هندسة الإدمان
كيف تُصمَّم المنصات لإلغاء لحظة التوقف، وتحويل انتباه الإنسان ومشاعره ووقته إلى مورد اقتصادي لا ينضب؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
يفتح الإنسان هاتفه ليرد على رسالة، ثم يجد نفسه بعد نصف ساعة يتنقل بين مقاطع وصور وأخبار لم يكن ينوي مشاهدتها.
لا يتذكر أحيانًا لماذا فتح التطبيق، ولا متى اتخذ قرار الاستمرار، لكنه يواصل تحريك إصبعه كأن الصفحة التالية قد تحمل شيئًا لا ينبغي أن يفوته.
وقد يبدو الأمر ضعفًا في الإرادة أو سوءًا في إدارة الوقت، لكن السؤال الأهم يقع في مكان آخر:
هل يطيل المستخدم البقاء بمحض اختياره، أم أن المنصة صُممت أصلًا كي يصعب عليه مغادرتها؟
ما التصميم الإدماني؟
التصميم الإدماني هو بناء التطبيق بطريقة لا تكتفي بخدمة المستخدم أو تلبية حاجته، بل تدفعه إلى العودة المتكررة، والبقاء مدة أطول، والانتقال من محتوى إلى آخر من دون قرار واعٍ في كل مرة.
فالمنصة لا تقول له مباشرة: ابقَ هنا.
لكنها تزيل أمامه كل لحظة طبيعية قد يتوقف عندها ويسأل نفسه: هل أريد الاستمرار؟
وفي السابق، كانت للصحيفة صفحة أخيرة، وللنشرة نهاية، وللبرنامج موعد ينتهي فيه، وللمتجر باب يغلق بعد ساعات العمل.
أما المنصة الرقمية فلا تملك نهاية واضحة.
كلما انتهى محتوى، بدأ آخر. وكلما تحرك الإصبع، ظهر احتمال جديد. وحين يغيب خط النهاية، يصبح التوقف قرارًا يحتاج إلى جهد، بينما يصبح الاستمرار هو الوضع الافتراضي.
كيف تُصمَّم؟
لا تعتمد المنصات على أداة واحدة لإبقاء المستخدم، بل على منظومة من الخصائص تعمل معًا، وتتعلم من سلوكه، وتصبح أكثر قدرة على جذبه بمرور الوقت.
التمرير اللانهائي
لا توجد صفحة أخيرة ولا نقطة طبيعية تدعو إلى التوقف.
ويستمر المحتوى في الظهور كلما تحرك الإصبع، فيفقد المستخدم الإشارة التي تخبره بأنه وصل إلى النهاية.
التشغيل التلقائي
يبدأ المقطع التالي قبل أن يتخذ المستخدم قرارًا بمشاهدته.
وبذلك ينتقل قرار الاستمرار من الإنسان إلى النظام؛ فبدل أن يختار المشاهدة، يصبح مطالبًا باتخاذ قرار لإيقافها.
الإشعارات
تستدعي المنصة المستخدم حتى عندما لا يحتاج إليها.
وقد يكون الإشعار رسالة مهمة، أو مجرد تنبيه إلى منشور جديد، أو تذكير بأن أحدهم تفاعل مع محتواه. لكن الهدف واحد: إعادة فتح الباب الذي أغلقه.
المكافأة المتغيرة
لا يعرف المستخدم متى سيجد خبرًا مهمًا، أو تعليقًا يسعده، أو مقطعًا يثير اهتمامه.
وقد يشاهد سلسلة طويلة من المواد العادية قبل أن يعثر على محتوى يمنحه متعة أو دهشة أو شعورًا بالانتصار.
وعدم القدرة على توقع المكافأة هو ما يدفعه إلى مواصلة البحث عنها.
الإعجاب والتعليق والمشاركة
تحول المنصة التفاعل الإنساني إلى أرقام مرئية.
