في مسألة الكتابةِ واللِّسان
سُفيان البرَّاق*
تنبَّه ابن خلدون بحصافةٍ بيِّنة، لا تخفى على قارئ مقدِّمته، إلى أنّ الحضارة التي يغلبُ عليها القول، اللّسان، المرويّات الشفهيّة (= ثقافة الأذن)، هي حضارةٌ ضلَّت سبيلَ العلوم والصنائع، وزاغَتْ عن مَسار الابتكار والاجتراح المُرتبطَيْن أساساً باليد؛ وهي كناية ذكيّة على الإنتاج، ذلك أنّ حضارةَ اللّسان لا تتمتّعُ بالمقدرة على الانتقال من النَّظر إلى الفعل (التطبيق الواقعيّ الملموس)، فهي دائماً تُمنى بالهزيمة أمام الخرافات والمرويّات الكبرى التي تُجافي التعقُّل وتتعدَّى المنطق والواقع.
إنَّ المُنتسبين إلى هذه الحضارة يَجنحون إلى الحِرَفِ البسيطة التي لا تَتطلَّب جُهداً كبيراً في التفكير بقدر ما تَستند إلى القوّة البدنيّة مثل: الفلاحة، النجارة...إلخ، بينما الحضارة أو الحياة المدنيّة، بحسبانها نواة الاجتماع، فإنَّها قد تخلَّت عن اللّسان واعتمَدت، في المقابل، على اليد والتنظيم، واتَّسمت أيضاً بالرفه والتأنُّس، فشرعت تَصنعُ وتَبتكرُ وتسيرُ وئيدة الخطى صوبَ الازدهار المرغوب. (للاستزادة يُنظر: ابن خلدون، المقدمة، ج2، تحقيق: عبد الواحد وافي، ط7، 2014، ص538 - 836 - 856 - 897). إنَّ انفكاك الإنسان عن ثقافة الأذن - اللّسان قد أحدثَ فصماً في التاريخ، ولاسيَّما بعد اجتراحه فعل الكتابة؛ ومن ثمّ ينكشفُ لنا أنَّ الحضارة التي تَعتمد في نشاطها على اليد هي الأكثر إبداعاً وإنتاجاً من نظيرتها التي بقيت في دواليب اللّسان، وذلك ليس في ميدان الصنائع فحسب، بل حتّى في التأليف والتصنيف. يقودنا هذا الزَّعم إلى استحضارِ تمييزٍ بالغ الأهميّة قامَ به الكاتب الكبير محمَّد سبيلا حينما ميَّزَ بين ثقافة الأُذن المُتّكئة على النَّظر في مقابل ثقافة العَيْن التي لا تَخرج، في غالب الأحيان، عن المُلاحظة والتجريب، وجَعلتِ اليدَ والعينَ العضوَيْن الرئيسَيْن المُيسِّرَيْن للعمليّة الإنتاجيّة (يُنظر: محمّد سبيلا، مدارات الحداثة، ط1، 2009، ص240).
