الفيدرالي يعيد التشديد
واشنطن ترفع الفائدة 25 نقطة أساس إلى 3.75%–4.00% للمرة الأولى منذ 2023؛ التضخم والطاقة يعيدان السياسة النقدية إلى التشدد، والأسواق تترقب زيادة أخرى قبل نهاية العام
واشنطن | بث
رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اليوم الأربعاء، نطاق الفائدة المستهدفة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%–4.00%، في أول زيادة منذ 2023، بعد أشهر من تثبيت السياسة النقدية. وتُظهر التوقعات الجديدة أن غالبية صناع القرار ما زالوا يرون احتمال زيادة إضافية قبل نهاية 2026، في وقت بقي فيه التضخم أعلى من هدف 2%.
القرار لم يأتِ من فراغ؛ فالاقتصاد الأمريكي ما زال ينمو بوتيرة صلبة، ومبيعات التجزئة ارتفعت بقوة في أغسطس، فيما صعدت أسعار الواردات 0.7% خلال الشهر و7% على أساس سنوي، بما يعكس استمرار ضغوط الأسعار.
لكن العامل الأثقل هذه المرة هو الطاقة.
الحرب في الشرق الأوسط دفعت النفط فوق 100 دولار، ورفعت كلفة الوقود والنقل والإنتاج، فيما ظل مضيق هرمز مضطربًا وتعرضت الإمدادات السعودية لضغوط إضافية. وبرغم تراجع برنت اليوم إلى نحو 105.83 دولارات مع زيادة الإمدادات السعودية عبر عُمان، فإن مستوى الأسعار ما زال مرتفعًا بما يكفي لإبقاء التضخم تحت الضغط.
ماذا يعني القرار؟
الفيدرالي يرسل رسالة واضحة:
المعركة مع التضخم لم تنتهِ.
المشكلة أن هذه المرة لا يأتي التضخم فقط من طلب قوي داخل الاقتصاد، بل من صدمة خارجية مرتبطة بالحرب والطاقة وسلاسل الإمداد.
وهنا تصبح مهمة الفيدرالي أكثر صعوبة؛ لأنه يستطيع رفع كلفة المال، لكنه لا يستطيع فتح مضيق هرمز، ولا إصلاح خط أنابيب، ولا خفض سعر برميل النفط بقرار نقدي.
أي أن السياسة النقدية تحاول علاج أثر الحرب بأداة اقتصادية.
الكلفة على الاقتصاد
رفع الفائدة يعني ببساطة أن الاقتراض يصبح أغلى.
القروض العقارية، تمويل الشركات، بطاقات الائتمان، وتمويل الاستثمار كلها تتأثر تدريجيًا.
وهذا يضغط على الإنفاق والاستثمار، لكنه في المقابل يهدف إلى كبح الطلب ومنع ارتفاع الأسعار من التحول إلى موجة تضخمية أوسع.
المعادلة شديدة الحساسية:
إذا بالغ الفيدرالي في التشديد، قد يبطئ النمو.
وإذا تأخر، قد يترسخ التضخم.
لذلك فإن القرار الحقيقي ليس زيادة اليوم فقط؛ بل كم زيادة أخرى سيحتاجها الاقتصاد إذا استمرت الحرب وارتفعت الطاقة؟
الدولار والأسواق
الفائدة الأمريكية الأعلى تدعم عادة الدولار وتجذب رؤوس الأموال إلى الأصول الأمريكية، لكنها ترفع في الوقت نفسه كلفة التمويل عالميًا.
وهذا يعني ضغطًا أكبر على الدول والشركات التي تقترض بالدولار، خصوصًا الاقتصادات التي تعاني أصلًا من ارتفاع أسعار الطاقة أو ضعف العملات.
كما أن بقاء العوائد الأمريكية مرتفعة يضع الأسهم والذهب والعملات الرقمية والأسواق الناشئة أمام بيئة أكثر تقلبًا.
قبل القرار، كان عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات يقترب من 5%، وهو مستوى يعكس أن السوق نفسه بات يسعّر بقاء الفائدة مرتفعة فترة أطول.
ماذا عن السعودية؟
في السعودية، انتقل أثر القرار الأمريكي سريعًا من الترقب إلى التنفيذ.
فبعد رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة 25 نقطة أساس، قرر البنك المركزي السعودي «ساما» رفع معدل اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس «الريبو العكسي» بالمقدار نفسه، من 3.75% إلى 4.00%، ورفع معدل اتفاقيات إعادة الشراء «الريبو» من 4.25% إلى 4.50%.
وللقارئ غير المتخصص؛ فالريبو هو السعر الذي تحصل به البنوك على السيولة من البنك المركزي، فيما الريبو العكسي هو العائد الذي تحصل عليه عندما تودع فائض سيولتها لديه.
وهذان المعدلان يشكلان عمليًا مرجعًا مهمًا لكلفة السيولة والتمويل داخل النظام المصرفي.
ويأتي تحرك «ساما» في سياق المحافظة على الاستقرار النقدي في ظل ارتباط الريال بالدولار، وهو ما يجعل تغيرات الفائدة الأمريكية ذات تأثير مباشر في السياسة النقدية السعودية.
أما الأثر على السوق، فيظهر تدريجيًا في كلفة التمويل العقاري وتمويل الشركات والقروض المختلفة، مع اختلاف سرعة انتقال الزيادة من منتج إلى آخر.
وهكذا لم تعد السعودية تترقب أثر قرار الفيدرالي؛ فقد دخلت دورة التشديد الجديدة معه بالفعل.
الحرب تدخل البنوك المركزية
الأهم في قرار اليوم أنه يوسع مفهوم كلفة الحرب.
فالحرب لم تعد فقط:
صواريخ.
سفنًا.
وخطوط إمداد.
بل أصبحت أيضًا:
فائدة أعلى، وتمويلًا أغلى، وتضخمًا أكثر صعوبة، ونموًا أكثر حذرًا.
وهنا تظهر مفارقة واضحة:
كلما طال اضطراب الطاقة، اضطر الفيدرالي إلى التشدد أكثر.
وكلما تشدد الفيدرالي، ارتفعت كلفة الحرب حتى على الدول والشركات والأفراد الذين لا يشاركون فيها.
ماذا بعد؟
توقعات الفيدرالي تشير إلى بقاء التضخم أعلى من 2% لفترة أطول، مع احتمال زيادة أخرى هذا العام، بينما لا يتوقع صناع القرار عودة التضخم إلى المستوى المستهدف قبل 2029 وفق التقديرات الحالية.
لذلك فإن السؤال لم يعد:
هل رفع الفيدرالي الفائدة؟
بل:
كم مرة سيضطر إلى رفعها إذا بقي النفط مرتفعًا واستمرت الحرب في تعطيل الإمدادات؟
والسؤال الأوسع:
هل بدأت الحرب في الشرق الأوسط تفرض سياستها النقدية على العالم؟
لأن ما يحدث الآن يجيب جزئيًا:
حين ترتفع كلفة الطاقة، لا تبقى الحرب في الميدان؛ تنتقل إلى سعر القرض، وكلفة الاستثمار، وفاتورة الأسرة، وقرار كل بنك مركزي.