اكتشاف أقدم استيطان معماري في الجزيرة العربية قبل 11,300 عام
الرياض – BETH
أعلنت هيئة التراث السعودية، اليوم الخميس، عن اكتشاف يُعد الأقدم من نوعه في الجزيرة العربية، يتمثل في استيطان بشري معماري موثق في موقع «مصيون» شمال غربي منطقة تبوك.
وأوضحت الهيئة أن تاريخ الاستيطان المكتشف يعود إلى الفترة ما بين 10,300 – 11,300 سنة من الوقت الحاضر، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم بدايات الاستقرار البشري في المنطقة.
وفي تعليق له عبر حسابه على منصة "إكس"، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي:
"اكتشف زملائي في هيئة التراث، بالتعاون مع الأصدقاء في الجامعة اليابانية، في مصيون شمال غربي تبوك أقدم مستوطنة بشرية معمارية معروفة في الجزيرة العربية، تعود إلى العصر الحجري الحديث."
عمق حضاري متجذر
تتميز السعودية بتراث غني يمتد عبر آلاف السنين، يضم مواقع تاريخية بارزة مثل مدائن صالح، العلا، الدرعية، قرية الفاو، ونقوش حائل الصخرية، مما يعكس عمق الحضارة التي نشأت على أرض المملكة، من الممالك القديمة حتى المواقع الإسلامية الكبرى ومسارات التجارة التاريخية.
السعودية.. مهد الحضارة البشرية
العمق الحضاري الكبير للجزيرة العربية، التي تُعد السعودية قلبها النابض
مرت على هذه الأرض حضارات قديمة متنوعة، بعضها نشأ هنا، وبعضها مرّ عبرها بحكم موقعها الإستراتيجي الرابط بين الشرق والغرب.
إليك أبرز الحضارات التي نشأت وظهرت ومرت على الجزيرة العربية (السعودية حاليًا):
حضارات ما قبل التاريخ (العصر الحجري)
المستوطنات الأولى: مثل موقع مصيون في تبوك (10300 – 11300 سنة)، حيث بدأت البدايات الأولى للاستقرار البشري.
نقوش ورسومات صخرية: في حائل والجوف ونجران، تُظهر مشاهد صيد وحياة يومية، وتدل على وعي فني مبكر.
حضارات ما قبل الإسلام
الممالك العربية الجنوبية (رغم أنها في اليمن أساسًا، لكن امتدادها وصل إلى جنوب السعودية):
سبأ (حوالي القرن 8 ق.م).
معين، قتبان، حضرموت.
مملكة كندة: مركزها في نجد (القرن 4 – 6 م)، وكانت تلعب دورًا سياسيًا بارزًا.
مملكة لحيان (العلا): ازدهرت بين القرن 5 ق.م – 2 م، وارتبطت بالتجارة شمالًا نحو الشام.
مملكة ديدان (العلا): سبقت اللحيانيين، وكانت مركزًا تجاريًا مهمًا على طريق البخور.
مملكة الأنباط: سيطرت على شمال غرب الجزيرة (الحِجر / مدائن صالح)، وامتدت حضارتهم من البتراء حتى العلا (من القرن 2 ق.م إلى 1 م).
مملكة جرهم: في مكة المكرمة، وهي التي ارتبطت بقصة إسماعيل عليه السلام وبئر زمزم.
مملكة قيدار (قبيلة قيدار الإسماعيلية): في شمال الجزيرة، كان لها حضور سياسي وتجاري مؤثر.
مملكة حِمْيَر: توسعت أحيانًا حتى جنوب غرب السعودية (نجران).
طرق التجارة والمرور الحضاري
طريق البخور: مرّ عبر جنوب السعودية إلى شمالها وصولًا للشام.
طريق الحرير البحري: الموانئ على البحر الأحمر مثل جدة وينبع كانت نقاط عبور للتجارة العالمية.
المرحلة الإسلامية (من القرن 7 م)
الدولة الإسلامية الأولى: انطلقت من مكة والمدينة، وغيّرت وجه العالم.
العصور الأموية والعباسية: كانت مكة والمدينة مركزين دينيين وعلميّين للعالم الإسلامي.
الممالك المحلية: مثل الدولة السعودية الأولى (1727 م)، ثم الثانية، وصولًا إلى المملكة العربية السعودية الحديثة (1932 م).
مواقع أثرية بارزة شاهدة على الحضارات
مدائن صالح (الحِجر) – حضارة الأنباط.
العلا (ديدان ولحيان) – ممالك عربية شمالية.
قرية الفاو – عاصمة مملكة كندة.
