أوروبا تبحث عن هوية مستقلة تحت ضغط سياسات أمريكية متغيّرة

news image


 

تحليا إدارة الإعلام الإستراتيجي بوكالة BETH

 

1) لماذا عاد سؤال «الهوية الاستراتيجية» الآن؟

ثلاثة ضغوط متزامنة تدفع أوروبا لإعادة تعريف نفسها:

أمنياً: تشككٌ متكرر في مدى التزام واشنطن بحماية أوروبا، مع دفعٍ لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة (حتى أهداف 5% من الناتج في الخطاب السياسي)، ما يُشعر الأوروبيين بأن «مظلّة الناتو» ليست شيكًا على بياض.

طاقياً وصناعياً: استبدال الاعتماد على روسيا باعتمادٍ متزايد على الغاز الأمريكي المسال، بالتوازي مع ارتهانٍ عميق لسلاسل توريد صينية في الطاقة النظيفة—وهو «فخ ازدواجية تبعية» يضعف حرية الحركة الأوروبية. 

نقدياً/تقنياً: تمدد هيمنة الدولار حتى داخل منظومة الأصول الرقمية (stablecoins) يقلّص هامش المناورة النقدية للاتحاد الأوروبي مستقبلاً.  

 

2) كيف تُحاول أوروبا صناعة استقلاليتها؟

أ) الدفاع والأمن

إطلاق الاستراتيجية الأوروبية للصناعة الدفاعية (EDIS)، مع حزمة أدوات (EDIP/EDF/ASAP/EDIRPA) لرفع الطاقة الإنتاجية وتسريع المشتريات المشتركة «المحلّية أوروبيًا»، وتقليل الارتهان للموردين الخارجيين. 

توسيع مشروعات PESCO (التعاون الهيكلي الدائم) لتطوير قدرات مشتركة برًا وبحرًا وجوًا وفضاءً. 

نقاشات متقدمة حول تمويل أوروبي مشترك للدفاع، وربط الإنفاق بشراء أنظمة أوروبية لخلق «استقلال إنتاجي».

ب) الاقتصاد والطاقة

CBAM (آلية ضبط الكربون على الحدود) لإملاء شروطٍ تجارية تتسق مع انتقالها الأخضر وتقليل «تسرب الكربون»، وتالياً فرض لغة أوروبية في التجارة العالمية.  

سعي لتخفيف «ازدواجية التبعية» بين LNG الأمريكي والتقنيات الخضراء الصينية عبر تسريع الاستثمار المحلي وسلاسل توريد بديلة. 

ج) التكنولوجيا والسيادة الرقمية

قانون الرقائق الأوروبي (Chips Act) لتعزيز الاكتفاء النسبي في أشباه الموصلات وقدرات الاستجابة للأزمات. 

استراتيجية «تقليل المخاطر» تجاه الصين (De‑risking)، لا «فك الارتباط»، عبر حماية التقنيات الحساسة وتقوية سلاسل التوريد الحرجة.  

 

3) ماذا يجري في الكواليس؟

مقايضات صعبة مع واشنطن: وعود أوروبية بمزيد إنفاق وتسليح لأوكرانيا، ومشتريات طاقة وسلاح أمريكي، مقابل إبقاء الغطاء السياسي/الأمني؛ غير أن هذا يفاقم انتقادات داخلية بأن أوروبا «ترضخ أكثر مما تتفاوض».

إعادة تموضع داخلية: انتقال مركز ثقل أمني نحو الشرق (بولندا)، مع استثمارات تسليحية قياسية وتثبيت حضور أمريكي لوجستي—ما يخلق «ازدواجية مسارات» بين تكامل دفاعي أوروبي، وتموضع ثنائي مع واشنطن. 

هندسة قواعد جديدة: من الطاقة إلى الكربون والرقائق، تسعى بروكسل لصياغة «قواعد ملعب» تمنحها وزناً تفاوضياً أمام أمريكا والصين. 

 

4) السيناريوهات أمام «هوية أوروبية مستقلة»

سيناريو التعزيز الحقيقي (أفضل حالة): تنجح EDIS/EDF وPESCO في تحويل القارة إلى «مجمّع صناعي دفاعي» قادر على الإنتاج السريع، مع تخفيفٍ ملموس لاعتماد الطاقة والتقنيات، فتظهر أوروبا «وسيط قوة» لا تابعاً. 

سيناريو الاستقلال المقنّن: تستمر أوروبا في رفع الإنفاق والاعتماد على مظلة واشنطن، مع بعض «جزر السيادة» الصناعية/التجارية (CBAM/Chips). هوية مستقلة جزئياً لكن بلا عمود فقري أمني مكتمل. 

سيناريو الارتهان المزدوج (أسوأ حالة): تزداد تبعيتها للغاز والسلاح الأمريكيين وللتكنولوجيا الخضراء الصينية بالتوازي، فتتقلص مساحة القرار الاستراتيجي رغم ارتفاع الفاتورة. 

 

5) ما الذي نراقبه في الشهور المقبلة؟

مصير هدف الإنفاق الدفاعي وحدود القدرة الفعلية على تمويله دون تقويض رفاه الأوروبيين. 

وتيرة تنفيذ EDIS/EDF: عقود مشتركة، خطوط إنتاج ذخائر ومنصات دفاعية داخل القارة. 

تخفيف «ازدواجية التبعية»: صفقات طاقة بديلة، محاور توريد نظيفة، وتوطين تقنيات البطاريات/الخلايا الشمسية.

تفعيل CBAM الكامل في 2026 وتأثيره على العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة والصين. 

مسار «تقليل المخاطر» مع الصين: تطبيقات عملية على الاستثمارات الخارجة/الداخلة والضوابط التقنية. 

 

خلاصة BETH

أوروبا لا «تقطع» مع أمريكا، لكنها تحاول تقليل هشاشتها أمام تغيّر المزاج السياسي في واشنطن. أدوات السيادة تتبلور (دفاع، طاقة، تقنيات، تجارة)، لكن نجاح المشروع مرهون بتحويل النصوص إلى قدرات إنتاجية وقواعد مُلزمة. إن لم تُغلق فجوة الاعتماد المزدوج (غاز/سلاح من أمريكا، وتكنولوجيا خضراء من الصين)، ستبقى «الهوية المستقلة» عنوانًا جميلًا… بقدرة تأثير محدودة.