الإعلام بين التضليل والحقيقة

news image

في عصر تتعدد فيه المنصات وتتسع خيارات الجمهور، تبرز أسئلة جديدة حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية، وحدود الانحياز التحريري، وقدرة الدعاية السياسية على الصمود أمام حقائق يمكن التحقق منها.

إعلامي سعودي مخضرم يطرح قناة الجزيرة نموذجًا للنقاش.

 

إعداد وتقديم | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف : عبدالله العميره

 

هل تغير الإعلام أم المتلقي؟

لم يعد الإعلام يحتكر صناعة الرواية كما كان في عصر الصحيفة الواحدة، والإذاعة محدودة المنافسة، والتلفزيون الذي يحدد للجمهور ما يشاهده ومتى يشاهده.

اليوم، يستطيع المتلقي الانتقال بين عشرات المصادر خلال دقائق، ومقارنة العنوان بالصورة، والتصريح بالواقعة، والرواية بما يكشفه شهود الحدث.

لكن تعدد الوسائل لم يُنهِ الانحياز؛ بل جعله أكثر انكشافًا، وأحيانًا أكثر قدرة على الانتشار.

وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين الانحياز ومجافاة الحقيقة.

فقد تتبنى مؤسسة إعلامية زاوية سياسية واضحة، وتمنح بعض القضايا أولوية على غيرها، دون أن تتخلى عن الدقة. أما حين تنتقي الوقائع بما يخدم موقفًا مسبقًا، أو تمرر الادعاءات دون تمحيص، فإنها تنتقل من ممارسة الاختيار التحريري إلى الإخلال بوظيفة الإعلام.

وقد أدرك جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازية، قوة الرسائل المتكررة في التأثير على الجماهير، مستفيدًا من وسائل الاتصال الجماهيري في عصره. ونجحت دعايته في التعبئة والتضليل، لكن ذلك لم يجعل روايتها صحيحة، ولا منهجها صالحًا لتأسيس إعلام موثوق.

وفي العصر الرقمي، لم تختفِ الدعاية؛ بل تغيرت أدواتها، وأصبح انتشار المعلومة أسرع من التحقق منها أحيانًا.

وهنا يبرز سؤال مهني مهم:

لماذا تستمر بعض المؤسسات الإعلامية في اتباع مناهج تحريرية مثيرة للجدل، رغم تطور وسائل الإعلام واتساع قدرة الجمهور على المقارنة والتدقيق؟

وفي هذا السياق، يطرح الإعلامي السعودي الدكتور محمد ريان باريان، الذي سبق أن تولى إدارة عدد من القنوات السعودية، قراءة نقدية لتغطية قناة الجزيرة القطرية لتطورات الحرب في اليمن، وما يراه انحيازًا في تناولها للمملكة العربية السعودية والحوثيين.

وفي مقاله التالي، يقدم الدكتور باريان موقفه المهني والشخصي، مستندًا إلى متابعته لتغطية القناة.

 

قناة الجزيرة.. المقر قطر والمضمون إيران

بقلم: الدكتور محمد ريان باريان – إعلامي سعودي

بشكل مختصر، ما تبثه قناة الجزيرة وتقوم بتغطيته في أحداث اليمن يؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن من يدير القناة، إدارةً وتحريرًا، يتبنى توجهًا مماثلًا لتوجه الفصائل المسلحة المنفلتة عن دولها، كما في العراق ولبنان واليمن، التي تتلقى تعليماتها من طهران.

إليكم دليلًا بسيطًا على ما تبثه القناة عن المملكة العربية السعودية، التي وقفت مع دولة شقيقة لإعادة الحق إلى أصحابه، في مواجهة زمرة مارقة ليس لها من أصل أو انتماء لليمن، وإنما تنفذ توجهًا فارسيًا بغيضًا، أبطلت مخططه قيادة سعودية حكيمة قرأت النوايا الخبيثة للفرس.

نعود إلى قناة الجزيرة، التي من المفترض أن تكون سندًا لإحقاق الحق، خاصة أن الإخوة في قطر يشجبون وينددون في بياناتهم بأفعال الميليشيات الإرهابية.

