القانون الدوليّ.. أيّ فاعليّة؟ أيّ دَور؟
BETH
✍️ د. وفاء مرزوق
كاتِبة وأكاديميّة جزائريّة
مؤسسة الفكر العربي
📰 مدخل
تُثير الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولقواعد القانون الدوليّ تساؤلاتٍ عدّة حول جدوى هذا القانون ومدى فاعليّته تجاه ما يحدث على الصعيد الدوليّ من خروقاتٍ وتجاوزاتٍ لا حَصر لها. الأحداث الأخيرة، من الحرب على غزّة إلى النزاع الروسي–الأوكراني، كشفت هشاشة الآليات القائمة وازدواجيّة في المعايير، بل وتبايناً صارخاً في المواقف داخل أروقة الأمم المتحدة، وخصوصاً مجلس الأمن، الجهاز التنفيذي المسؤول عن حفظ الأمن والسلم الدوليين.
المشكلة إذن ليست في غياب القانون الدوليّ بل في تعطيل تفعيله؛ فالمؤسسات موجودة والقواعد مدونة، لكنّ الإرادة السياسية للدول الكبرى هي ما يُعطل الأداء ويُبقي القانون في خانة الأدبيات.
من ويستفاليا إلى لاهاي… جذور القانون الدولي
1648 – معاهدة ويستفاليا: أنهت حرب الثلاثين عاماً ورسّخت مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، وأرست مبادئ المساواة وحل النزاعات بالطرق السلمية.
الثورتان البريطانية والفرنسية: إعلانات الحقوق 1689 و1789 أسست لقانون حقوق الإنسان لاحقاً.
1863 – الصليب الأحمر: انطلاق التدوين المنهجي للقانون الدولي الإنساني، ثم مؤتمرات لاهاي (1899–1907) واتفاقيات جنيف.
1919 – فرساي وما بعدها: تمهيد لظهور القانون الجنائي الدولي، ومحاكم طوكيو ونورمبرغ، وصولاً إلى المحكمة الجنائية الدولية (2002).
قوانين لاحقة: التجارة الدولية، قانون البيئة، قانون البحار والفضاء، الدبلوماسية والقنصليات، المعاهدات… كلها فروع شكلت شبكة متكاملة لإدارة العلاقات الدولية.
🛑 الفيتو… معضلة مجلس الأمن
أكبر عائق أمام تفعيل القانون الدولي يتمثل في حق النقض (الفيتو) الممنوح للدول الخمس الكبرى. فقرارات مجلس الأمن في القضايا الجوهرية تحتاج موافقتها جميعاً، ما يمنحها قدرة شبه مطلقة على شلّ أي مسار قانوني.
أمثلة صارخة:
عرقلة القرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة.
ازدواجية المعايير بين حرب أوكرانيا والاعتداءات على الفلسطينيين.
تدخلات خارج إطار الأمم المتحدة (العراق، ليبيا).
بل إن علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الدولية تثير القلق: إذ يمكنه إحالة قضايا أو تعطيلها، ما يهدد استقلال المحكمة.
فروع القانون الدولي… لا غنى عنها
رغم التعطيلات، فإن فروع القانون الدولي (حقوق الإنسان، الإنساني، الجنائي، البيئي، الاقتصادي) لا يمكن الاستغناء عنها؛ فهي التي تمنع الانزلاق إلى الفوضى الدولية.
المشكلة ليست في النصوص بل في إرادة التطبيق، والحاجة إلى آليات جديدة تجعل القانون أكثر إلزامية واحتراماً، خصوصاً في القضايا الإنسانية الكبرى.
الخلاصة
القول بعدم جدوى القانون الدولي تبسيط مضلل. الحقيقة أن ما نحتاجه ليس استبداله، بل إصلاح المنظومة الدولية، خصوصاً:
إعادة النظر في تشكيلة مجلس الأمن.
إصلاح نظام التصويت وإلغاء الفيتو أو تعميمه على كل الأعضاء.
تعزيز استقلالية المحاكم الدولية.
القانون الدولي ليس رفاهية فكرية، بل سلاح موازٍ للعلم والمعركة في مواجهة تغوّل القوة وازدواجية المعايير.
تعليق وتحليل – BETH
من زاوية إعلامية تحليلية، يثبت هذا الطرح أن القانون الدولي ما يزال حجر أساس في إدارة العلاقات بين الدول، لكنه يتعرض لابتزاز سياسي مستمر.
العالم العربي، والسعودية تحديدًا، مدعوّون إلى الدفع في اتجاه إصلاح الأمم المتحدة، وفتح نقاش دولي حول ديمقراطية القرار الدولي.
الوعي الشعبي والإعلامي بدور القانون الدولي هو جزء من حرب الرواية، إذ يُستخدم القانون كسلاح ناعم للشرعية أو نفيها.
لحظة غزة، كما تشير الكاتبة، تكشف أن التناقض بين النصوص والتطبيق صار فجوة تهدد النظام الدولي بأكمله.
وبالتالي، فإن تفعيل القانون الدولي لا يقل أهمية عن بناء الاقتصاد أو القوة العسكرية، لأنه الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق العالم إلى "شريعة الغاب" الجديدة.
رؤية ختامية – BETH
القانون الدولي ليس ميتًا، بل مُكبَّل بإرادة القوى الكبرى. النصوص واضحة، والمحاكم قائمة، لكن الفيتو يُحوّلها إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تشاء الدول العظمى وتُعطَّل حين تمسّ مصالحها.
اليوم، بات القانون الدولي يُمارَس كسلاح مزدوج:
أداة سياسية بيد الكبار لشرعنة أفعالهم أو محاصرة خصومهم.
أداة أخلاقية–رمزية تلجأ إليها الشعوب الضعيفة لإثبات شرعيتها في معركة الرأي العام.
ورغم هذا الخلل البنيوي، يبقى القانون الدولي خط الدفاع الأخير ضد الانزلاق إلى فوضى مطلقة.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل القانون الدولي فعّال؟
بل: كيف نحرّره من قبضة السياسة، ونحوّله من ورق على الرفوف إلى قوة ملزِمة تحفظ العدالة والسلم العالميين؟
