من باب تركيا إلى الإعتراف بفلسطين… انكشاف الوجه الحقيقي لإسرائيل

news image

 

إعداد وتحليل – BETH الإعلامية

المقدمة: من ضحية إلى مشروع قوة

دخلت إسرائيل إلى قلب المشرق العربي عبر "الباب التركي" قبل أكثر من قرن. ففي عام 1897 انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية برعاية تيودور هرتزل، لكن الدعم اللوجستي والسياسي لاحقًا مرّ عبر الدولة العثمانية، حين منح السلطان عبد الحميد الثاني امتيازات لليهود رغم رفضه الصريح لبيع فلسطين. ومع انهيار السلطنة ودخول الاستعمار البريطاني، فتحت بوابة سايكس–بيكو ووعد بلفور (1917) الطريق أمام قيام كيان يهودي في قلب الأرض العربية.

في تلك اللحظة، بدا العالم منقسمًا بين:

دول متعاطفة مع اليهود كـ"ضحايا" للهولوكوست والمجازر الأوروبية.

قوى كبرى صامتة خوفًا من نفوذ اللوبيات المالية والإعلامية.

ورأي عام دولي لا يرى العرب سوى شعوب ضعيفة غارقة في خلافاتها.

المحور الأول: تحولات الاعتراف الدولي

على مدى عقود، حمت صورة "اليهود الضحايا" إسرائيل من النقد. لكن هذه الصورة بدأت تتصدع تدريجيًا:

1975: الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبرت الصهيونية "شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري" (القرار 3379)، قبل أن يُلغى لاحقًا بضغط أمريكي–إسرائيلي (1991).

2012: فلسطين حازت صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة.

2024–2025: سلسلة من الدول الأوروبية والعالمية اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، في انقلاب رمزي وتاريخي ضد السردية الإسرائيلية.

هذا الاعتراف لم يأتِ نتيجة عاطفة جديدة، بل إدراكًا أن إسرائيل – التي وُلدت كـ"ملاذ للضعفاء" – تحوّلت إلى قوة احتلال تمارس قمعًا دمويًا، وتجويعًا، وتوسّعًا استيطانيًا يفضح كل ادعاء بالسلام.

المحور الثاني: عقدة القوة والضعف

التاريخ يُظهر أن اليهود عاشوا غالبًا كأقلية مضطهدة، من نفي بابل إلى محاكم التفتيش الإسبانية، وصولًا إلى الهولوكوست في أوروبا.
لكن المفارقة أن إسرائيل، بعد أن تحولت إلى دولة، أعادت إنتاج صورة الاضطهاد على يدها، ولكن ضد الفلسطينيين هذه المرة.

الهولوكوست ضد اليهود في أوروبا كان جريمة ضد الإنسانية.

حصار غزة والمجازر المستمرة أعادت للأذهان صور التجويع والمعسكرات، ولكن بوجه إسرائيلي.

القوة التي مُنحت لليهود لإقامة دولة، تحوّلت إلى أداة بطش أفقدتهم التعاطف الذي كان رأس مالهم الأخلاقي الأكبر.

المحور الثالث: صراع السرديات – من يربح؟

اليوم يقف العالم أمام مفترق:

اليهود كأقلية: تاريخيًا، وجودهم مرتبط بالاندماج أو التعاطف الدولي. لكن إسرائيل قطعت هذا الخيط بإصرارها على خطاب القوة وحده.

العرب كأصحاب أرض: رغم فترات الضعف والانقسام، فإن الجذور الحضارية والتاريخية تمنحهم شرعية مستمرة، لا تمحوها قوة الاحتلال ولا تلاعب السرديات.

السؤال المركزي:
هل من مصلحة اليهود أن يعادوا العرب – الكتلة البشرية والحضارية الكبرى في جوارهم؟
الإجابة الواقعية: لا. فإسرائيل بعنادها تكرر خطأً تاريخيًا؛ إذ تستنسخ أسباب الكراهية التي عانى منها اليهود في أوروبا، لكن بأيديها هذه المرة.

