كيمياء الحضور
مقال المساء
كتب: عبدالله العميره
لماذا نرتاح إلى إنسان دون آخر؟
لماذا يختلف صوتنا حين نتحدث مع شخص نحبه؟ ولماذا نضحك بسهولة في حضوره، بينما نحتاج مع آخرين إلى التفكير طويلًا قبل أن نقول كلمة؟
لم تتغير جيناتنا، ولا كروموسوماتنا، ولا خلايانا خلال تلك اللحظات.
ومع ذلك، يتغير شيء في داخلنا.
فهل للأشخاص كيمياء تؤثر في كيميائنا؟
يقول العلم إن أجسادنا لا تقف متفرجة على مشاعرنا.
حين نقلق، تتغير استجابات الجهاز العصبي، وتشارك هرمونات مثل الكورتيزول في تنظيم حالة التوتر. وحين نشعر بالارتياح، تتبدل استجاباتنا الجسدية والانفعالية.
وهناك ظاهرة يدرسها العلماء تُعرف باسم التنظيم المتبادل، وتعني أن الأشخاص، خصوصًا في العلاقات القريبة، يمكن أن يؤثر بعضهم في الحالات النفسية والجسدية لبعضهم الآخر.
وقد يخفف حضور إنسان نثق به استجابتنا للتوتر.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة.
فلا يوجد هرمون يحدد من نحب، ولا جين يختار لنا الإنسان الذي نطمئن إليه.
والأوكسيتوسين، الذي يُسمى أحيانًا «هرمون الحب»، ليس وصفة جاهزة للمحبة، كما أن الدوبامين ليس تفسيرًا كاملًا للشوق والسعادة.
الإنسان أوسع من أن تختصره مادة كيميائية.
ومع ذلك، تبقى تلك المفارقة الجميلة:
قد تدخل مجلسًا وأنت متعب، ثم تجلس إلى شخص بعينه، فتجد نفسك أكثر نشاطًا ومرحًا.
وقد تكون في أفضل حالاتك، ثم تقابل إنسانًا يجعلك متوترًا دون سبب تستطيع تحديده.
وهناك من لا يحتاج إلى فعل شيء كبير كي يؤثر فيك.
يكفي أن يكون حاضرًا.
ليس بالضرورة أن يكون هادئًا؛ فقد يكون كثير الكلام والضحك والحركة، ومع ذلك يمنحك حضوره شعورًا بالراحة.
وقد يجمعك بإنسان آخر تشابه في الطباع والاهتمامات، فتجد الحديث معه ممتعًا والألفة قريبة.
لكن ما يثير التأمل أن أشخاصًا تتوافر فيهم صفات متقاربة، لا يتركون فينا الأثر نفسه.
وهل للعمر دور في ذلك؟
قد يساعد تقارب العمر والثقافة على تشابه التجارب والاهتمامات، وقد تنشأ بين شخصين متفاوتين في العمر ألفة جميلة، يجد كل منهما في الآخر ما يكمله ويثري تجربته.
ولكل إنسان طريقته الخاصة في الوصول إلينا، ولكل علاقة كيمياؤها التي تتشكل من تفاصيل لا تختصرها الصفات المشتركة وحدها.
وهنا يطل سؤال أكثر خصوصية:
لماذا أعشقك أنت، دونًا عن بقية الناس؟
لماذا اخترتك أنت من بين كل الوجوه التي عرفتها، وكل الأصوات التي سمعتها، وكل الأشخاص الذين مروا في حياتي؟
هل لأن ملامحك أجمل؟
ربما.
هل لأن حديثك أكثر متعة؟
ربما أيضًا.
لكن العالم مليء بوجوه جميلة وأحاديث ممتعة.
فلماذا أنت؟
يمكن للعلم أن يشرح بعض ما يحدث في الدماغ حين ننجذب إلى إنسان، وكيف تتداخل الخبرات والذاكرة والتوقعات والمشاعر في تكوين هذا الانجذاب.
لكنه لا يستطيع أن يختزل كل علاقة في معادلة، أو يقدم تفسيرًا واحدًا يصلح لكل إنسانين.
فلكل علاقة تاريخها الخاص.
تفاصيل يتذكرها أحدهما وينساها الآخر، وكلمات أخذت معنى مختلفًا، ومواقف صغيرة صنعت ثقة كبيرة.
ثم إن المحبة ليست استجابة كيميائية وحسب.
إنها أيضًا معرفة، واختيار، ومواقف تتكرر، وأيام تكشف من الإنسان ما لا يظهر في اللقاء الأول.
قد تبدأ العلاقة بانجذاب لا نفهمه، لكنها لا تستمر بالانجذاب وحده.
فالكيمياء قد تقرّب شخصين، لكن طريقة تعاملهما هي التي تحدد ماذا سيصنعان بهذا القرب.
والأجمل أن حضور الآخرين لا يؤثر في مشاعرنا تجاههم فقط، بل في مشاعرنا تجاه أنفسنا.
هناك من تصبح معه أكثر ثقة.
ومن تستعيد في حضوره خفة روحك.
ومن يشجعك على أن تكون أفضل دون أن يطلب منك أن تصبح شخصًا آخر.
وهناك من يجعلك تنشغل طوال الوقت بتفسير نفسك والدفاع عنها.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم في بعض العلاقات: كم أحب هذا الإنسان؟
بل:
أي إنسان أصبح حين أكون معه؟
لسنا بحاجة إلى تحويل كل عاطفة إلى تحليل علمي، ولا إلى البحث عن تفسير بيولوجي لكل نظرة وابتسامة.
لكن من الجميل أن نعرف أن ما نسميه مجازًا «كيمياء الحضور» له جوانب يدرسها العلم، وأن أثر الناس فينا ليس خيالًا خالصًا.
ويبقى في الإنسان ما هو أوسع من التفسير.
فقد نفهم كيف يستجيب الجسد للمحبة، دون أن نعرف لماذا أصبحت محبة هذا الإنسان بالذات مختلفة عن سواها.
وهكذا، عندما تسألني: لماذا أعشقك أنت دونًا عن بقية الناس؟
قد أحدثك طويلًا عن الذاكرة والهرمونات والخلايا العصبية.
ثم أكتشف أنني لم أجب عن سؤالك.
فأقول ببساطة:
أعرف بعض ما يحدث في داخلي حين تكون حاضرًا، لكنني لا أعرف لماذا لا يحدث بالطريقة نفسها مع أحد سواك.