بركات يقود المربع وروشن

news image

تعيين المهندس صباح بركات رئيسًا تنفيذيًا مكلّفًا لـ«المربع الجديد»، بالتزامن مع قيادته مجموعة «روشن»، يعيد أحد مؤسسي المشروع إلى إدارته في مرحلة تنتقل فيها الخطط الكبرى من اتساع التصور إلى صرامة التنفيذ والاستثمار والعائد

الرياض | بث

عُيّن المهندس صباح بركات رئيسًا تنفيذيًا مكلّفًا لشركة تطوير «المربع الجديد»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، خلفًا للبريطاني مايكل دايك، مع استمراره رئيسًا تنفيذيًا مكلّفًا لمجموعة «روشن».

ولا يمثل القرار دخول بركات إلى «المربع الجديد» للمرة الأولى؛ فقد قاد الشركة خلال مرحلة تأسيسها رئيسًا تنفيذيًا مكلّفًا، وأسهم في تشكيل فريقها الإداري، وتطوير التصور الأولي للمخطط العام، وتحريك تصميم «المكعب»، وإسناد عقود إدارة المشروعات، وبدء أعمال الموقع، قبل تعيين دايك رئيسًا تنفيذيًا في عام 2023.

وبذلك فإن التعيين الجديد هو عودة إلى قيادة مشروع يعرفه منذ التأسيس، وليس انتقالًا إلى ملف يبدأ التعرف إليه من الصفر.

من هو بركات؟

يتمتع صباح بركات بخبرة قيادية تتجاوز 35 عامًا في التطوير العقاري واسع النطاق، والتحول الحضري، والهندسة، والاستثمار الاستراتيجي.

ويُعد من القيادات التنفيذية المرتبطة بمنظومة صندوق الاستثمارات العامة، ويشغل عضوية مجالس إدارة في عدد من شركات محفظته الاستثمارية، إلى جانب قيادته المكلّفة لمجموعة «روشن».

يحمل بركات درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من كلية كوين ماري بجامعة لندن، ودرجة الماجستير في إدارة الأعمال، بتخصص الإدارة الهندسية، من جامعة سيتي في لندن. كما أنه مهندس معتمد وعضو في معهد المهندسين المدنيين في المملكة المتحدة.

وتجمع خلفيته بين ثلاثة عناصر يحتاج إليها «المربع الجديد» في مرحلته الحالية:

  • المعرفة الهندسية بالمشروعات المعقدة.
  • الخبرة المؤسسية داخل صندوق الاستثمارات العامة.
  • إدارة التطوير العقاري الذي ينتقل من المخطط إلى البناء والبيع والتشغيل.

كما يمنحه عمله السابق داخل «المربع الجديد» معرفة مباشرة بالعقود والفرق والمخطط العام والشركاء والتحديات الفنية، بما يقلل زمن الانتقال بين الإدارتين.

لماذا الآن؟

يأتي التعيين في وقت يتحول فيه «المربع الجديد» من مرحلة تقديم الرؤية وإعداد التصاميم والأعمال التمهيدية إلى مرحلة أكثر صعوبة: تثبيت الأولويات، وتقسيم التنفيذ إلى حزم قابلة للتمويل والقياس، واستقطاب المستثمرين والمشغلين، وتحويل الأرض والمخططات إلى أصول عاملة.

وأعلنت الشركة، تعليقًا على التغيير، أن تعيين بركات تم وفق إطار الحوكمة المعتمد، ويتسق مع خططها الاستراتيجية طويلة المدى، مؤكدة استمرار عملياتها وشراكاتها وتوجهها الاستراتيجي.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول أن تغيير القيادة لا يعني إلغاء المشروع أو التراجع عن أهدافه؛ إذ يستمر العمل في الموقع، وتتحرك الشراكات الاستثمارية والتنفيذية.

والثاني أن عودة قيادة مرتبطة بالصندوق وسبق لها تأسيس الشركة ترجح دخول المشروع مرحلة أكثر تشددًا في التنفيذ والتكلفة والجدول الزمني والعائد.

ما المتوقع منه؟

لن يكون الاختبار الأول لبركات إعادة تقديم «المربع الجديد» إلى الجمهور؛ فالمشروع معروف، و«المكعب» أصبح أحد أكثر التصورات العمرانية السعودية حضورًا عالميًا.

الاختبار الحقيقي هو تحويل الرؤية إلى برنامج تنفيذي متدرج، بحيث لا يبقى نجاح المشروع مرتبطًا باكتمال معلمه الأكبر وحده.