إنَّ تبلْوُر الكتابة وتطوُّرَها تدريجيّاً بَين الأُمم أَفضى إلى ظهورِ فعْل/ عادة القراءة؛ حيث صارَ الإنسانُ يُسامرُ الكُتُبَ بحنوٍّ بالغ، ويَغور فيها، ويَستلهِم منها، وذلك ما كان ليتأتَّى لو لم يُصبح التأليفُ عادةً ودأباً في حياة الإنسان، ولولاه لضاعَ التاريخ، ولفقدْنا المعارف والعلوم التي خلَّفها الأقدمون، فضلاً عن أنَّ الإنسانَ العربيّ في الأزمنة المُعاصِرة باتَ ينغمرُ في دُرَرِ التراث وأطايبِه، ويَقرأها ومنسوب الإمتاع يَرتفع في أفلاك قلبه. وذلك تيسَّر وتحقَّق بفعل الكتابة والتدوين. لنأخذ من باب التمثيل لا الحصر تجربة الفيلسوف سقراط بحسبانها تجربة احتفت بالكلام - اللّسان وهمَّشت الكتابة: كان ديْدَنُه أن يجوبَ الشوارع وينثرَ فيها أفكارَه بسخاءٍ بائنٍ، ويُجادلَ مَن يتبنّون آراءً مُخالِفة لقناعاته، وبساطته تلك أعقبها أثرٌ لا يداس في تاريخ الفكر والفلسفة معاً، غير أنَّنا هل كنّا سنعرفُ شيئاً عن سيرته ومُحاكمته المتعسّفة من دون محاورات أفلاطون؟ يَنشأ إذن ممّا سبق أنَّ القولَ - الكلام يتّصل بالمُباشَرة، باللّحظة الآنيّة التي يتفاعلُ فيها المرءُ مع المتحدِّث، وينتفي بانتهاء اللّحظة، ولعلَّ هذا ما دفعَ الفيلسوفَ الفرنسيّ رولان بارت إلى تقريع الكلام مُعتبِراً إيَّاهُ قاصراً يسيرُ في اتّجاهٍ واحد؛ لأنّ كلَّ قولٍ جديد يغتالُ السابق ويَنفيه من الذاكرة، علاوة على أنَّ المَرء يعجزُ عن ترويضه وضبطه؛ فالكلمة حينما تندلق من اللّسان فإنَّها تصيرُ مُستبدَّةً غَير قابلة للتحكُّم والضبط (للاستزادة راجع: رولان بارت، لذَّة النَّص، ترجمة منذر عياشي، 1992، ص17)، بينما الكتابةُ تَقترنُ بالخلود، المجد، تصونُ الذاكرة وتَحتفي بها عَبْرَ كلماتٍ جامدة، غَير متحرّكة، على الرّغم من أنَّها كانت في البدء منطوقة، قَبل أن يلفَّها السكون وتغدو ثابتة، علاوةً على أنَّها في ارتباطٍ وثيقٍ بالمحو، التبديل والتغيير، التمزيق، والإلغاء، وهذه الخواصّ كلّها تنتفي في البيئة المُعتمِدة على اللّسان.
رأي د. عبد اللّه الغذّامي
الظاهر أنَّ الكتابة هي التي جَعلتِ الإنسانَ يبلغُ مرتبةً معيّنة من الوعي، ورَسمت ملامح تاريخه، وهي المُسهِم الأوّل في النموّ والتطوُّر المُتواصلَيْن منذ بداياتها الأولى، وهي التي كانت وراءَ ذيوع القراءة وانتشارها، غيرَ أنّ لفيفاً من المفكّرين يَنزعون دوماً إلى اجتراحِ أفكارٍ لمّاحة وصاعِقة وقمينة بالنّظر والتمعُّن، ولعلّ هذا الزعم ينطبق على الناقد والمفكّر السُّعودي عبد الله الغذّامي الذي اتَّخذ مَسلكاً مغايراً لكلِّ مَن ارتأى الإعلاءَ من شأن الكتابة في مقابل تهميش القول والكلام؛ حيث إنّه في كتابه "اليد واللّسان: القراءة والأمّيّة ورأسماليّة الثقافة" تبنَّى موقفاً مضمونه أنَّ الكتابة، في مُجملها، هي تدوينٌ للمنطوق المُتوارَث بين الناس؛ أي أنّها رَفَعَتْه من مرتبة الشَّفاهيّة - اللّسان إلى مرتبة المكتوب - المدوَّن (اليد واللّسان، ط1، 2012، ص21)؛ فالكلمة المكتوبة، في نهاية المطاف، هي قولٌ منطوق قُمِع واضْطُهد وسُجِنَ على الورق فغدا ساكناً غَير مُتحرِّك متّصلاً بالعَين، وهذا يَجعلنا نَستشفُّ أنّ عمليّة الكتابة هي، في جوهرها، تحويلٌ للكلمة من ميدان السمع إلى نِطاق النَّظر - الإبصار، بينما اللّسان يُرْغِمُ الجسدَ برمّته على التفاعل: العيْن، اللّسان، الأذن، اليد (= حركات تلقائيّة في أثناء التكلُّم). ولعلّ ما يُزكِّي هذا الزّعم هو أنَّ الكاتب نفسه حينما يَكتب فإنّه يَنزع في أحيانٍ كثيرة إلى التكلُّم بصوتٍ مرتفع ليتأكَّد من اتِّساق العبارة ومن سلامتها نحويّاً، وكأنَّ الإنسان، بذلك، لا يَستطيع الانفكاكَ عن اللّسان حتّى ولو كانت مقاليد الكتابة بين يدَيْه.
