تفكيك الأذرع

news image

 

قراءة استراتيجية – وكالة BETH
استشراف 6–18 شهرًا
السؤال المركزي: أذرع إيران في طريق الزوال؟

ملخص تنفيذي

شبكة «محور المقاومة» تواجه استنزافًا متعدّد الجبهات: ضغط عسكري مباشر (غزّة/جنوب لبنان/اليمن)، تضييق لوجستي، وانقسام اجتماعي محلي حول شرعية السلاح خارج الدولة. هذا لا يعني تفككًا وشيكًا بقدر ما يعني تحولًا قسريًا: من أذرع هجومية إلى أذرع دفاعية/محلية تتكيّف لنزع المخاطر.
حزب الله هو الذراع الأثقل، لكنه اليوم مقيّد بحرب استنزاف مع إسرائيل وبكلفة داخلية لبنانية عالية؛ حماس فقدت بيئة الحكم في غزّة وتحوّلت إلى تنظيم شبكي يعتمد على الجيوب والأنفاق والدعم الخارجي؛ الحوثيون يتلقّون ضربات مباشرة على البنية اللوجستية والعسكرية بعد نقل المعركة إلى صنعاء؛ الحشد الشعبي يتعرّض لإعادة تعريف قانونية تُشرعن نفوذه داخل الدولة العراقية أو تقيّده—والمعادلة لم تُحسم.
الإخوان المسلمون ليسوا ذراعًا إيرانية؛ العلاقة تاريخيًا منفعة متبادلة ظرفية أكثر منها تبعية، لا سيما عبر بوابة غزّة (حماس) أو تنسيق موضوعي ضد خصوم مشتركين.
احتمالات محاولات اختراق لهويات/أقليات (كالدروز في الجنوب السوري/لبنان، أو التمدّد عبر عناوين تصوفية في مصر) تبقى محدودة الدليل ومشحونة بالمخاطر العكسية؛ نفوذ طهران في الجنوب السوري يمرّ أساسًا عبر شبكات النظام وحزب الله، بينما حافظ الدروز في السويداء على استقلالية احتجاجية لافتة ضد دمشق وحلفائها.
المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية الراهنة مزيج من ردع متبادل وصراع نفوذ إقليمي، مع انتقال النار إلى اليمن والبحر الأحمر—وهو ما يرفع كلفة الشبكة الإيرانية ويخلق نوافذ إقليمية لعزلها.

الجذور (كيف نشأت الجماعات؟)

الإخوان المسلمون (1928، مصر): حركة سنّية إصلاحية/سياسية متشعّبة، تفرّعت عنها لاحقًا حركات عدّة (منها حماس)، وعلاقتها بإيران اتخذت طابعًا براغماتيًا متقلّبًا لا يرقى إلى «الذراع».

حماس (1987): فرع فلسطيني من الإخوان؛ دعمها الإيراني تصاعد/تراجع وفق المراحل، وعاد بقوة مع التمويل والتدريب والسلاح خلال العقد الأخير.

حزب الله (بداية الثمانينيات): تأسّس برعاية الحرس الثوري في لبنان خلال الحرب الأهلية، ونسج نموذج «دولة داخل الدولة».

الحوثيون (أنصار الله): حركة زيدية مسلّحة نشأت من نزاعات صعدة، ارتبطت لاحقًا بإيران تسليحًا وخبرات ومسارات تهريب منظّمة.

الحشد الشعبي (2014): مظلّة فصائل عراقية ضد داعش؛ تضم طيفًا واسعًا من التشكيلات، بعضها وثيق الصلة بإيران (كتائب، عصائب…)، وبعضها أقرب لمرجعية السيستاني والدولة. اليوم تُدفع نحو «تقنين دائم» أو «ضبط تدريجي».

التأثير والدور الراهن

حزب الله (لبنان): قوّة صاروخية كبيرة، شبكات أمنية–اجتماعية، نفوذ سياسي واقتصادي؛ لكنه يواجه استنزافًا حدوديًا وانكماش شرعية داخلية مع تدهور الاقتصاد.

حماس (غزّة/الخارج): من «حُكمٍ محاصر» إلى «شبكات قتال لا مركزية»؛ قدراتها صارت أكثر اعتمادًا على الأنفاق والمسيّرات والتسليح الخارجي، مع فقدان مؤسسات حكم فعّالة.

الحوثيون (اليمن/البحر الأحمر): ساحة تمديد للصراع: صواريخ ومسيّرات تهدّد الملاحة والعمق الإسرائيلي، وردود إسرائيلية مباشرة على صنعاء رفعت كلفة ربط اليمن بمعادلة غزّة.

الحشد الشعبي (العراق): نفوذ أمني–سياسي–اقتصادي عبر الدولة؛ نقاشات «التقنين الدائم» قد تمنحه شرعية أوسع أو تُقيّده ضمن تراتبية الجيش—أمر سيحسم اتجاه الشبكة في بغداد.

الإخوان: تأثير سياسي–اجتماعي متذبذب عربيًا؛ العلاقة مع إيران أقرب إلى تقاطع مصالح ظرفي لا تبعية تنظيمية.

من المستفيد؟

إيران بوصفها المركز المُموِّل والمُنسّق؛ النظام السوري؛ فصائل عراقية مرتبطة بطهران. كما تستفيد تل أبيب من «تهديد دائم» يبرّر عمليات ما وراء الحدود وبناء تحالفات دفاعية. وتنتفع شركات التهريب/الاقتصاد غير الرسمي من «اقتصاد الحرب».

مسارات الانحسار (لماذا «الزوال» مطروح؟)

استنزاف متعدّد الجبهات: فتح ساحات اليمن–البحر الأحمر على خط إسرائيل يبدّل المعادلة ضد الحوثيين ويرفع كلفة لوجستيات إيران.

