the money

news image

كتب: عبدالله العميره

Money... Money... Money!

كلمة كلما تضخّم حضورها، وتجاوزت حدودها، جلبت لصاحبها من الكراهية بقدر ما كان يتوقع أن تجلب له من النفوذ.

فليس كل مال يصنع نفوذًا، وبعض النفوذ يُشترى بثمن من الكراهية يفوق قيمته.

والحكاية، باختصار، ليست في امتلاك المال، بل في حكمة التعامل به؛ بتواضع وتعاون، وبحرص على تبادل المنافع بدلًا من استغلال الآخرين.

 العالم تغيّر.

أصبح أكثر وعيًا، وأكثر انفتاحًا على التعاون والتكامل.

عصر الاحتكار والاستعمار بصوره التقليدية انتهى، وتغيّرت موازين القوى، بل تغيّرت معها موازين التفكير والعقول.

ومع ذلك، لا تزال بعض الدول تتصرف بعقلية تنتمي إلى زمن مضى، وكأن العالم لم يتغير، وكأن المال وحده يكفي لشراء النفوذ والقرار والمستقبل.

وهنا يبرز سؤال مُلحّ:

من يدير العالم؟

المال؟ أم الذين يعرفون كيف يحصلون عليه؟ أم الذين يملكون الحكمة ليعرفوا متى يتوقفون عن مطاردته؟

من السهل أن تقول إن العالم تحكمه المصالح. وهذه حقيقة قديمة.

لكن السؤال الأكثر أهمية: أي عقل يدير تلك المصالح؟

هناك عقل استراتيجي يرى في المصالح المشتركة فرصة لبناء مستقبل طويل، وعقل انتهازي يرى في كل أزمة فرصة لصفقة سريعة، وعقل استعماري لم يتخلص بعد من فكرة أن ثروات الآخرين وقراراتهم يجب أن تمر عبر مكتبه.

والأخير مثير للشفقة أحيانًا؛ فقد تغير العالم، لكنه ما زال يبحث عن مستعمرات، ويستغرب أن أصحابها أصبحوا يملكون مفاتيح بيوتهم!

في السياسة الدولية، لا أحد يعترض على المصالح. الاعتراض على الطريقة.

دولة تستثمر في شريكها، فتنمو مصالحهما معًا. وأخرى تستثمر في إضعافه، ثم تعرض عليه خدمات الحماية مقابل فاتورة جديدة.

إنها عبقرية غريبة: تصنع المشكلة، ثم تبيع الحل، ثم تطلب الشكر!

وهناك من لا يكتفي بإدارة مصالحه، بل يعمل على تقويض مصالح الآخرين بواسطة وكلاء؛ يمولهم اليوم، ويتبرأ منهم غدًا، ثم يتفاجأ حين تتحول الجماعات التي صنعها إلى عبء على أمنه ومصالحه.

والتاريخ مليء بهذه التجارب، لكن بعض صناع القرار يتعاملون مع التاريخ كما يتعاملون مع شروط الاستخدام في التطبيقات: يضغطون «موافق» دون أن يقرؤوا شيئًا!

في عام 1956، انتهى العدوان الثلاثي على مصر بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية. لم تعد القوة الاستعمارية كافية لفرض النتائج القديمة.

وفي عام 1973، أثبتت أزمة النفط أن الدول المنتجة ليست مجرد خزانات مفتوحة للاقتصادات الصناعية، وأن للموارد قرارًا سياسيًا يملكه أصحابها.

ثم جاء غزو العراق للكويت عام 1990، ليقدم درسًا جديدًا: الاستيلاء على ثروة الجار قد يبدو مكسبًا عاجلًا، لكنه قادر على تدمير حسابات دولة بأكملها.

ومع ذلك، ما زالت هناك عقول تظن أن الهيمنة استثمار، وأن إضعاف الآخرين ضمانة للقوة.

المشكلة ليست أن أصحاب هذه العقول لا يعرفون التاريخ، بل أنهم يتصورون أنهم أذكى من نتائجه.

والأزمات تكشف هذا كله.

تكشف الصديق الذي يحضر عندما ترتفع الكلفة، والانتهازي الذي يراجع أسعار خدماته عند أول تهديد، والخصم الذي يختبئ خلف وسيط، والشريك الذي يكتشف فجأة أن المبادئ قابلة للتفاوض.

لكنها تكشف أيضًا الدول التي بنت قوتها على مؤسسات ومصالح مستقرة، لا على المساومات العابرة.

وهنا تبدو السعودية مثالًا مهمًا.

فالسعودية تبني علاقاتها الدولية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتدرك أن الشراكات الناجحة لا تقوم على التبعية أو الاستغلال، بل على التعاون الذي يحقق المنفعة لجميع الأطراف.

وقد أثبتت سياستها، عبر مراحل مختلفة، قدرتها على تنويع شراكاتها، وحماية مصالحها، واتخاذ قراراتها باستقلالية، دون أن تجعل اختلاف المصالح عائقًا أمام التعاون.

ومن يراجع تجارب المنطقة سيجد أن الدول والقيادات التي راهنت على تهديد السعودية أو تقويض أمنها انتهت إلى خسارة رهاناتها، بينما فتحت الشراكات الصادقة معها آفاقًا واسعة للتعاون والاستقرار.

وليس معنى ذلك أن التاريخ يوزع المكافآت والعقوبات تلقائيًا؛ فالدول ترتفع وتنخفض بعوامل كثيرة. لكن هناك حقيقة تتكرر:

من يتعامل مع السعودية بعقلية العداء يخسر فرصًا لا تعوض، ومن يتعامل معها باحترام ووفاء يجد شريكًا يملك القدرة والإرادة لبناء المصالح المشتركة.

أما الذين يظنون أن المال يستطيع شراء كل شيء، فلديهم مشكلة صغيرة:

يمكنهم شراء النفوذ، وتمويل الوكلاء، واستئجار المستشارين، وإطلاق الحملات، وربما شراء بعض المواقف.

لكنهم لا يستطيعون شراء الحكمة.

وقد ينتهي بهم الأمر إلى شراء الخسارة، وهم يظنون أنهم يعقدون صفقة رابحة!

فالمال قد يكون عنوان اللعبة الدولية، لكنه ليس سر الانتصار فيها.

والذين لا يرون في العالم إلا المال، ينتهي بهم الأمر غالبًا إلى دفع الثمن.