ينشر المستخدم محتوى، ثم يعود ليرى عدد الإعجابات والتعليقات والمشاهدات. ومع الوقت، قد ترتبط قيمة ما كتبه أو صوّره بحجم التفاعل معه، لا بقيمته الحقيقية.
التخصيص الدقيق
تتعلم الخوارزمية ما يثير فضول المستخدم، وما يخيفه، وما يغضبه، وما يدفعه إلى التوقف أو المشاركة.
ثم تقدم له المزيد من المحتوى الذي يشبه استجاباته السابقة، حتى تصبح المنصة كأنها تعرف نقاط ضعفه قبل أن ينتبه إليها.
المحتوى المؤقت
تخلق القصص والمنشورات التي تختفي بعد مدة محددة خوفًا من فوات شيء لن يكون متاحًا لاحقًا.
فيعود المستخدم لا لأنه يريد محتوى بعينه، بل لأنه يخشى أن يسبقه الآخرون إلى شيء سيختفي.
سلاسل الاستمرار
تكافئ بعض التطبيقات الاستخدام اليومي المتواصل، وتمنح المستخدم رقمًا أو علامة تدل على عدد الأيام التي لم ينقطع فيها.
وبذلك لا يصبح الدخول اليومي مجرد عادة، بل إنجازًا يخشى خسارته.
سهولة الدخول وصعوبة الخروج
فتح التطبيق سريع، والإشعارات جاهزة، والمحتوى يبدأ فورًا.
أما إيقاف التنبيهات، أو تعديل خيارات الخصوصية، أو إلغاء الاشتراك، أو حذف الحساب، فقد يتطلب خطوات أكثر وتعليمات أقل وضوحًا.
تبديل المحتوى السريع
تحمل كل حركة إصبع احتمال مفاجأة جديدة.
ولا يحتاج المستخدم إلى البحث أو الانتظار؛ فالمحتوى يصل متتابعًا، وتتغير موضوعاته وصوره وأصواته بسرعة تمنع العقل من الاستقرار على شيء واحد.
ما الهدف؟
الهدف الاقتصادي المباشر هو الانتباه.
فكل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم داخل المنصة تعني إعلانًا آخر يمكن عرضه، وبيانات أكثر يمكن جمعها، وفرصة أكبر للبيع أو التأثير، وقدرة أدق على توقع السلوك.
كما يرفع الاستخدام المتكرر مؤشرات الاحتفاظ بالمستخدمين، وقيمة المنصة أمام المستثمرين والمعلنين، وقدرتها على توسيع حصتها في السوق.
ولهذا لا يكون المستخدم زبونًا فقط.
ففي كثير من النماذج الرقمية، يصبح وقته وسلوكه واهتمامه ومشاعره جزءًا من المنتج الذي تبيعه المنصة.
المنصة المجانية لا تعمل بلا ثمن؛ فقد يكون الثمن هو الوقت الذي لا يشعر المستخدم بأنه دفعه.
كيف تصبح إدمانية؟
تعمل المنصة من خلال حلقة سلوكية متكررة:
منبّه، ثم استجابة، ثم مكافأة، ثم رغبة في التكرار.
يصل إشعار، فيفتح المستخدم التطبيق.
يجد رسالة أو تعليقًا أو خبرًا أو مقطعًا مثيرًا، فيحصل على مكافأة نفسية صغيرة.
ثم لا يعرف متى تأتي المكافأة التالية، فيواصل التمرير والانتقال بين الصفحات.
والعنصر الأشد تأثيرًا أن المكافأة ليست ثابتة ولا مضمونة.
قد يمر المستخدم بعشرة مقاطع عادية، ثم يجد مقطعًا يثيره بشدة. وقد يفتح التطبيق مرات عدة من دون شيء مهم، ثم يتلقى في مرة لاحقة تفاعلًا كان ينتظره.