ويُتوقع أن تتركز مهمته في خمسة مسارات:

ضبط مراحل التنفيذ

يمتد المشروع إلى عام 2040، ولا يمكن التعامل معه كورشة واحدة أو تمويله دفعة واحدة. لذلك ستكون الأولوية لتحديد ما يُنفذ أولًا، وما يحقق قيمة مبكرة، وما يمكن تأجيله من دون تعطيل هوية المشروع.

نقل المشروع إلى الاستثمار

بدأ «المربع الجديد» الانتقال من الإنفاق على البنية الأساسية إلى جذب رؤوس الأموال والشركاء والمشغلين.

وأعلنت الشركة، قبل أيام، شراكة استثمارية بقيمة مليار ريال مع مجموعة المانع الطبية لتطوير مستشفى داخل المشروع، ووصفتها بأنها أول حزمة استثمارية مفعّلة ضمن المخطط العام، مع توقع الإعلان عن شراكات أخرى.

وهذا يعني أن المهمة المقبلة ليست بناء المدينة بأموال المطور الرئيس وحده، بل تحويل أجزاء منها إلى فرص قابلة للاستثمار عبر بيع الأراضي، والمشروعات المشتركة، واستقطاب المطورين والمشغلين.

إدارة كلفة المكعب

يقع «المكعب» في قلب المشروع، وهو مبنى بأبعاد تبلغ 400 متر طولًا وعرضًا وارتفاعًا، صُمم ليضم تجارب غامرة وفندقًا ومرافق تجارية وأبراجًا متعددة الاستخدامات داخل واجهة مستلهمة من العمارة النجدية.

لكن ضخامة المبنى وتعقيد تقنياته يجعلان ضبط تصميمه وكلفته وجدوله من أصعب ملفات الإدارة الجديدة.

وقد أُنجز حفر أكثر من 14 مليون متر مكعب في موقعه، بما يهيئ الأرض للانتقال إلى الأعمال الدائمة. غير أن النجاح لن يُقاس بحجم الحفر وحده، بل بسرعة الانتقال إلى الأساسات والإنشاء، وإقفال التصميمات، وإسناد العقود ضمن تكلفة قابلة للسيطرة.

تقديم أصول قابلة للتشغيل

من المتوقع أن يركز بركات على العناصر التي تجعل «المربع الجديد» مدينة تعمل، لا معلمًا معماريًا ينتظر اكتمال بقية المشروع.

ويشمل ذلك الأحياء السكنية، والمكاتب، والفنادق، والمتاجر، والمستشفى، والمدارس، والطرق، والنقل، والخدمات العامة، والمساحات الخضراء.

فالمدينة لا تبدأ حين يكتمل رمزها الأكبر، بل عندما يستطيع أول ساكن وموظف ومستثمر استخدامها.

ربط المشروع بالرياض

يمتد «المربع الجديد» على مساحة تقارب 19 كيلومترًا مربعًا عند تقاطع طريقي الملك سلمان والملك خالد، ويستهدف إنشاء وسط حضري جديد قائم على مفهوم الوصول إلى الاحتياجات اليومية خلال خمس دقائق، وإلى بقية المرافق خلال 15 دقيقة.

ويشمل المخطط مسارات للدراجات بطول 150 كيلومترًا، وأكثر من عشرة آلاف غرفة فندقية، ونحو 1.4 مليون متر مربع من مساحات التجزئة، إلى جانب المساكن والمكاتب والمرافق الثقافية والترفيهية.

لكن أهم تحدياته ليست داخل حدوده فقط؛ بل في علاقته بشبكة طرق الرياض ومترو المدينة والمطار والمراكز القائمة، حتى لا يتحول إلى جزيرة عمرانية ضخمة تزيد الضغط على المحاور المحيطة بها.

ماذا تعني روشن؟

تُعد «روشن» أحد المشروعات الكبرى التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، لكنها تختلف عن «المربع الجديد» في طبيعة عملها.

فبينما يبني «المربع الجديد» وسطًا حضريًا ضخمًا داخل الرياض، تعمل «روشن» مطورًا عقاريًا متعدد الأصول في مدن ومناطق مختلفة، وتملك مشروعات دخل بعضها مراحل البيع والبناء والتسليم الفعلي.

وتشمل محفظتها:

  • «سدرة» في الرياض، بأكثر من 30 ألف وحدة سكنية على مساحة 20 مليون متر مربع.
  • «العروس» في جدة، بأكثر من 18 ألف وحدة على مساحة أربعة ملايين متر مربع.
  • «وارفة» في الرياض، بأكثر من ألفي وحدة.
  • «المنار» في مكة المكرمة، بأكثر من 33 ألف وحدة على مساحة 21 مليون متر مربع.
  • «الدانة» في الظهران، ويضم 2576 وحدة على مساحة 1.7 مليون متر مربع.

