الإنفاق التعليمي في السعودية يقفز 133.9% إلى 1.04 مليار ريال خلال أسبوع

news image

القفزة تحدث بينما تبقى قيمة عمليات نقاط البيع شبه مستقرة عند 14.17 مليار ريال؛ ما يكشف إعادة ترتيب أولويات الأسر ويمنح قطاعات التجزئة والنقل والخدمات دفعة موسمية

 

الرياض | تقرير اقتصادي | بث

مضى أسبوع على عودة الطلاب إلى مدارسهم في مختلف مناطق المملكة، لكن الاستعداد للعام الدراسي لم يبدأ مع قرع الجرس الأول؛ فالتقويم الدراسي معلن منذ وقت طويل، ومواعيد العودة معروفة للأسر والأسواق والمدارس.

ومع ذلك، تكشف حركة الشراء المتكررة في المواسم أن المعرفة المبكرة بالموعد لا تتحول دائمًا إلى استعداد مبكر له؛ إذ تتركز نسبة كبيرة من المشتريات في الأيام الأخيرة، فتزدحم المتاجر والطرق، وترتفع الضغوط على الأسر ومنافذ البيع والخدمات المرتبطة بها.

وهي ثقافة لا تقتصر على العودة إلى المدارس، بل تتكرر في رمضان والأعياد والمناسبات الوطنية: نعرف الموعد قبل أشهر، ثم نشتري كأننا علمنا به مساء البارحة.

ولا تعني أرقام الأسبوع المنتهي في 22 أغسطس أن الإنفاق على العام الدراسي اقتصر على هذا الأسبوع؛ فالمشتريات بدأت قبله واستمرت بعده. لكنها تقدم نافذة واضحة على اللحظة التي بلغ فيها الإنفاق التعليمي ذروته، وكيف أعادت الأسر ترتيب أولوياتها مع اقتراب العودة.

وخلال ذلك الأسبوع، قفز الإنفاق عبر نقاط البيع في قطاع التعليم بنسبة 133.9% مقارنة بالأسبوع السابق، ليصل إلى 1.04 مليار ريال، فيما ارتفع عدد العمليات في القطاع بنسبة 55.7%.

وهذا المليار ليس فاتورة الموسم كاملة، بل الجزء الذي التقطته بيانات نقاط البيع خلال أسبوع واحد؛ فلا يشمل ما أُنفق في الأسابيع السابقة أو اللاحقة، ولا المدفوعات التي تمت خارج نقاط البيع.

وفي الوقت نفسه، بقيت القيمة الإجمالية لعمليات نقاط البيع في المملكة شبه مستقرة عند 14.17 مليار ريال، بانخفاض طفيف بلغ 0.1%، بينما تراجع عدد العمليات بنسبة 4.9% إلى 237.35 مليون عملية.

وهنا تظهر القصة الاقتصادية الحقيقية:

لم تتسع محفظة الإنفاق كثيرًا، لكنها أعادت ترتيب محتوياتها لمصلحة المدرسة.

قفزة داخل الثبات

تكمن أهمية الرقم في أنه لم يأتِ داخل موجة ارتفاع شاملة للإنفاق الاستهلاكي، بل ظهر بينما بقي إجمالي السوق شبه مستقر.

وهذا يعني أن العودة إلى المدارس لم تضف إنفاقًا جديدًا بالكامل إلى ميزانيات الأسر، بقدر ما دفعتها إلى إعادة توزيع مصروفاتها وتقديم احتياجات التعليم على بنود أخرى.

فالإنفاق على الكتب والأدوات المكتبية ارتفع بنسبة 30.2% إلى 155.18 مليون ريال، كما صعد الإنفاق على الملابس والأحذية والإكسسوارات بنسبة 1.7% إلى 1.26 مليار ريال.

وفي المقابل، تراجع الإنفاق على الأغذية والمشروبات بنسبة 4.1% إلى 2.11 مليار ريال، وانخفض الإنفاق في المطاعم والمقاهي بنسبة 8.6% إلى 1.67 مليار ريال.

ولا يمكن نسبة كل ارتفاع أو انخفاض إلى المدرسة وحدها؛ فالإنفاق الأسبوعي يتأثر بعوامل متعددة. لكن تزامن القفزة التعليمية مع تراجع قطاعات استهلاكية أخرى يكشف بوضوح تحرك الأولويات داخل ميزانية الأسرة.

فالعودة إلى المدرسة لا تفتح الحقيبة المدرسية فقط، بل تعيد ترتيب المحفظة كلها.

أكثر من قرطاسية

الأثر الاقتصادي للعودة لا يتوقف عند الرسوم والكتب والحقائب والملابس.

فهو يمتد إلى النقل، ومحطات الوقود، والاتصالات، والخدمات المهنية، والصيانة، والتوصيل، والتجارة الإلكترونية، إلى جانب المتاجر الصغيرة المحيطة بالمدارس.

وسجل قطاع النقل خلال الأسبوع إنفاقًا بلغ نحو 1.04 مليار ريال، فيما بلغت قيمة العمليات في محطات الوقود 960.41 مليون ريال، ووصل الإنفاق على الخدمات المهنية والتجارية إلى 800.66 مليون ريال، وعلى الرعاية الصحية إلى 798.52 مليون ريال.

ولا يعني تقارب بعض هذه الأرقام أن المدرسة صنعتها كلها، لكنه يوضح حجم المنظومة الاقتصادية التي تتحرك بالتزامن مع عودة ملايين الأسر إلى جدولها الدراسي اليومي.

فالطالب يعود إلى مقعده، لكن معه تتحرك مركبة الأسرة، والحافلة، ومحطة الوقود، ومتجر الملابس، والمكتبة، ومنصة الدفع، وخدمة التوصيل.