المحور الرابع: خطاب الارتباك والقلق النفسي

ظهور نتنياهو في الأمم المتحدة وهو يضع "باركود" على سترته لم يكن مجرد استعراض بصري، بل تجسيد لحالة ارتباك داخلي عميق. فالرجل الذي يقود أطول حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل بدا عاجزًا عن تقديم سردية متماسكة، فخلط بين لغة التهديد والعاطفة، بين ادعاء القوة وتقمص المظلومية.

الارتباك من زاويتين:

الزاوية الأولى – القلق الشخصي والسياسي:
نتنياهو يدرك أن نهايته باتت وشيكة. ملفات الفساد والمحاكمات تنتظره، لكن ما يسرّع سقوطه هو أن العالم ينفذ "مخططًا جديدًا" يعيد رسم الشرق الأوسط بطريقة لا تتسع لزعامات متصلبة تعيش على منطق القوة وحده.
ظهوره بمظهر "القائد المحاصر" ليس سوى انعكاس لرجل يرى نهاية مسيرته السياسية.

الزاوية الثانية – استهلاك داخلي ولعب دور الضحية:
في خطابه، حاول استدعاء صورة المظلومية التاريخية لليهود، لكن المفارقة أنه يفعل ذلك بينما جيشه يُتهم بارتكاب مجازر في غزة. هذه الازدواجية تكشف عجز إسرائيل عن التوفيق بين صورتها كـ"ضحية تاريخية" وواقعها كـ"جلاد معاصر".

المحور الخامس: الاعتراف الأوروبي… أمن إسرائيل أولًا

من زاوية أخرى، لا يمكن قراءة اعترافات بعض الدول الأوروبية بفلسطين ،  فقط كتحول أخلاقي.
بل هناك منطق سياسي/أمني عميق:

أوروبا تدرك أن استمرار الصراع بلا أفق، مع توسع الاستيطان ومجازر غزة، يجعل إسرائيل عرضة لتهديدات أكبر (إقليمية أو حتى داخلية).

الاعتراف بفلسطين بالنسبة للأوروبيين ليس فقط دعمًا للحق العربي، بل إقامة حاجز أمني مشروع: دولة فلسطينية مدعومة عربيًا تُصبح صمّام أمان يحول دون انهيار كامل يقود إلى تدمير إسرائيل.

بهذا المعنى، فإن الاعتراف الأوروبي يقرأ من زاويتين: مكسب للفلسطينيين لكنه أيضًا إجراء حماية لإسرائيل من نفسها ومن عواقب احتلالها الطويل.

الخلاصة المضافة – رؤية BETH

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة كان صورة مكثفة لما تعيشه إسرائيل اليوم:

زعيم مرتبك بين نهاية شخصية ونهاية مشروع استعماري يفقد شرعيته.

دولة تفقد رأس مالها الأخلاقي عالميًا، لكنها تحاول التمسك بدور الضحية.

واعترافات أوروبية بدولة فلسطين تبدو انتصارًا للعرب، لكنها في العمق أيضًا محاولة لخلق "درع فلسطيني" يحمي إسرائيل من سيناريوهات الانفجار الكامل.

💡 إنها لحظة تكشف أن إسرائيل ليست في ذروة قوتها، بل في ذروة ارتباكها.

الخاتمة – رؤية BETH

التحولات الجارية ليست مجرد "موجة تضامن"، بل إعادة تعريف للقوة والشرعية:

القوة لم تعد في السلاح وحده، بل في الشرعية الأخلاقية والاعتراف الدولي.

إسرائيل التي بدأت كرمز للضعف والاضطهاد، تتحول الآن إلى رمز للقمع وفقدان الشرعية.

فلسطين التي عاشت كقضية "مؤجلة"، تعود اليوم إلى صدارة المشهد كسردية أخلاقية تتبناها دول العالم.

الخلاصة:
إسرائيل فقدت رأس مالها الأخلاقي.
العالم بدأ يكتب فصلاً جديدًا، لا تُقاس فيه القوة بعدد الطائرات والدبابات، بل بمدى الانتماء للشرعية الإنسانية.

💡 حين يكتمل هذا التحول، سيكتشف العالم أن البقاء ليس للأقوى سلاحًا، بل للأصدق قضية.