لكن قناة الجزيرة فتحت نافذة إعلامية لإيران أثناء عدوانها على دول الخليج العربي، بما فيها قطر، لكي يبرر ممثلوها، كذبًا، أفعالهم القذرة.

والآن تفتح نافذة إعلامية للإرهابيين الحوثيين لنشر الأكاذيب والفيديوهات المضللة، وبلغ الأمر بقناة الجزيرة ومن يديرها من الداخل أن سمحوا لمراسلي القناة في اليمن بوصف السعودية بـ«العدو السعودي».

أنا هنا لست بحاجة إلى القول إن من هم داخل القناة ليسوا مرتزقة؛ لأن المرتزق يبحث عن المال، وإنما هؤلاء، وأنا أعرف جنسياتهم، حاقدون على دول الخليج، قياداتٍ وشعوبًا، وينفذون أوامر هدفها البعيد المدى زرع الحقد والكراهية بين الشعوب الخليجية.

والعتب على إخواننا في قطر: كيف نترك الحبل على الغارب هكذا؟

لأن ما يحدث من توجه قناة الجزيرة هو دعم إعلامي للفرس والإرهاب، وهذا لا يتفق مع الشجب والاستنكار.

أمثلة على الانحياز التحريري

يستشهد الدكتور محمد ريان باريان بعدد من الممارسات التي يرى أنها تكشف طبيعة التوجه التحريري لقناة الجزيرة في تغطيتها للأحداث اليمنية، ومن أبرزها:

وصف السعودية بالعدو: ما ينسبه إلى أحد مراسلي القناة في صنعاء من استخدام متكرر لعبارة «العدو السعودي»، دون تصحيح أو توضيح من القناة.

التسمية الإعلامية للحوثيين: استخدام وصف «أنصار الله»، وهو الاسم الذي تطلقه الجماعة على نفسها، بدلًا من اعتماد توصيف إخباري مستقل.

اختيار الضيوف: ما يراه تركيزًا على استضافة شخصيات معارضة للمملكة أو تتبنى مواقف عدائية تجاهها، بما يثير تساؤلات حول التوازن في اختيار الضيوف وإدارة النقاش.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية إضافية في ضوء الموقف الرسمي القطري المعلن الداعم للسعودية والرافض للاعتداءات الحوثية، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول التباين بين المواقف السياسية الرسمية والممارسة التحريرية المنسوبة إلى القناة.

والسؤال المهني هنا لا يتعلق بحق القناة في عرض الآراء المختلفة، وإنما بمدى التزامها بالتمييز بين نقل موقف طرف في النزاع وتبنيه، وبين حرية التعبير ومسؤولية المؤسسة عن مضامين تغطيتها.

 

حين تتلاقى روايات الخصوم

من المفارقات التي تستحق الدراسة في الإعلام السياسي أن تتقاطع روايات أطراف متخاصمة تاريخيًا، عندما تتجه رسائلها نحو طرف ثالث.

ويُعرف هذا تحليليًا بـ«تقارب السرديات بين الخصوم»، حيث تتشابه الرسائل الإعلامية رغم اختلاف المنطلقات السياسية، نتيجة تلاقي المصالح أو الأهداف المرحلية.

وهنا يظهر أسلوب يمكن وصفه بـ«الاستثمار في العداء»؛ أي توظيف الخصومة مع طرف ثالث لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية مشتركة، دون الحاجة إلى اتفاق معلن بين الأطراف المستفيدة.

والسؤال هنا: هل يعكس إبراز الرواية الإيرانية والحوثية في تغطية الجزيرة توازنًا إعلاميًا، أم تقاربًا سرديًا يخدم أهدافًا تتجاوز نقل الخبر؟

فالخصوم لا يحتاجون دائمًا إلى الاتفاق حتى تتلاقى رسائلهم؛ إذ يكفي أن تتقاطع مصالحهم في التأثير على صورة طرف ثالث، وإضعاف روايته أمام الرأي العام.

