ما يتجاوَز السلام على الطريقة الترامبيّة

news image

 

✍️ د. رفيف رضا صيداوي
🔹 مؤسّسة الفكر العربيّ
📍 تنسيق – BETH الإعلامية

لم يُفوّت الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب فرصةً إلّا وأبدى فيها رغبتَهُ في تحقيق السلام، حتى أنه أعلن في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي عن رغبته في دخول الجنّة إن تحقق السلام على يديه في أوكرانيا.
ولم تنفِ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت لاحقًا أنّه كان جادًّا عندما أدلى بهذا التصريح.

لكنّ الذاكرة السياسية تحتفظ بـ"صفقة القرن" التي روّج لها ترامب منذ عام 2017، بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، والدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في الضفة وغزة — وهي الخطة التي مثّلت في جوهرها استمرارًا لسياسات الهيمنة القديمة بثوب جديد.

 سلام الهيمنة لا سلام الإنسانية

تبيّن ردّات الفعل الأميركية والإسرائيلية بعد "طوفان الأقصى" أن هذا السلام المزعوم لم يكن سوى غطاء لإعادة إنتاج السيطرة.
سلام ترامب ليس أكثر صدقية من سلام من سبقه من الرؤساء الأميركيين الذين ظلّوا أسرى للّوبي الصهيوني.
ويستدعي الكاتب هنا شهادة الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي في وصفه كيف تمت تصفية السيناتور ويليام فولبرايت سياسيًا بسبب مطالبته إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة، منتقدًا "نظام الأبرتهايد الإسرائيلي" الذي لا يختلف عن نظام جنوب إفريقيا العنصري.

 سلام القوة: من برتران بادي إلى الهيمنة المعاصرة

تستند الكاتبة إلى مفهوم "جدلية القوة" كما صاغه برتران بادي في كتابه فنّ السلام (2024)، لتشير إلى أن السلام في الفكر الغربي ليس غايةً أخلاقية بل أداة لتثبيت التفوق.
فالولايات المتحدة مارست "السلام بالقوة" من كوريا إلى العراق، لتصنع نظامًا دوليًا يقوم على توازن العنف لا توازن القيم.

 سلام النيوليبرالية والهيمنة الاقتصادية

تربط صيداوي بين "سلام ترامب" و"التوحّش النيوليبرالي" الحديث الذي وصفه الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس بالرأسمالية السحابية – أي السيطرة عبر المنصّات لا المصانع.
وتوضح أن واشنطن، رغم إنتاجها النفطي المتزايد، لا تزال تحتاج إلى الشرق الأوسط كمفتاح للطاقة والتحكّم الجيوسياسي، لا كمجرد مصدر للنفط.

وتستشهد بالخبير الاقتصادي كمال حمدان الذي يرى أن السيطرة الأميركية على النفط العربي تضمن لها التحكم بتكاليف وأسعار السوق العالمي، وتجعلها قادرة على إدارة المنافسة مع القوى الصاعدة مثل الصين.

 من غزة إلى النظام العالمي

في ضوء هذا السياق، تصبح إبادة غزة وتدمير سوريا والعراق وليبيا مجرد حلقات في مشروع أوسع لتكريس نظام القطب الواحد ومنع تشكّل عالم متعدد الأقطاب.
فالمسألة – كما تقول الكاتبة – تتجاوز ترامب لتُعبّر عن تاريخ طويل من التحالف الإمبريالي–الإسرائيلي، ومحاولات رسم خرائط جديدة تحت مظلة "السلام الأميركي".

 ما لا يقوله ترامب للأميركيين

تنقل الكاتبة عن صحيفة ذي غارديان (Callum Jones) أن ترامب يروّج لنجاحاته الاقتصادية بينما يتستر على تباطؤ سوق العمل وارتفاع الأسعار، مستخدمًا خطابًا مليئًا بالوعود التي "لا تدفع الفواتير".
وتضيف من حوار مارسيل غوشيه أن ترامب وأمثاله من القادة الشعبويين ليسوا ديكتاتوريين بالمعنى الكلاسيكي، بل قادة فوضويون "ما بعد حداثيين" يلعبون بالسلطة دون رؤية مستقرة، مما يجعل الخطر الحقيقي ليس الاستبداد بل تسارع الفوضى.

 ختام مفتوح على المجهول

ترى صيداوي أن الأزمة الراهنة – السياسية والاقتصادية والأخلاقية – لا تملك حتى الآن مخرجًا واضحًا، لكنها ليست عصيّة على الحل.
فالعالم الديمقراطي، رغم أزماته، يمتلك قابلية للتعافي… لكن متى وكيف؟
ذلك ما يظل سؤالًا مفتوحًا أمام التاريخ.

 

🔍 تعليق تحليلي – BETH

يقدّم هذا المقال قراءة عميقة لما وراء "سلام ترامب"، كاشفًا أن ما يُسوّق له كـ"صفقة" أو "وساطة" هو أداة لإعادة توزيع النفوذ العالمي لا لإرساء سلام حقيقي.
يتضح من طرح الكاتبة أن السلام الأميركي لا يولد من الأخلاق بل من إدارة القوة، وأنّ العالم يسير نحو نموذج جديد من "السلام الهيكلي" حيث تصبح التكنولوجيا والاقتصاد أدوات صراع ناعمة بديلة عن المدافع.

🔸 تحليل بثّ يرى أن ما بعد اتفاق غزة ليس سلامًا دائمًا، بل اختبارٌ جديد للمنظومة الأخلاقية للعالم… بين الهيمنة والضمير.