النسيان

news image

كتب: عبدالله العميره

لولا النسيان، لبقيت بعض أوجاع الأمس تعيش معنا كل يوم.

من أجمل القدرات التي وهبها الله للإنسان قدرته على النسيان.

تخيّل لو أننا نتذكر كل شيء؛ كل كلمة آلمتنا، وكل خسارة مررنا بها، وكل لحظة خذلتنا فيها الحياة، بالمشاعر نفسها التي عشناها أول مرة.

كيف كنا سنواصل حياتنا؟

النسيان ليس ضعفًا في الذاكرة، بل إحدى أجمل قدرات الإنسان على الاستمرار في الحياة.

والعجيب أننا لا نلاحظ حدوثه.

أشياء كانت تؤرق نومنا، وأشخاص كانوا يشغلون تفكيرنا، ومواقف اعتقدنا أننا لن نتجاوزها، ثم يأتي يوم نكتشف فيه أنها لم تعد تؤلمنا كما كانت.

لا نعرف متى حدث ذلك، ولا كيف.

لكننا نبتسم، ونواصل يومنا.

وللنسيان تفسير علمي جميل؛ فالدماغ لا يحتفظ بالتجارب كلها بالقوة نفسها، والذكريات ليست تسجيلات ثابتة. إنها تتغير مع الزمن، وقد تخف استجابتنا العاطفية لبعضها كلما ابتعدنا عنها، أو عشنا تجارب جديدة.

نحن لا نمحو الماضي بالضرورة، لكننا نتعلم أن نتذكره بألم أقل.

وهذا لا يعني أن نتخلى عن تجاربنا؛ فما مررنا به، حتى حين كان مؤلمًا، يمكن أن يمنحنا فهمًا أعمق للحياة، ويعيننا على اتخاذ قرارات أفضل.

أن نحتفظ بالدرس، لا بالوجع؛ وأن نجعل من الأمس خبرةً للمستقبل، لا عبئًا عليه.

ومع ذلك، للذاكرة مفارقاتها.

قد ننسى سنوات من التعب، وتعيد إلينا رائحة عطر لحظة سعيدة. وقد ننسى معروفًا كبيرًا، ونحتفظ بكلمة عابرة جرحتنا.

ولهذا، ليس جميلًا أن ننسى كل شيء.

هناك وجوه تستحق أن تبقى، وأيادٍ امتدت إلينا عندما احتجناها، وأشخاص جعلوا أيامنا أفضل دون أن ينتظروا مقابلًا.

لعل الحكمة ليست في أن ننسى كثيرًا، بل في أن نتعلم ما يستحق أن يبقى.

أن نترك للأوجاع فرصة أن تهدأ، وللجميل مكانًا لا يضيع.

وأن ندرك أن بعض ما اعتقدنا أننا لن نعيش بعده، أصبح اليوم مجرد ذكرى.

ما أجمل أن تمنحنا الحياة هذه القدرة الهادئة:

أن نتذكر ما تعلمناه، دون أن نضطر إلى حمل كل ما تألمنا منه.