اتفاق غزة… بين ضوء الأمل وظلال الشك
هل تبدأ المنطقة مسار سلام شامل أم أن الغيمة ستمرّ سريعًا؟
الرياض – BETH | 10 أكتوبر 2025
تعيش المنطقة لحظة فارقة بعد الإعلان عن الاتفاق المرحلي لوقف إطلاق النار في غزة، الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بمشاركة دول عربية وإسلامية وأوروبية.
الاتفاق يُعدّ الخطوة الأولى ضمن خطة متعددة المراحل تهدف إلى إنهاء الحرب، وتبادل الأسرى، وتهيئة الأرضية لسلامٍ شامل وعادل في الشرق الأوسط.
وبينما تُرحّب العواصم بالاتفاق بحذرٍ وتفاؤل، تتجه الأنظار نحو القدرة على التنفيذ ومدى استعداد الأطراف لتحويل الهدنة إلى سلامٍ مستدام.
الموقف السعودي: الترحيب بضبط الحكمة
أعربت وزارة الخارجية السعودية عن ترحيب المملكة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن غزة، وبدء تنفيذ المرحلة الأولى من مقترح الرئيس ترمب الهادف إلى وقف الحرب وتهيئة مسار سلامٍ شاملٍ وعادل.
وأكد البيان الصادر اليوم أن المملكة تقدّر الدور الفاعل للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وجهود الوساطة التي بذلتها قطر ومصر وتركيا للوصول إلى هذا الاتفاق، مشيرةً إلى أن الخطوة تمثل بدايةً مهمة لتخفيف المعاناة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني في غزة، وسحب القوات الإسرائيلية بالكامل، واستعادة الأمن والاستقرار، تمهيدًا لتحقيق حل الدولتين على حدود عام 1967، وعاصمته القدس الشرقية.
كما جدّد البيان السعودي التأكيد على أن تحقيق السلام الشامل والعادل لا يمكن أن يتم إلا عبر تطبيق قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية، والالتزام بالعمل الجماعي لضمان تنفيذ الاتفاق ميدانيًا، وتحويله من ورقة سياسية إلى واقع إنساني ومعيشي ملموس.
اجتماع باريس: تنسيق دولي لتثبيت الهدنة
وفي سياق موازٍ، شارك صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية، وعدد من وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية والأوروبية، في اجتماعٍ دبلوماسي رفيع بالعاصمة الفرنسية باريس، بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون.
الاجتماع الذي حضره وزراء من الولايات المتحدة، وإيطاليا، وألمانيا، وتركيا، ومصر، والإمارات، ودول الاتحاد الأوروبي، بحث تفاصيل المرحلة الانتقالية في غزة وآليات المراقبة الدولية، وإعادة الإعمار، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية الكامل.
وشدّد اللقاء على أهمية تنسيق الجهود الدولية والعربية لتنفيذ الاتفاق ضمن إطار زمني واضح، وتوفير الدعم الإنساني الفوري للقطاع، مع التأكيد على أن المرحلة القادمة يجب أن تكرّس لتهيئة مسار الحل السياسي الدائم وفق المرجعيات الدولية.
وفي كلمته، أكّد الأمير فيصل بن فرحان أن المملكة ترى في هذه الخطوة "بدايةً ضرورية لوقف نزيف الدم في غزة وفتح الطريق أمام استعادة الأمن والسلام"، داعيًا إلى متابعة التنفيذ بدقّة لضمان ألا تتحول المبادرة إلى مجرّد هدنة مؤقتة.
دور الرئيس ترمب: بين الطموح والاختبار
يُعتبر الرئيس دونالد ترمب المهندس الأول للاتفاق، وقدّم خطته ذات العشرين بندًا كإطارٍ لما وصفه بـ"سلام الشرق الأوسط الجديد".
وتمكّن من جمع الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، على اتفاقٍ مرحلي يشمل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، في خطوةٍ تُعدّ أكبر نجاح دبلوماسي له منذ عودته إلى البيت الأبيض.
غير أن خطة ترمب تواجه تحديات عميقة:
فمسألة حكم غزة بعد الهدنة، ونزع السلاح، وآليات الإشراف الدولي، لا تزال قيد النقاش، كما أن الداخل الإسرائيلي يشهد انقسامًا سياسيًا حول طبيعة الالتزام بالاتفاق.
وفي المقابل، يُنتظر من الدول العربية والأوروبية تحويل الدعم السياسي إلى التزام عملي عبر تمويل الإعمار وضمانات التنفيذ الميداني.
ترمب يطمح إلى تثبيت الاتفاق كإنجاز تاريخي يمهّد لسلام شامل، غير أن التجارب السابقة تُظهر أن أي إخلال في التنفيذ قد يعيد العنف إلى الواجهة ويُبدّد الزخم الدولي.
السيناريوهات المحتملة: ما بين الديمومة والعبور
تتباين التقديرات حول مستقبل الاتفاق؛ فبينما يرى البعض فيه بدايةً حقيقية لسلامٍ ممتدّ، يحذّر آخرون من أن يكون مجرد غيمةٍ سياسية عابرة.
في السيناريو الأول، يمكن أن يقود الالتزام الدولي والعربي إلى تحويل الهدنة إلى سلامٍ دائم، عبر الإعمار الكامل لقطاع غزة، وعودة السلطة الفلسطينية، وتثبيت الحدود، وخلق منظومة أمنية مشتركة بإشراف دولي.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون المنطقة أمام أول سلام فعلي منذ عقود، يعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط ويمنح الفلسطينيين مسارًا واقعيًا نحو الدولة المستقلة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتفاقٍ مؤقتٍ لا يُنفّذ بالكامل، يظل رهين الأوراق الدبلوماسية والتجاذبات السياسية، مما يهدّد بإعادة الدائرة إلى نقطة الصفر.
وحينها، سيكون الاتفاق هدنة باردة تخفف التوتر دون أن تزيل أسبابه.
أما السيناريو الثالث — وهو الأخطر — فيحمل احتمال عودة العنف تدريجيًا، إذا فشل التنفيذ أو تراخت الالتزامات الدولية. وفي هذه الحالة، ستتحول الغيمة إلى عاصفة جديدة، تُعيد المشهد إلى فوضاه الأولى وتُبدّد ما تحقق من أمل.
ختام: ما بين الممكن والمأمول
يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طريقين:
إما أن يُكتب لهذا الاتفاق أن يكون بداية لسلامٍ عربي–إسرائيلي جديد برعاية دولية صادقة،
أو أن يتحوّل إلى غيمةٍ عابرة تتلاشى مع أول رياح اختلاف.
لكن وسط التعقيدات والتجاذبات، يظل الموقف السعودي ثابتًا:
السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعقل، ويُصان بالعدالة.