هذا الغموض يجعله يكرر المحاولة؛ لأنه لا يعرف متى تظهر المكافأة، لكنه يعرف أنها قد تظهر في الحركة التالية.
ومع الوقت، لا يفتح التطبيق لأنه اتخذ قرارًا واعيًا، بل لأنه شعر بالملل، أو القلق، أو الوحدة، أو الفراغ، أو أراد الهروب من مهمة أصعب.
وهنا تتحول المنصة من أداة يستخدمها الإنسان إلى استجابة تلقائية تستدعي نفسها.
لماذا ينجح الغضب أكثر؟
قد يُقرأ المحتوى الهادئ ثم يُترك، أما المحتوى المخيف أو الصادم أو المستفز فيدفع المستخدم إلى التوقف والتعليق والمشاركة والعودة لمتابعة الردود.
والمنصة التي تقيس النجاح بمدة البقاء وحجم التفاعل قد تتعلم أن الغضب أكثر قدرة على إبقاء الناس من الطمأنينة، وأن الخلاف يحقق انتشارًا أكبر من التوافق، وأن الخوف يعيد المستخدم أسرع من المعرفة الهادئة.
ولا تحتاج الخوارزمية إلى فهم معنى الغضب أو امتلاك نية لإثارة المجتمع.
يكفي أن تكتشف أن نوعًا معينًا من المحتوى يحقق أرقامًا أعلى، فتمنحه انتشارًا أوسع، ثم تدفع المنتجين إلى صناعة المزيد منه.
وعندها لا تبيع المنصة الأخبار وحدها؛ بل تستثمر في القلق والغضب والمقارنة والخوف من الفوات.
وهكذا قد يتحول الانفعال الإنساني من حالة نفسية إلى مورد اقتصادي.
هل كل استخدام طويل إدمان؟
لا يعني قضاء ساعات طويلة على منصة أن المستخدم مدمن بالضرورة.
فقد يرتبط الاستخدام بالعمل أو الدراسة أو التواصل أو إنتاج المحتوى، وقد يكون مكثفًا من دون أن يصبح قهريًا أو مؤذيًا.
لذلك يجب التفريق بين الاستخدام الطويل، والعادة اليومية، والاستخدام القهري أو المضطرب.
يصبح الأمر مقلقًا عندما يفقد الإنسان قدرته على التوقف، ويعود إلى التطبيق بصورة تلقائية، ويستمر رغم معرفته بتأثيره في نومه وعمله ودراسته وعلاقاته وحالته النفسية.
وقد تظهر المشكلة حين يشعر بالقلق إذا ابتعد عن الهاتف، أو يتفقده من دون وصول إشعار، أو يستخدم المنصة مدة أطول مما قرر، أو يفشل مرارًا في تقليل الاستخدام.
والسؤال الكاشف ليس فقط: كم ساعة استخدمت التطبيق؟
بل:
هل دخلت إليه لأنك أردت، أم وجدت نفسك داخله من دون أن تعرف لماذا؟
المسؤولية ليست فردية
غالبًا ما تُقدم المشكلة بوصفها ضعفًا شخصيًا، ثم يُطلب من المستخدم أن يتحكم في نفسه، ويغلق هاتفه، وينظم وقته، ويقاوم الإغراء.
لكن هذه النظرة تتجاهل عدم التكافؤ بين الطرفين.
ففي الجانب الأول، فرد متعب أو قلق أو يشعر بالملل.
وفي الجانب الآخر، شركات تملك فرقًا من المهندسين والمصممين وعلماء السلوك وخبراء البيانات، وتختبر آلاف التعديلات لمعرفة اللون والإشعار والترتيب والتوقيت الأكثر قدرة على إبقائه.
ومن غير العادل تحميل الفرد وحده مسؤولية مقاومة منتج استُثمرت موارد ضخمة لجعله أكثر التصاقًا به.
المشكلة ليست أن الإنسان ضعيف فقط، بل أن النظام يتعلم كيف يصل إلى لحظة ضعفه.
