وجهة نظر في نقل المباريات

news image

كرة القدم… حين تُهدر القوة الناعمة

✍️ عبدالله العميره

 

كرة القدم في المملكة العربية السعودية ليست مجرد لعبة، بل أحد أهم عناصر القوة الناعمة التي تمتلكها الدولة اليوم. ومع ذلك، لا تزال هناك إشكالات متراكمة تتعلق بالعقول التي تدير هذا الملف الحيوي، وفي مقدمتها؛ النقل التلفزيوني، الذي يفترض أن يكون واجهة احترافية تعكس حجم المشروع الرياضي السعودي للعالم.

في هذا المقال، لا أناقش النتائج داخل الملعب، بل ما يُعرض خارجه…
الصورة، الصوت، والزمن.

النقل التلفزيوني: حين لا يواكب الطموح

رغم القفزات الكبيرة في مستوى الدوري المحلي، ما زالت إدارة نقل المباريات – من تصوير وإخراج وتعليق – تعاني بقايا عقلية قديمة، يشوبها أحيانًا التعصب، وأحيانًا الجهل بقيمة المشهد، وأحيانًا غياب الإدراك بأن العالم أصبح متفرجًا دائمًا.

لا يمكن نسيان مشاهد سابقة كان فيها المخرج يقطع واحدة من أهم اللقطات عالميًا:
احتفال كريستيانو رونالدو بالفوز.

العالم كله كان يتابع…
ثم فجأة يُكسر الإيقاع بقطع غير مبرر.

هذا الموسم تم تدارك الخطأ، وأصبح احتفال رونالدو رسالة رياضية عالمية تعكس  تطور العقل الرياضي المفكر، لكنه في الحقيقة كان كنزًا ناعمًا مُهدرًا في السابق، إما بتعصب غير واعٍ، أو بسوء تقدير لقيمة الصورة في عصر الإعلام الكوني.

إخراج لا يزال دون السقف العالمي

ما زال الإخراج التلفزيوني في كثير من المباريات لا يرقى إلى مستوى ما يُقدَّم في الدوريات الأوروبية الكبرى، أو إلى الإدارة الاحترافية التي نراها في قنوات مثل beIN Sports، حيث تُدار المباراة كمنتج متكامل، لا كحدث عابر.

الإخراج هناك يعرف:

متى يُقرّب الكاميرا

متى يترك الصورة تتنفس

متى يصمت ليجعل الجمهور بطل المشهد

بينما لا يزال بعض إخراجنا أسير زوايا تقليدية، وتقطيع يُفقد اللحظة معناها.

التعليق: ضجيج بدل تجربة

أما التعليق، فما زال في كثير من الأحيان حبيس خطاب تقليدي:

صراخ متواصل

انفعال بلا تحليل

مخاطبة عاطفية تقتل المتعة

في الوقت الذي تتجه فيه المدارس الحديثة إلى التجربة السمعية المتكاملة:
ترك مساحة لصوت الجمهور، لإيقاع الملعب، ولحظة الصمت التي تصنع الدهشة.

المشاهد اليوم لا يريد من يصرخ بدلًا عنه…
بل من يفهم ما يرى، ويقوده للفهم الأعمق.

مفارقة الاستضافة… وغياب الاستثمار

السؤال الأهم:
كيف يمكن تخيّل أن المملكة تستضيف كأس السوبر الإيطالي (والمباراة الختامية اليوم)، وقبلها السوبر الإسباني، وغيرها من الأحداث الكبرى، ثم لا يُستثمر النقل التلفزيوني كأداة قوة ناعمة عالمية؟

أي استثمار هذا الذي لا يتحول إلى رسالة؟

لنتخيل – فقط للتفكير – أن هذه المناسبات أُقيمت في قطر.
ماذا كان سيحدث؟

لا حاجة للشرح.
الصورة، القصة، الكواليس، التغطية، والتحويل الذكي للحدث إلى سردية وطنية عالمية.

وآخر الأمثلة… البطولة العربية.

كيف تُدار القوة الناعمة الرياضية؟

القوة الناعمة في الرياضة لا تُدار بالنتيجة فقط، بل عبر:

الصورة المدروسة

الإخراج الواعي

التعليق الذكي

استثمار اللحظة

وتحويل الحدث إلى قصة قابلة للتصدير عالميًا

الرياضة اليوم لغة دبلوماسية، وصناعة رأي عام، ومنصة تأثير تتجاوز السياسة والاقتصاد.

خلاصة نقدية

ما يحدث في الملاعب السعودية أكبر بكثير مما يُنقل على الشاشة أحيانًا.
المشروع الرياضي السعودي ضخم، طموح، وعالمي…
لكن النقل التلفزيوني يجب أن يرتقي ليكون شريكًا في الرؤية، لا عبئًا عليها.

التعلم من التجارب الناجحة – ومنها التجربة القطرية في إدارة كرة القدم كقوة ناعمة – ليس انتقاصًا، بل وعيًا استراتيجيًا.

الكرة اليوم ليست في الملعب فقط…
بل في يد من يختار ماذا يرى العالم، وكيف يراه.

سؤال قد يتم طرحه

قد يقول أحدهم ؛ إن الأهم هو بيع المباريات وتحقيق العائد المباشر.
والرد بسيط: الدول لا تبيع المباريات… الدول تستثمر في القوة الناعمة.

السؤال الحقيقي ليس:
كم جنت المباراة اليوم؟

بل:
كم ستجذب من استثمارات غدًا؟
كم صورة إيجابية ستُرسّخ؟
وكم سردية عالمية ستُبنى؟

هل العائد الآني أهم من العائد الاستراتيجي؟
وهل التحصيل السريع يُغني عن بناء السمعة والتأثير طويل المدى؟

وهنا يبرز سؤال جوهري، قد لا يُفهم بعمقه لدى البعض:
ما هي القوة الناعمة؟
وما تأثيرها الحقيقي؟
وما مكاسبها؟
وماذا تعني لكم كصنّاع قرار؟

القوة الناعمة في الرياضة ليست ترفًا إعلاميًا، بل أداة اقتصادية، ودبلوماسية، واستثمارية، تُراكم القيمة بدل استنزاف الحدث.

ولهذا، فإن التعلم من إدارة اللعبة في قطر ليس مقارنة رياضية، بل درسًا في كيفية تحويل كرة القدم إلى منتج سيادي ذكي:
مكاسب آنية،
عوائد مستقبلية،
سمعة دولية،
وقوة ناعمة كروية عالية الجودة.

الفرق بين من يبيع المباراة…
ومن يصنع منها دولة على الشاشة.

موضوع ذو صلة