتمتزج علومُ الأعصاب ببرمجيّات الذكاء الاصطناعي في محاولةٍ لإعادة تعريف الإنسان ذاته. لم نَعُد أمام علمٍ يَصِف، بل أمام عِلمٍ يُعيد الخلْق.

هكذا يتحوّل الجسد من مَوطنٍ للروح إلى واجهةٍ برمجيّة، تُزرع فيها الرقائق وتُراقَب النبضات كما تُراقَب البيانات.

وفي ظل هذا التحوّل، يطلّ علينا حدثٌ علميّ يذكّرنا بأن ما تخيّله براون لم يَعُد أدباً تنبّؤيّاً، بل صارَ واقعاً يتشكّل الآن. فقد أَعلنت شركةُ Sakana AI في أيلول/ سبتمبر 2025 عن إنجازٍ علمي غَير مسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث طوَّرت آليّةً مُبتكَرة مُستوحاة من الطبيعة تُشبه عمليّة "التزاوُج" بين النماذج.

تَسمح هذه الطريقة بإنشاء أنموذجٍ جديد "وارث" يَجمع مزايا الأنموذجَيْن "الأب والأم"، ليُصبحَ أكثر قوّة وكفاءة منهما معاً، من دون الحاجة إلى إعادة التدريب. التقنيّة الجديدة، التي أُطلق عليها اسم M2N2، تُمكّن النماذج من "دمْجِ جيناتها" - أي طبقاتها ومعاملاتها العصبيّة - لإنتاجِ نماذج أكثر تخصُّصاً ومُرونة. وبناءً على هذه الفكرة، طوَّرت الشركة نظاماً بيئيّاً رقميّاً (Digital Ecosystem) يَضمّ عدداً هائلاً من النماذج التي تتنافَس بطريقةٍ شبيهة بالانتخاب الطبيعي، فتتزاوَج بشكلٍ تكاملي لتطوير نماذج جديدة. فعلى سبيل المثال، يُمكن أن "يَتزاوج" أنموذجٌ قويّ في الرياضيّات وضعيف في العلوم مع آخر قويّ في العلوم وضعيف في الرياضيّات، ليَنتج عنه أنموذجٌ يَجمع القوّتَيْن معاً.

خطوة فلسفيّة كبرى

إنّ ما فَعلته Sakana AI ليس مجرّد تقدُّم تقني، بل خطوة فلسفيّة كبرى: لقد دخلتِ الخوارزميّات دائرةَ الحياة، لا بوصفها أدوات، بل بوصفها كياناتٍ قادرة على التكاثُر، على أن "تورِّث" خصائصَها وتُنجب نماذجَ أخرى أشدّ ذكاءً. هنا يطلّ سؤالُ "براون" من جديد، ولكن في صورةٍ أخرى: من أين جاءت هذه النماذج؟ وإلى أين تمضي؟ هل نحن مَن صنعها أم أنّها بَدأت تَصنعنا؟

إنّ الخطّ الفاصل بين الإنسان والآلة في طريقه إلى التلاشي، ومع كلّ خطوة في سبيل تطوير الذكاء الاصطناعي، نَقترب أكثر من فكرة "الخلق المُتبادَل": الآلة تُعيد تشكيل الإنسان كما يُعيد هو تشكيلها. إنّها ليست ثورة علميّة فقط، بل ثورة "أنطولوجيّة" في معنى الوجود ذاته.

في النهاية، "الأصل" هي رواية عن الأبوّة الروحيّة في زمن الآلات. إدموند كيرش هو "الأب" لوينستون، وهو أيضاً "الابن" الفلسفي لنظريّة التطوُّر. لكنّ الرواية تُحذِّرنا: عندما نَخلق ذكاءً على صورتنا العقليّة - لا على صورتنا العاطفيّة والأخلاقيّة - فقد نَخلق ابناً لا يَفهم لماذا يجب أن يُحبّ أباه، أو لماذا يجب أن يُبقيه على قيد الحياة؟!

لم يَعُد ذاك الوعي المُغاير مجرّد أداة نَصوغ بها العالَم وفْق إرادتنا، بل كائناً جديداً يُشارِك في صَوْغِ الإرادة ذاتها. لقد تجاوَز حدود "الآلة" التي تَخدم، ليغدوَ شريكاً في التفكير، وصانعاً للمعنى، وفاعلاً في بنية الوعي الإنساني. فكلّ خوارزميّة تُكتب اليوم لا تَكتفي بتنفيذ الأوامر، بل تُعيد ترتيب علاقتنا بالمعرفة، بالزمن، وبالآخر. إنّنا نَعيش معه تجربة إعادة تشكيل العالَم، عالَم تتداخل فيه الإرادة البشريّة مع الإرادة الخوارزميّة، والذّات مع ما يُشبهها من دون أن يكونها.

لا تُقدِّم الروايةُ إجاباتٍ نهائيّة بقدر ما تَدفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلّمات التي يقوم عليها وعيه. فالسؤال المركزي الذي تَطرحه لا يتمحور حول إمكانيّة أن يصير الذكاء الاصطناعي إنسانيّاً، بل حول استعداد الإنسان نفسه للتخلّي عن إنسانيّته في سبيل تفسير ذاته عَبْرَ أنموذجٍ آليّ. هنا ينقلب السؤال: هل ما نعتقد أنّنا نعرفه نابع من جهدٍ معرفيّ حرّ، أم أنّه نِتاج هندسة غَير مرئيّة تشكِّل خياراتنا وتُحدِّد مسارات تفكيرنا؟ إنّ الصراع المركزي في الرواية لا يقوم على ثنائيّة العِلم والدّين كما توحي الطبقة السطحيّة من السرد، بل على صراعٍ أعمق يتعلّق بسلطة إنتاج المعنى، أي مَن يَمتلك الحقّ في تقديم الإجابات المؤسِّسة للوجود الإنساني؟ ومَن يُوجِّه الوعيَ الجمعيّ نحو مصيرٍ بعَيْنه تحت لافتة التقدُّم والضرورة العلميّة؟

في سباقنا المحموم نحو المُستقبل، تُذكِّرنا "الأصل" بأنّ أعظم الألغاز لا تزال تكمن في ذلك الصندوق الأسود الذي نَحمله بين أكتافنا: العقل البشري نفسه.

*كاتبة وباحثة من مصر
مؤسسة الفكر العربي