أمريكا | من الشكوى إلى القضاء
في الولايات المتحدة، لم تعد الاعتراضات على التصميم الإدماني للمنصات مقتصرة على أسر قلقة أو باحثين في الصحة النفسية؛ بل انتقلت إلى المحاكم والكونغرس والجهات التنظيمية.
وتتركز الشكاوى خصوصًا على الأطفال والمراهقين، وتقول إن بعض المنصات لم تكتفِ بعرض محتوى قد يكون ضارًا، بل صممت خصائصها لزيادة مدة الاستخدام والعودة المتكررة، من خلال التمرير اللانهائي، والإشعارات، والتشغيل التلقائي، والتوصيات الشخصية، ومؤشرات التفاعل الاجتماعي.
وفي عام 2023، أقام ائتلاف من 32 مدعيًا عامًا أمريكيًا دعوى اتحادية ضد شركة «ميتا»، متهمًا إياها بتصميم ونشر خصائص قالوا إنها تستهدف جذب الأطفال والمراهقين وإبقائهم على «فيسبوك» و«إنستغرام» مدة أطول، مع عدم تقديم صورة كافية عن المخاطر المحتملة.
وفي عام 2024، رفعت مجموعة من 14 مدعيًا عامًا دعاوى مماثلة ضد «تيك توك»، تضمنت اتهامات باستخدام خصائص وتوصيات صُممت لجعل الاستخدام المتكرر عادة يصعب على صغار السن التحكم فيها.
كما جُمعت آلاف الدعاوى الفردية ودعاوى المدارس والجهات العامة ضمن مسار قضائي اتحادي موحد يحمل اسم «قضايا إدمان المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي». وبلغ عدد القضايا المعلقة ضمن هذا المسار أكثر من 2400 قضية في مارس 2026، وفق بيانات اللجنة القضائية الأمريكية المعنية بالدعاوى متعددة المناطق.
وتزعم هذه الدعاوى أن المنصات صُممت لتعظيم وقت الشاشة، وأن الشركات كانت تعرف أو كان ينبغي لها أن تعرف أن بعض الخصائص قد تشجع سلوكًا قهريًا لدى المراهقين، من دون تقديم تحذيرات كافية.
وشهد عام 2026 أحكامًا أولية لهيئات محلفين حمّلت بعض الشركات مسؤولية الإهمال في تصميم منصات تستهدف صغار السن وتدفعهم إلى الاستخدام المفرط. وتمثل هذه الأحكام تحولًا مهمًا؛ لأنها نقلت النقاش من مسؤولية المحتوى الذي ينشره المستخدمون إلى مسؤولية المنتج وطريقة تصميمه.
لكن الانضباط العلمي والقانوني يقتضي عدم اعتبار هذه القضايا دليلًا نهائيًا على أن كل منصة تسبب «الإدمان» لكل مستخدم، أو أن العلاقة بين الاستخدام والاضطرابات النفسية ثبتت بالطريقة نفسها في جميع الحالات.
فالدعاوى تتضمن ادعاءات تخضع للإثبات والدفاع والاستئناف، كما أن النتائج الصحية تختلف بحسب العمر، ونوع المحتوى، ومدة الاستخدام، وحالة المستخدم النفسية والاجتماعية، وطريقة تفاعله مع المنصة.
وقد أكد الجراح العام الأمريكي أن الأدلة المتاحة تشير إلى فوائد لبعض الاستخدامات ومخاطر محتملة وعميقة لبعض الأطفال والمراهقين، لكنه أوضح أن المعرفة العلمية لم تصل بعد إلى مستوى يسمح باعتبار وسائل التواصل آمنة بصورة كافية لهذه الفئة.
كما تؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن استخدام المنصات ليس نافعًا أو ضارًا في ذاته؛ إذ يتوقف أثره على خصائص التصميم، والمحتوى، والمرحلة العمرية، والظروف الفردية، ومدى تأثير الاستخدام في النوم والنشاط البدني والعلاقات والحياة اليومية.