كما توسعت المجموعة خارج التطوير السكني التقليدي إلى أصول ووجهات أخرى، من بينها «واجهة روشن»، و«مرافي» في جدة، و«استاد روشن»، ومشروعات تعليمية ولوجستية وتجارية.

وتمنح قيادة «روشن» بركات خبرة يومية في إدارة التطوير الذي يواجه السوق مباشرة: تصميم المنتج، وتسعيره، وبيعه، وتسليمه، وتشغيل المرافق، والتعامل مع السكان والمقاولين والمطورين الفرعيين.

وهذه الخبرة قد تكون ما يحتاج إليه «المربع الجديد» للانتقال من لغة المعلم العمراني العملاق إلى لغة الوحدات والمرافق والشراكات والتدفقات النقدية.

قيادة مشروعين

الجمع بين رئاسة «روشن» و«المربع الجديد» لا يعني، وفق المعلومات المعلنة، دمج الشركتين أو مشروعاتهما. كما أن صفة «المكلّف» تشير إلى ترتيب إداري قابل للمراجعة، وليس بالضرورة صيغة دائمة.

لكن وجود قيادة واحدة للمشروعين يحمل دلالة مهمة، حتى إن كان مؤقتًا.

فهو يتيح نقل الخبرة بين مطور يمتلك مشروعات سكنية ومجتمعات تتقدم ميدانيًا، ومطور يبني وسطًا حضريًا شديد التعقيد. كما يمكن أن يساعد على توحيد معايير التعاقد، وإدارة التكاليف، والتعامل مع الموردين، واستقطاب المستثمرين، وتطوير المحتوى المحلي.

وفي المقابل، يضع الجمع بينهما عبئًا تنفيذيًا كبيرًا على بركات؛ فـ«روشن» وحدها محفظة واسعة موزعة على عدة مدن وأصول، بينما يحتاج «المربع الجديد» إلى متابعة يومية لمشروع يفوق في تعقيده تطوير حي أو مجتمع سكني تقليدي.

ولذلك سيكون من المبكر تفسير التعيين على أنه اتجاه لدمج الشركتين. الأقرب أنه يمنح الصندوق قيادة يعرفها ويثق بها، إلى حين استقرار الهيكل الإداري للمرحلة المقبلة.

قراءة BETH

الأهم في تعيين صباح بركات ليس جنسية الرئيس المغادر أو القادم، ولا مجرد استبدال اسم باسم.

الدلالة الأعمق أن «المربع الجديد» يعيد إلى قيادته مهندسًا بدأ معه من مرحلة التأسيس، ويجمع بين المعرفة بالمشروع والخبرة داخل صندوق الاستثمارات العامة وقيادة مطور يتعامل مع السوق والتسليم الفعلي.

وهذا يرجح أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو:

  • تثبيت المخطط بدل إعادة رسمه باستمرار.
  • تقسيم المشروع إلى مراحل قابلة للإنجاز.
  • حماية «المكعب» من أن يستحوذ على المشروع كله.
  • إدخال المستثمرين والمشغلين في وقت أبكر.
  • تحويل أجزاء من المخطط إلى أصول منتجة للعائد.
  • ضبط التكاليف وربط الإنفاق بالتقدم الفعلي.
  • بناء المدينة بالتوازي مع معلمها الرئيس، لا انتظار اكتماله.

كما يعكس التعيين حضورًا أكبر للقيادات الوطنية المرتبطة بمنظومة الصندوق في إدارة المشروعات الكبرى، بعدما قاد عدد من المديرين الدوليين مرحلة التأسيس والتوسع الأولى.

لكن المعيار لن يكون اسم القائد أو خلفيته، بل ما إذا كانت العودة إلى بركات ستختصر المسافة بين القرار والتنفيذ.

يعود صباح بركات إلى «المربع الجديد» وهو يحمل معرفة المؤسس وخبرة المطور.

أمامه مشروع بحجم مدينة، يتوسطه مبنى لم يُشيّد مثله من قبل، ويحتاج إلى موازنة دقيقة بين الطموح الهندسي والقدرة المالية، وبين المعلم العالمي والحياة اليومية، وبين سرعة التنفيذ وجودته.

أما قيادته المتزامنة لـ«روشن»، فتمنحه فرصة لنقل خبرة المجتمعات التي تُبنى وتُباع وتُسلّم إلى مشروع لا يكفي أن يبهر العالم بصورته؛ بل يجب أن يعمل مدينةً حقيقية.

والمهمة المنتظرة من صباح بركات ليست أن يجعل «المربع الجديد» أكبر في المخططات، بل أن يجعله أقرب إلى الأرض، وأوضح في مراحله، وأكثر قدرة على التحول من مشروع يُرى في الصور إلى مدينة تُعاش.