نجران – مركز حضاري وتجاري قديم.
الدرعية – قلب الدولة السعودية الأولى.
🔹 الخلاصة
الجزيرة العربية لم تكن صحراء معزولة، بل كانت مسرحًا لحضارات متعاقبة:
حضارات نشأت هنا (ديدان، لحيان، كندة).
حضارات مرّت عبرها (الأنباط، سبأ، حضرموت).
حضارة الإسلام التي انطلقت منها وغيرت التاريخ.
ثم الدولة السعودية الحديثة التي أعادت صياغة هوية الجزيرة العربية عالميًا.
السعودية.. مهد الحضارة البشرية
ليست مجرد أرض احتضنت البدايات الأولى للإنسان، بل منصة تعود اليوم برؤى مستقبلية غير مسبوقة.
من آثارٍ تعود لآلاف السنين، إلى مشاريع تصنع ملامح الغد… المملكة تمزج بين أصالة الماضي وجرأة المستقبل، لتؤكد أن الحضارة لا تُورث فقط… بل تُبنى باستمرار.


حرة خيبر.. براكين شاهدة على الاستيطان البشري في الجزيرة العربية
من على متن محطة الفضاء الدولية، التقط رواد الفضاء صورة مدهشة لحرة خيبر شمال شرق المدينة المنورة، كاشفةً عن أحد أعظم الشواهد الجيولوجية في الجزيرة العربية، ومُظهرةً كيف شكّلت الطبيعة القاسية ملامح الأرض التي كانت مسرحًا للاستيطان البشري منذ آلاف السنين.
براكين خامدة… وذاكرة حية
تمتد حرة خيبر على مساحة تتجاوز 14 ألف كيلومتر مربع، وقد تشكّلت بفعل ثورانات متعاقبة على مدى خمسة ملايين عام. كان آخرها بين عامي 600 و700 ميلادي، وهو زمن يتقاطع مع بدايات العصر الإسلامي، ما يجعلها شاهدة على لحظة تحوّل حضاري وديني غيّرت وجه الجزيرة.
تضم الحرة تنوعًا مذهلًا من التضاريس: جبل القدر بقمته المخروطية، جبل أبيض بقبة الحمم اللزجة، وجبل بيضاء بمخروطه البركاني الذي تشكّل نتيجة التقاء النار بالماء. هذه المظاهر ليست مجرد مشاهد جيولوجية؛ بل هي أدلة على بيئة طبيعية استقطبت الإنسان واستفزّت خياله وأساطيره.
الإنسان والبركان: علاقة استيطان وتكيف
رغم قسوة المشهد البركاني اليوم وغياب الغطاء النباتي نتيجة المناخ شديد الجفاف، تكشف الرواسب البيضاء والفتاتية عن وجود مياه سطحية في عصور سابقة. هذا يعني أن المنطقة لم تكن دائمًا صحراء قاحلة، بل شهدت مناخًا أكثر رطوبة سمح بوجود واحات ومصادر مياه شجعت الإنسان على الاستقرار.
النقوش والرسوم الصخرية المكتشفة في شمال الحرات تؤكد أن الإنسان مرّ من هنا، وصاغ على صخورها مشاهد الصيد والحياة اليومية. ولعل اختيار المستوطنات الأولى لمواقع قريبة من الحرات لم يكن صدفة، فالتربة البركانية – حين تتوفر الأمطار – تتحول إلى أرض خصبة، والمخاريط البركانية تشكل ملاذًا طبيعيًا للحماية.
من الذاكرة البيئية إلى المعنى الحضاري
قراءة حرة خيبر ليست مجرد استعراض لجغرافيا بركانية، بل نافذة على علاقة الإنسان بالأرض. فهنا نرى كيف تعاقب التغير المناخي بين الرطوبة والجفاف، وكيف أجبر الإنسان على التكيف والرحيل والعودة. وهنا أيضًا نجد تفسيرًا لِمَ كانت الجزيرة العربية مهدًا لحضارات متعاقبة، فهي أرض التحولات: من صحراء قاسية إلى جنان مؤقتة، ومن حمم متدفقة إلى أرض مأهولة.
الخلاصة
حرة خيبر اليوم تبدو ميتة صامتة، لكنها في الحقيقة ذاكرة جيولوجية – إنسانية تحمل قصة التقاء النار بالماء، والصحراء بالخصب، والإنسان بالطبيعة. إنها ليست مجرد كتلة سوداء من الحمم، بل سجل مفتوح يفسر كيف بدأ الاستيطان البشري في الجزيرة، وكيف صاغت الأرضُ وعيَ الإنسان وقدرته على البقاء.