يَتصوَّر الغذّامي أنَّ عادة القراءة هي "إرسالٌ واستقبالٌ"، أي أنّها تفاعلٌ في النهاية، ولكي يُحرَز هذان الفعلان لا بدَّ أن يتمتَّع المرءُ بعينٍ مُبصِرة، وأن يَسعد، أيضاً، بالمقدرة على "إجادة القراءة وفكّ العلامات". انطلاقاً من هذا الطرح، سيَبرز على الأرجح السؤالُ الآتي: إذا كان الإبصارُ شَرطاً من شروط القراءة فكيف سيَقرأ الضريرُ وكريمُ العَين؟ الإجابة لدى الغذّامي هي أنَّهما سيقدران على الخَوْضِ في هذه العادة بكلّ أريحيّة؛ لأنَّ القراءة في النِّهاية هي "مجرّد صيغةٍ من صيَغِ التفاعُل" (ص17). يؤكِّد رولان بارت في كتيِّبه "درس السيميولوجيا" (ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط3، 1993، ص55) أنَّ القراءةَ لا يمكنُ اختزالها في النّظر المتمعِّن في الورق، وتعقُّب الحروف، وفكِّ الكلمات، والسعي الدؤوب إلى الاستيعاب والتفهُّم، إذ هي، في تقديره، تَحمل معنىً أعْمق وأشْمل يتمثَّل في أنَّ الإنسان يُمكنه أن يَقرأ الوجود والعالَم والحياة برمَّتها من خلال العَيْن والأذن في الآن نفسه (المرجع نفسه)، ونستدعي هنا قول الشَّاعر بشّار بن برد الذي عانى وبيل العمى: "الأذن تعشقُ قَبل العَيْن أحياناً". يَسير الغذّامي في الاتّجاه نفسه حينما استحضَر امرؤ القيس والمعرّي وطه حسين بحسبانهم مثقّفين امتلكوا ثقافةً عالية وزاداً مَعرفيّاً راقياً، على الرّغم من فقدانهم للبصر؛ لكنّهم كانوا متمتِّعين بالبصيرة والفَرق بينهما بائنٌ؛ ذلك لأنَّ القراءة باعتبارها إرسالاً واستقبالاً وصيغةً من صيَغِ التفاعُل ووجهاً من أوجه التثقيف، يُمكنها أن تتمّ من خلال السمع أو النّظر. ولا شكّ في أنَّ مقدارَ الاستفادة قد لا يتباين عمَّن يَرى ويُبصر.
يُميِّزُ الغذّامي بين ثلاثة أفعال حكمتِ التجربةَ البشريّة: يسمعُ: وهو كناية عن ثقافة اللّسان والأذن والحكايات والمرويّات الشَّفهيّة، ثمَّ فعل يَقرأ الذي يومئ إلى زمن الكتابة والكِتاب، وأخيراً فعْل يُبصر الذي هو إحالة على زمن الصورة والميديا، وهنا غَدت القراءةُ فِعلاً بالإمكان أن يُحرَز فعليّاً عَبْرَ هذه الصيغ الثلاث: الأذن والسمع والعَين. ومن خلال هذا التمييز خلُص الغذّامي إلى ضرورة تفنيد أطروحة ذائعة مضمونها أنَّ القراءة التقليديّة هي المَورد الأوّل والرئيس للثقافة، ومن دونها لا يُمكن أن يَمتلك المرء ثقافةً راقية، وبيَّن أنَّ من جَعَلَ حفْظَ الشعر دأبه والبراعة في استظهاره ديْدنَه كان يظفر بنعت "المثقّف" سابقاً، ويُنظر إليه بإعجاب، غير أنّ تلافي الأجيال الجديدة حفْظ الشعر، كما كان شائعاً، جَعَلَ تشاكُل القراءة والثقافة على مرمى النقد. إنَّ الربط بينهما، في عَيْن الغذّامي، هو "ربطٌ قسريٌّ يَتجاهل مصادر الثقافة" (ص21)؛ ذلك لأنَّ الرواية