لا تتوقف لتنتصر
كتب: عبدالله العميره
من أكثر الأشياء التي تستهلك الإنسان دون أن ينتبه، رغبته المستمرة في إثبات أنه على حق.
يدخل نقاشًا لا يستحق، ويفسر كلمة لم يكن مطالبًا بتفسيرها، ويدافع عن موقف أمام أشخاص لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن فرصة للجدال والشهرة والانتشار.
وقد ينتصر في النقاش، لكنه يخسر وقته وهدوءه.
فبعض الانتصارات الصغيرة تكلفنا من أعمارنا أكثر مما تستحق.
لكن هل الصمت دائمًا حكمة؟
ليس بالضرورة. فالصمت أمام التضليل قد يترك أثره في عقول الآخرين، بينما يمنح الرد المتكرر المهاجمين أهمية لا يستحقونها.
والذكاء أن توجه خطابك إلى من يبحث عن الحقيقة، لا إلى من يصنع الخصومة. وأن تجعل إنجازاتك وحقائقك تتحدث، دون أن تنشغل بإسكات كل صوت معارض.
فبعض الأصوات لا تتحرك وحدها، بل تؤدي أدوارًا تخدم مصالح جهات لا تظهر في الواجهة. وهنا يصبح فهم الرسالة ومن يقف وراءها أهم من الانشغال بصاحب الصوت، دون التسرع في اتهام أحد.
لا تسمح للآخرين باختيار معاركك وتوقيتها وأدواتها.
والأغرب أننا أحيانًا نهدر وقتنا مع من يسيئون إلينا، بينما نؤجل اهتمامنا بأشخاص يحبوننا بصمت، ولا يطالبوننا بشيء.
ننشغل بمن يثيرون الضجيج الفارغ، وننسى الذين يمنحون حياتنا معناها وهدوءها.
وهنا يأتي فن التغافل؛ أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تمضي دون أن تلتفت.
فالتغافل ليس ضعفًا، وإنما وعي بقيمة الوقت، وحسن اختيار لما يستحق اهتمامنا.
ومع التجارب، ينبغي ألا نعود كما كنا؛ نظل طيبين، لكن أكثر وعيًا، ونتسامح دون أن نكرر الأخطاء، ونترك للأيام أن تكشف ما لا يستحق أن ننشغل بكشفه.
وقد اختصر الشاعر هذه الحكمة بقوله:
لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا
لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينارِ.
فلا تحرق خلايا دماغك في معارك بلا فائدة.
فكر فيما هو أكبر وأعمق وأبعد. ودع الأزمات تكشف معادن الناس، دون أن تتولى أنت مهمة محاكمتهم.
ليس مطلوبًا أن تكون على حق أمام الجميع، ولا أن تمنح كل من يهاجمك شرف الرد عليه.
امضِ إلى ما يستحق.
فالقافلة تسير، ولن تبلغ وجهتها إن توقفت عند كل نابح في الطريق.