ولهذا لا ينبغي النظر إلى موسم المدارس باعتباره مناسبة بيع عابرة، بل دورة اقتصادية قصيرة تتوزع آثارها على قطاعات متعددة.

الرياض تقود الإنفاق

جغرافيًا، استحوذت الرياض على النصيب الأكبر من عمليات نقاط البيع، بقيمة بلغت 5.13 مليار ريال، مرتفعة بنسبة 6%، رغم انخفاض عدد العمليات فيها بنسبة 2.3% إلى 77.93 مليون عملية.

وجاءت جدة ثانيًا بنحو 1.80 مليار ريال، بانخفاض 4.4%، ثم الدمام بقيمة 712.78 مليون ريال وارتفاع 9.3%.

وسجلت مكة المكرمة نحو 534.04 مليون ريال، والمدينة المنورة 519.31 مليون ريال، فيما بلغ الإنفاق في الخبر 426.43 مليون ريال، مرتفعًا بنسبة 11.5%.

وتعكس هذه الأرقام تفاوت حجم السوق والكثافة السكانية وتوقيت المشتريات بين المدن، كما تظهر أن الأثر الاقتصادي للموسم لا يتحرك بالسرعة نفسها في جميع المناطق.

موسم أم تحول؟

القفزة البالغة 133.9% كبيرة، لكنها موسمية بطبيعتها؛ إذ تتركز مشتريات التعليم قبل بدء الدراسة وفي أيامها الأولى، ثم تتراجع تدريجيًا بعد استكمال الاحتياجات الأساسية.

لكن القيمة الأهم لا تكمن في استمرار هذه النسبة، بل في نوع الإنفاق الذي تكشفه.

فكلما ارتفعت حصة الأدوات الرقمية، والمنصات التعليمية، والخدمات التقنية، والنقل المنظم، والمنتجات المحلية داخل فاتورة المدرسة، تحولت العودة من موسم استهلاك مؤقت إلى فرصة اقتصادية أوسع.

أما إذا بقيت السوق معتمدة على اندفاع الشراء في اللحظة الأخيرة، فإن جزءًا من الأثر الإيجابي يضيع في الزحام، وضغط الإمداد، وتراجع قدرة الأسرة على المقارنة والتخطيط.

فالشراء المبكر لا يريح الطرق والمتاجر فقط؛ بل يمنح الأسرة وقتًا لاختيار الأفضل، ويمنح السوق قدرة أكبر على توزيع الطلب، ويقلل فرص الاستغلال وارتفاع الأسعار المصاحب للطلب المكثف.

المشكلة إذن ليست في أن الأسر لا تعرف موعد المدرسة.

المشكلة أنها تعرفه جيدًا، ثم تتصرف اقتصاديًا كما لو أنه فاجأها.

رقم لا يتخرّج

ومن مفارقات موسم العودة أن بعض وسائل الإعلام، وبينها وسائل رسمية، تعيد هي الأخرى إلى مقاعد النشر رقم «ستة ملايين طالب» كل عام، مع أن أحدث رقم إجمالي صريح نشرته وزارة التعليم في عام 2024 تجاوز 6.7 ملايين طالب وطالبة في أكثر من 31 ألف مدرسة.

يتقدم الطلاب من صف إلى آخر، وتستقبل المدارس دفعات جديدة، وتتوسع المنظومة التعليمية؛ لكن الرقم الإعلامي وحده يبقى في فصله القديم، لا ينتقل ولا يتخرّج.

وليس المطلوب تضخيم العدد، بل تحديثه؛ لأن الرقم القديم لا يصبح جديدًا لمجرد وضعه في خبر جديد وتغيير تاريخ النشر فوقه.

كما أن تكرار الرقم نفسه في مصادر متعددة لا يجعله أكثر حداثة؛ فقد تكون الوسائل كلها تنقل من القصاصة القديمة نفسها.

ولذلك لا يعتمد هذا التقرير رقمًا إجماليًا لطلاب العام الحالي، في انتظار إحصاء حديث ومحدد من وزارة التعليم؛ فالاقتصاد الذي نقيسه بالأسبوع، يستحق أن نعرف عدد طلابه بالسنة نفسها.

المليار الأهم

تكشف بيانات الأسبوع أن التعليم قادر على تحريك أكثر من مليار ريال عبر نقاط البيع في فترة قصيرة، وأن أثره يمتد من الفصل الدراسي إلى قطاعات التجزئة والنقل والخدمات.

لكن السؤال الأهم ليس: كم أنفقت الأسر؟

بل: ما القيمة التي تحصل عليها مقابل هذا الإنفاق؟

فارتفاع المبيعات مؤشر مهم للتجار، لكنه ليس وحده مؤشرًا على جودة التعليم أو كفاءة الإنفاق الأسري.

الإنفاق الجيد هو الذي يذهب إلى احتياج حقيقي، ومنتج جيد، وسعر عادل، ويمنح الطالب وسيلة تساعده على التعلم، لا سلعة تُشترى تحت ضغط الزحام ثم تُنسى بعد أيام.

لقد تحرك مليار ريال في أسبوع واحد داخل قطاع التعليم، لكن العائد الحقيقي لهذا المليار لن يظهر في أجهزة نقاط البيع.

سيظهر في الفصل، وفي مهارة الطالب، وفي جودة المدرسة، وفي قدرة التعليم على تحويل ما تنفقه الأسرة اليوم إلى قيمة يضيفها الإنسان إلى الاقتصاد غدًا.

فالمدرسة تحرّك السوق موسمًا، لكنها إذا نجحت في بناء الإنسان، تحرّك الاقتصاد لأجيال.

__________

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

إشراف: عبدالله العميره