حكاية صورة

news image

مقال المساء

كتب: عبدالله العميره

ليست كل النوافذ تُفتح على الشوارع.

بعضها يُفتح على العمر.

تجلس المرأة في صمتها، كأنها لا تنظر إلى مدينة بعيدة، بل إلى شيء أعمق من المدن كلها.

إلى ذكريات تحتفظ بجمالها، وأيام تركت في نفسها أثرًا طيبًا، وغدٍ ما زال يلوّح لها من بعيد.

في الخلف باب مضيء، كأن الحياة تحتفظ لها بمفاجأة جميلة.

وأمامها زجاج يعكس وجهًا آخر، كأن الضوء يرسم لها صورة من الخيال، أو يعيد إليها شيئًا من دهشة البدايات.

فلا نعرف:

أتبتسم لذكرى جميلة؟

أم تتخيل لقاءً ينتظرها؟

أم تفكر في الأيام المقبلة، وتتساءل: أيّ حلم جميل ينتظرها؟

أم تستمتع بتلك اللحظة النادرة التي تشعر فيها بأن الحياة تتسع لكل أفكارها وأحلامها؟

لا نعرف حلمها بالضبط، وربما لا نحتاج إلى أن تبوح به الآن.

يكفي أن نرى في عينيها متسعًا للأحلام.

فأحيانًا تكون السعادة في التطلعات الحالمة، وفي ذلك الشغف الجميل الذي يجعل الغد أكثر إشراقًا، حتى قبل أن يأتي.

ولنقل لها:

احلمي كما تشائين، واحتفظي بشغفك؛ فإن تحقق الحلم، عشتِ فرحة الوصول، وإن تأخر، بقي لكِ من جماله ما يجعل الانتظار نفسه متعة.

وعلى الطاولة رسالة.

ربما جاءت من إنسان عزيز، فقرأتها أكثر من مرة وابتسمت.

وربما كتبتها هي، وتركت فيها كلمات جميلة ستصل إلى صاحبها ذات صباح.

وفي الخارج، يمضي القطار.

يمضي محملًا بحكايات المسافرين، فيما تبقى المدينة مضاءة بألف حكاية أخرى.

أما هي، فتجلس في هدوء، وعلى ملامحها شيء من الرضا، وشيء من الطمأنينة التي تسكن الروح حين يمتلئ الإنسان بالأمل ويتصالح مع نفسه.

ولعلها اعتقدت أن البقاء حيث هي أفضل أحيانًا من الذهاب إلى مكان لا تعرف ما ينتظرها فيه.

وربما كانت تفكر في أن أجمل ما يمنحنا إياه الحاضر هو متسع للتأمل بهدوء، دون أن نتوقف عن الحلم بالغد، أو نسمح للماضي بأن يحجب عنا ما ينتظرنا من لحظات جميلة.

هذه ليست صورة لامرأة تنظر من نافذة.

هذه صورة لملاك يجلس بين بابٍ لم يُغلق، وطريقٍ لم ينتهِ، وحياةٍ ما زالت تقول له: لم يفت الأوان.