الأشياء التي لا نحتاج أن نعرفها
كتب: عبدالله العميره
نحن نعيش في زمنٍ يظن أن المعرفة دائمًا مكسبًا.
نعرف الأخبار لحظة وقوعها، ونعرف أين ذهب الآخرون، وماذا قالوا، وماذا أحبوا، ومن تجاهلهم، ومن اقترب منهم.
لكن الإنسان، وسط كل هذا، نسي حقيقة بسيطة:
ليست كل معرفة راحة.
أحيانًا يكون السؤال أثقل من أن يستحق جوابًا.
لماذا تغيّر هذا الشخص؟
ماذا قال عني؟
لماذا لم يرد؟
هل كان يقصدني؟
من أخبره؟
وماذا حدث بعد أن غادرت؟
نطارد الإجابات لأننا نظن أن الحقيقة ستريحنا.
لكن بعض الحقائق لا تفعل شيئًا سوى أنها تمنح الألم تفاصيل أكثر.
قد تعرف لماذا ابتعد شخص، ثم تكتشف أن معرفتك لم تُعده.
وقد تعرف ما قيل عنك، فلا يتغير شيء في حياتك، سوى أنك أصبحت تحمل جملة لم تكن بحاجة إلى حملها.
وقد تفتش طويلًا عن تفسير لصمت أحدهم، ثم تكتشف أن الصمت نفسه كان الجواب.
نحن نبالغ أحيانًا في تقدير قيمة المعرفة.
نعتقد أن معرفة كل شيء تمنحنا السيطرة.
والحقيقة أن هناك أشياء نعرفها ثم نعجز عن تغييرها، فنخرج من المعرفة أقل هدوءًا، لا أكثر قوة.
ولهذا ربما يكون من الحكمة أن نسأل أنفسنا قبل أن نفتش:
ماذا سأفعل بهذه الحقيقة إن عرفتها؟
إذا كانت ستساعدني على اتخاذ قرار، أو تحميني من خطأ، أو تصلح علاقة، أو تمنع ضررًا؛ فابحث عنها.
أما إذا كانت ستفتح جرحًا فقط، أو تغذي فضولًا لا نهاية له، أو تجعلك تعيد مشهدًا انتهى مئة مرة، فربما يكون الجهل بها نوعًا من السلام.
ليس كل ما يُخفى عنا مؤامرة.
وليس كل صمت لغزًا.
وليس كل باب مغلق ينتظر منا أن نفتحه.
بعض الناس يقضون سنوات وهم يحاولون فهم لماذا حدث شيء انتهى منذ زمن، بينما الحياة أمامهم تنتظر منهم سؤالًا آخر:
وماذا الآن؟
هذا السؤال أهم أحيانًا من «لماذا؟».
لأن «لماذا؟» تعيدنا إلى الخلف.
أما «ماذا الآن؟» فتعيدنا إلى أنفسنا.
هناك نضج هادئ لا نتعلمه بسهولة:
أن نعرف متى نتوقف عن البحث.
متى لا نقرأ الرسالة القديمة مرة أخرى.
متى لا نسأل صديقًا مشتركًا.
متى لا نفتح الحساب.
متى لا نحاول أن نعرف ما الذي قيل بعد أن أُغلق الباب.
ليس خوفًا من الحقيقة.
بل احترامًا لراحتنا.
نحن لا نحتاج أن نعرف كل ما يدور في رؤوس الآخرين لكي نعيش جيدًا.
يكفينا أحيانًا أن نعرف ما فعله بنا وجودهم، وما فعله غيابهم، وكيف أصبحنا نحن بعد كل ذلك.
فالحياة ليست امتحانًا في جمع الإجابات.
وبعض الأسئلة لا نخسر حين نتركها بلا جواب.
بل نربح مساحة داخلنا كانت مشغولة بشيء لم يعد يستحقها.
ليست كل الأبواب المغلقة ألغازًا.
بعضها مجرد أبواب.
وأحيانًا تكون راحتك في ألا تفتحها.
استمتع بما بين يديك.
بضوء هادئ، وركن يشبهك، وعلامات صغيرة تقول إن في الحياة ما يستحق الطمأنينة.
ولا تُتعب قلبك بما خلف الأبواب؛ فقد لا يكون خلفها شيء.
أما ما كُتب لك، وما ينفعك، فمفتاحه في يدك.