الشفهيّة، في تقديره، لها إسهام كبير في تاريخ الإنسان لا يُنكره إلّا الجاحد أو الجاهِل؛ فالآداب العظمى برمّتها تمخَّضت عن الرواية الشفهيّة وهي التي كانت أسَّها، ولا زالت تتقلّد الريادةَ بشكلٍ من الأشكال عَبْرَ الإذاعات والمسجّلات والمرويّات الصوتيّة. يَعتقد الغذّامي اعتقاداً راسخاً بأنّ الحَدَثَ التاريخي الأبرز تمثَّلَ في القطْعِ مع مرحلة اللّسان والانتقال إلى عصر القَلم، ثمّ جاءَ التحوُّلُ الأكبر في الأزمنة الحديثة بظهور التلفزيون والكاميرا وإنشاء دُور السينما ليُدَشَّنَ عصرُ الصورة (= هي كِتاب ومصدر ثقافي حقيقيّ لا يقلّ شأواً عن الكتاب التقليدي) بوصفها احتفاءً بالموروث الأنثربولوجي القديم للإنسان (العودة إلى الأصل الثقافي البشري: ص26)؛ حيث تخلو الصورة من الوسطاء، فضلاً عن أنَّها تتيح له إمكانيّة توظيف العَين والأذن والتفاعُل معها من خلالهما في الوقت نفسه بكلّ حريّة وأريحيّة.
إنَّ عصرَ الصورة قد أعاد الاعتبار إلى حقبةِ اللّسان، بشكلٍ من الأشكال، وذلك من خلال المباشرة والسرعة التفاعليّة، كما بدَّلَ الأنماطَ التي اقتَرنت بالكِتاب: الصمت، الكلمة صورةٌ منقوشة في غاية الثبات والجمود، السلطة المُتعالية - غَير المُبرَّرة - للكاتِب الميِّت، القارئ مستقبل سلبي لا يُناقِش أفكارَ الكِتاب ولا يُساجلُ رؤاه...إلخ، في حين أنّ الكلمة الشفهيّة متحرّكة، حيّة، قابلة للتبدُّل دائماً، والمُسْتَقْبِلُ يَتفاعل باستمرار؛ أي أنّه حيٌّ وإيجابيٌّ (ص22)؛ حيث يوظَّف العقل والجسد في الآن ذاته. وحاصل القول إنَّ المكانة التي تبوَّأتها الكتابةُ تعود أساساً إلى وجود وسطاء حقيقيّين بين الكاتب والقارئ: النّاشرون، ثمّ تكاثُر وسطاء آخرين مثل: الشرّاح والمفسّرين والنقّاد؛ حيث مارَسوا مِهناً ثقافيّة بشكلٍ واضحٍ وقطعيّ، وهذا ما جَعَلَ الكتابةَ تتفوَّق بشكلٍ ملحوظ على الشفاهيّة (ص22).
مجمل القول: إنّ الإنسانَ كائن شفاهي بامتياز، ولعلّ ما يزكِّي هذا الزَّعم هو أنَّ الإنسان المعاصر حريصٌ، كلَّ الحرص، على تحويل الكِتاب إلى مادَّةٍ صوتيّة: تحويل الروايات إلى أفلامٍ سينمائيّة مثلاً، وتحويل الشعر المكتوب إلى شعرٍ منطوق ومسموع من خلال الأمسيات الشعريّة (ص26)، قَبل ظهور كُتبٍ جديدة قوَّضت عادةَ القراءة الكلاسيكيّة المُستنِدة إلى الغور في الكِتاب ومُلامَسة الورق، وشمّ رائحتها التي كانت تُلهِب الوجدان وصارت الآن عِبئاً لا يُحتمَل، وتُنعتُ هذه الكُتب الجديدة بـ "الكُتب الصوتيّة"، وقد أَخذت تتكاثر في الآونة الأخيرة ممكِّنةً الإنسان من قراءة الكُتب التي يبتغيها وهو يسوق السيّارة، أو يتبضَّع، أو حينما يُحارِب السمنة والبدانة في النوادي الرياضيّة...إلخ.
*باحث في الفلسفة من المغرب
مؤسسة الفكر العربي