كيمياء السعادة

news image

كتب: عبدالله العميره

في داخل كل إنسان مختبر صغير يعمل بصمت.

لا نراه، ولا نسمع أصوات أجهزته، لكنه يشارك في صناعة أجمل ما نشعر به.

فرحة تأتي فجأة، وطمأنينة تسكننا، وشوق إلى إنسان نحبه، وضحكة تجعل يومًا ثقيلًا أخف مما كان.

وقد منح العلم أسماء جميلة لبعض المواد التي تشارك في صناعة هذه المشاعر: الدوبامين، والسيروتونين، والأوكسيتوسين، والإندورفين

ليست وصفة سحرية للسعادة، لكنها مواد ينتجها الدماغ والجسد، وتؤثر في مشاعرنا ودوافعنا وعلاقتنا بالحياة.

الدوبامين يرتبط بالدافعية والتوقع والمكافأة؛ فنشعر بمتعة ونحن نقترب من حلم، أو ننتظر خبرًا جميلًا، أو ننجز عملًا نحبه. أحيانًا تسعدنا الرحلة قبل الوصول.

أما السيروتونين، فيشارك في تنظيم المزاج والنوم. ولعل من أجمل ما نمنحه لأنفسنا يومًا متوازنًا، بنوم كافٍ، وضوء صباح، ومشي هادئ.

ثم يأتي الأوكسيتوسين، المرتبط بالمحبة والثقة والترابط الإنساني.

تأمل شعورك عندما يطمئن عليك شخص تحبه دون مناسبة، أو يضع صديق يده على كتفك، فتشعر أن الكلام لم يعد ضروريًا.

أحيانًا تكفي عبارة: «أنا هنا».

وأحيانًا لا نحتاج حتى إلى العبارة.

أما الإندورفين، فيساعد الجسم على تخفيف الألم، ويرتبط أحيانًا بالشعور بالارتياح بعد الحركة والجهد البدني.

وربما لهذا يبدو العالم ألطف بعد نزهة جميلة، أو ضحكة صادقة، أو ساعة قضيناها بعيدًا عن الضجيج.

نعم، العالم ألطف حين نبتعد قليلًا عن أخبار الحروب، ونتوقف عن إشغال أفكارنا بتفاصيلها.

خصوصًا عندما نعيش في وطن يتولى فيه مسؤوليات الأمن والحماية رجال يمتلكون الكفاءة والقدرة، ويؤدون واجباتهم باقتدار.

يبقى علينا أن نطمئن، وندعو الله أن ينتهي الأذى، ويكفّ المؤذون أذاهم، وأن يعمّ السلام، وتسكن الطمأنينة نفوسنا.

فليس مطلوبًا أن ينتهي ضجيج العالم كي يبدأ هدوؤنا.

ولا أن نحمل أعباء الأحداث طوال اليوم؛ فمن حقنا أن نعيش لحظات جميلة، حتى عندما لا يكون العالم كله جميلًا.

ولنتأمل هذه المفارقة:

نبحث عن السعادة في الأشياء الكبيرة، بينما كثير من لحظاتها يسكن التفاصيل الصغيرة.

فنجان قهوة مع إنسان نرتاح إليه.

رسالة تقول: اشتقت إليك.

صباح لا نستعجله.

عمل ننجزه بحب.

أو مساء هادئ نجلس فيه مع أنفسنا، أو مع من نحبهم ويبادلوننا المحبة بصدق، دون أن نشعر بأن علينا إثبات مكانتنا لدى أحد.

ولعل أجمل اكتشاف أن الطمأنينة ليست أقل قيمة من الفرح.

فالفرح قد يزورنا ويرحل، أما الطمأنينة فتجعلنا نستمتع حتى بالأيام العادية.

وليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون سعيدًا طوال الوقت. يكفي أن يجد في يومه ما يجعله يبتسم، وفي حياته من يشعر معه بالأمان، وفي نفسه مساحة لا تصل إليها ضوضاء العالم.

والجميل أننا لا نحتاج إلى معرفة أسماء هذه المواد كي نستمتع بالحياة.

فالأم التي تحتضن طفلها لا تفكر في الأوكسيتوسين، والصديق الذي يضحك من أعماقه لا يسأل عن الإندورفين، ومن ينتظر لقاء إنسان يحبه لا يفكر في الدوبامين.

إنهم يعيشون اللحظة، ويتركون لأجسادهم أن تقوم بعملها الجميل.

وربما كانت هذه هي الحكمة البسيطة:

لا تقضِ حياتك تبحث عن السعادة كما تبحث عن شيء ضائع.

اصنع لها أسبابًا صغيرة، واترك لها بابًا مفتوحًا.

فبعض أجمل ما يحدث داخلنا، يبدأ بشيء جميل نفعله خارجنا.