وهنا يصبح السؤال الأهم: من المستفيد من الرواية، لا من صاحبها فقط؟

 

أين الموقف القطري؟

يبقى السؤال: أين حكومة دولة قطر الشقيقة من هذه الممارسات الإعلامية؟ وكيف يمكن تفسير التباين بين المواقف الرسمية القطرية المعلنة تجاه المملكة العربية السعودية، وما يُنسب إلى قناة الجزيرة من خطاب يتعارض مع تلك المواقف؟

ولنضع المسألة أمام اختبار بسيط:

ماذا لو وصفت قناة سعودية، أثناء تغطيتها هجومًا صاروخيًا إيرانيًا على قطر، الدولة القطرية بأنها «عدو لإيران»، وبررت استهدافها بأن طائرات تنطلق منها لقصف طهران؟

هل سيكون ذلك مقبولًا لدى الأشقاء في قطر؟ وهل يُعد سلوكًا إعلاميًا مستقيمًا، أو تعبيرًا عن العلاقات الأخوية التي تجمع دول الخليج وشعوبها؟

إن حرية الإعلام لا تعني إعفاء المؤسسات من مسؤولية خطابها، كما أن استقلالها التحريري لا يحول دون مساءلتها المهنية عن الدقة والإنصاف.

وهنا يبرز السؤال الأكبر:

من يصنع التوجه التحريري لقناة الجزيرة، ومن يتحمل المسؤولية عن القرارات التي تثير هذه التساؤلات؟

فالمسألة لا تتعلق بجنسية العاملين أو خلفياتهم، وإنما بمن يضع السياسة التحريرية، ويقر ممارساتها، ويتحمل نتائجها.

وحين تتعارض التغطية الإعلامية مع روح العلاقات الأخوية والمواقف الرسمية المعلنة، يصبح من المشروع مساءلة المؤسسة عن هذا التباين، والمطالبة بتفسير مهني واضح له.

 

تعليق BETH | الإعلام ومصداقية الرواية

يثير هذا المقال قضية مهنية تتجاوز قناة بعينها، وتتعلق بمسؤولية الإعلام في زمن النزاعات، حيث يصبح التمييز بين نقل روايات الأطراف وتبنيها أحد أهم اختبارات المصداقية.

فالحياد لا يعني مساواة الحقيقة بالادعاء، والانحياز التحريري لا يمنح المؤسسة حق تجاوز الوقائع أو تمرير المعلومات دون تمحيص.

واللافت أن قناة الجزيرة نفسها تعلن في ميثاق شرفها المهني الالتزام بالدقة والتوازن، وتقديم الآراء دون انحياز، والتمييز بين الخبر والرأي والتحليل.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل يمكن أن تتحول شعارات حرية التعبير وتعدد الآراء إلى وسيلة لتمرير خطاب عدائي، مع إعفاء المؤسسة الإعلامية نفسها من مسؤولية ما تبثه؟

فإذا ثبت أن مراسلًا لقناة إخبارية وصف السعودية بـ«العدو السعودي» في تغطيته المباشرة، فإن المسألة لا تتعلق بحرية نقل رأي طرف في النزاع، بل باستخدام وصف سياسي عدائي ضمن الخطاب التحريري للقناة نفسها.

والفرق كبير بين أن تنقل المؤسسة وصفًا قاله أحد أطراف الصراع مع نسبته إليه، وبين أن يتبنى مراسلها ذلك الوصف في تقديمه للأحداث.

فحرية التعبير تحمي تعدد الآراء، لكنها لا تلغي مسؤولية المؤسسة الإعلامية عن الدقة والإنصاف والتمييز بين الخبر والدعاية.

وإذا كان الإعلام الموجّه قد استفاد تاريخيًا من تكرار الرسائل والتحكم في مصادر المعلومات، فإن تطور الوسائل واتساع خيارات الجمهور جعلا المصداقية أكثر ارتباطًا بالتوثيق والشفافية وإتاحة المقارنة.

والمعيار المهني ليس عدد الأصوات التي تستضيفها القناة، بل كيفية تعاملها معها: هل تتحقق من ادعاءاتها، وتضعها في سياقها، وتواجهها بالأسئلة والحقائق، أم تتحول إلى منبر لإعادة إنتاج أكاذيبها وخطابها الدعائي المتأزم؟

وفي عصر يستطيع فيه المتلقي الوصول إلى مصادر متعددة، لا تُقاس قوة المؤسسة الإعلامية بقدرتها على فرض روايتها، بل بقدرتها على إقناع الجمهور بأنها لا تخفي عنه الحقيقة.