تضييق سلاسل الإمداد: رصد أممي وتتبّع مكوّنات المسيّرات والصواريخ المُهرّبة يضغط على «خطوط الحياة».

تبدّل المزاج المحلي: احتجاجات السويداء (الدروز) ضد دمشق وحلفائها أضعفت «سردية الحماية» في الجنوب السوري.

إعادة هيكلة قانونية في العراق: دمج/تقنين الحشد قد يحدّ من «الحرب بالوكالة» أو يشرعنها—وكِلا الخيارين يقيّد حرية المناورة غير المُعلنة.
الخلاصة هنا: «الزوال» ليس انهيارًا آنيًا، بل تآكل وظيفي تدريجي يفرض تحويل الشبكات إلى دفاع محلي، مع فجوات قد تملؤها خلايا أصغر وأكثر سرّية.

الاستغلال البديل

التصوف في مصر: لا أدلّة علنية صلبة على توظيفٍ مباشر لصوفيين كذراع إيرانية. البيئة الدينية–الأمنية المصرية تجعل اختراقًا بهذا العنوان عالي المخاطر وقليل المكاسب؛ إن حصل فسيكون عبر واجهات اجتماعية/خيرية/ثقافية لا سياسية—افتراض يحتاج رصدًا لا جزمًا.

الدروز (لبنان/سوريا/إسرائيل): نفوذ طهران يتوسّط عادة حزب الله/النظام السوري لا اختراقًا درزيًا مباشرًا؛ أحداث 2008 في لبنان بيّنت خطوط تماس قسرية، فيما أظهرت السويداء استقلالية احتجاجية ضد دمشق. أي رهان إيراني واسع على «الهوية الدرزية» يواجه مقاومة داخلية وحساسية إقليمية عالية.

إيران وإسرائيل: لماذا العداء الآن؟

ردع بالوكلاء: إسرائيل ترى ترسانة حزب الله/غزّة/اليمن تهديدًا استراتيجيًا فتردّ بضربات متعدّدة المسارح (سوريا/اليمن/لبنان)؛ إيران تعتبر الردع بالوكالة ضمانة أمنية. تصعيد اليمن خلال أغسطس 2025 مثال على تمديد الاشتباك.

صراع نفوذ إقليمي: سعيٌ لترسيم مجال المناورة من المتوسّط إلى الخليج؛ إسرائيل عبر التفوّق الجوي–التقني والتحالفات؛ إيران عبر شبكة النيابة والقدرات الصاروخية–المسيّرات.

سياسة داخلية: الملف يوظَّف في تل أبيب وطهران لتوحيد الجبهة الداخلية وتبرير كلفة الأمن.

القوى الكبرى والإقليمية – أين السعودية؟

الولايات المتحدة: تمضي في إعادة تموضعٍ بالعراق حتى 2026، مع استمرار الردع ضد الشبكات المرتبطة بإيران وحماية الملاحة.

روسيا/الصين: موسكو تستثمر وجودها في سوريا وحاجتها للتعاون الإيراني؛ بكين تفضّل خفض التصعيد وحماية الممرّات التجارية، وقد رعت سابقًا وساطة طهران–الرياض.

السعودية (الدولة العظمى الإقليمية): مقاربة مزدوجة: تهدئة مسؤولة مع طهران، بالتوازي مع تطوير مظلّة ردع/دفاع وتحالفات بحرية وجوية لحماية الممرّات، ودور دبلوماسي محوري في ملفات غزّة واليمن ولبنان—اتساقًا مع رؤية 2030 واستقرار الأسواق والممرّات.

سيناريوهات 6–18 شهرًا

تآكل مضبوط (مرجّح): استمرار الاستنزاف مع تحويل الأذرع لوظائف دفاعية محلية وتقييد قدراتها العابرة للحدود؛ ضربات نوعية متبادلة بلا حرب شاملة.

تقنين يُحجِّم (عراق/لبنان): قوانين/صفقات تُدخل بعض الشبكات في مؤسسات الدولة مقابل ضبط السلاح الثقيل—ترفع الكلفة السياسية لأي مغامرة خارجية.

قفزة تصعيد مفاجئة (أقل ترجيحًا): حادثة كبيرة في لبنان أو البحر الأحمر تدفع إلى موجة قصف واسعة؛ تُستنزف فيها الأذرع أكثر، مع مخاطرة تمدّد الصراع.

مؤشرات إنذار مبكر

وتيرة ضربات العمق (سوريا/اليمن/لبنان) ونوعية الأهداف اللوجستية.

تشريعات الحشد الشعبي وتموضعه داخل الأجهزة.

مسارات تهريب مكوّنات المسيّرات/الصواريخ عبر خليج عدن/عُمان.

نبض الشارع الدرزي في السويداء واتجاه علاقته بدمشق/حلفائها.

خلاصة مترابطة

الأذرع لا «تزول» دفعة واحدة، بل تتآكل وظائفها العابرة للحدود حين تُضرب مفاصل الإمداد وتضعف شرعيتها المحلية ويُعاد تقنينها داخل الدول. في هذا الأفق، نافذة إعادة تشكيل الإقليم مفتوحة: تقلّص اليد الإيرانية خارج الحدود، وتقدّم مقاربة «دولة–مؤسسات–اقتصاد» تقودها الرياض، مع ردعٍ ذكي وممرّات تجارة آمنة. بهذا المعنى، يصبح «الزوال» تفكيك قدرة لا تفكيك كيان.

 

🖼️ الصورة: تجسيدٌ رمزيّ لانحسار الأذرع وبزوغ درعٍ إقليميٍّ متراصّ يحصّن الممرّات ويعيد هندسة الاستقرار.