ولهذا يدور الخلاف الأمريكي اليوم حول سؤال أدق من القول إن «المنصات سيئة»:
هل يجوز للشركة أن تعرف أن خاصية معينة تزيد الاستخدام القهري لدى القاصرين، ثم تواصل تشغيلها لأن بقاءهم مدة أطول يرفع أرباحها؟
القضايا لم تحسم جميع أبعاد هذا السؤال، لكنها أحدثت تحولًا واضحًا: لم يعد المستخدم وحده في قفص الاتهام بسبب عجزه عن التوقف؛ فقد دخل تصميم المنصة نفسه إلى قاعة المحكمة.
كيف تصبح المنصات أقل إدمانًا؟
لا يكفي أن تقدم التطبيقات تقريرًا أسبوعيًا يخبر المستخدم بعدد الساعات التي استهلكتها منه، بينما تستمر بقية عناصر التصميم في دفعه إلى البقاء.
الحل يبدأ بإعادة النظر في النموذج نفسه، وفي العلاقة بين نجاح المنصة ومدة احتجاز الانتباه.
إعادة لحظة التوقف
يمكن إيقاف التمرير اللانهائي، وتقسيم المحتوى إلى صفحات أو وحدات، ومنح المستخدم إشارة واضحة بأنه وصل إلى نهاية مجموعة معينة.
تعطيل التشغيل التلقائي
ينبغي أن يكون تشغيل المقطع التالي قرارًا يتخذه المستخدم، لا خيارًا افتراضيًا تفرضه المنصة.
إشعارات أقل
يمكن جمع الإشعارات وإرسالها في أوقات محددة، وإيقاف التنبيهات غير الضرورية افتراضيًا، بدل تحويل كل تفاعل صغير إلى استدعاء جديد.
حماية الأطفال والمراهقين
تحتاج الحسابات الأصغر سنًا إلى ضوابط أكثر صرامة، تشمل حدود الاستخدام، وتقليل الإشعارات، ومنع بعض أدوات المكافأة والمقارنة الاجتماعية، وعدم استخدام بياناتهم لبناء استهداف نفسي بالغ الدقة.
شفافية الخوارزمية
من حق المستخدم أن يعرف لماذا ظهر له محتوى معين، وأن يتمكن من تعديل عوامل التوصية، واختيار عرض زمني غير خاضع للتخصيص الكامل.
فترات توقف حقيقية
يمكن للمنصة أن تذكّر المستخدم بالتوقف، أو توقف البث بعد مدة يحددها مسبقًا، أو تعرض له نقطة خروج واضحة بدل الاستمرار الصامت.
سهولة المغادرة
ينبغي أن يكون إيقاف الإشعارات، وإلغاء الاشتراك، وحذف الحساب، والتحكم في البيانات، واضحًا بقدر وضوح التسجيل وفتح التطبيق.
تغيير مؤشرات النجاح
إذا ظل نجاح المنصة يُقاس بعدد الدقائق والجلسات والتفاعلات، فسيبقى تصميمها متجهًا إلى زيادة الاستهلاك.
أما إذا قيس النجاح بالقيمة التي حصل عليها المستخدم، وجودة تجربته، وثقته، ومدى تحقيقه للهدف الذي دخل من أجله، فقد يتغير التصميم من احتجاز الإنسان إلى خدمته.
منظور آخر
حين يفتح المستخدم المنصة، يظن أنه يدخل فضاءً واسعًا يختار فيه ما يريد.
لكن الخوارزمية تكون قد رتبت الطريق قبل وصوله.
اختارت ما يظهر أولًا، وما يتكرر، وما يختفي، وما يستفز، وما ينتظر خلف الحركة التالية.
ولهذا لا تقع السيطرة دائمًا في المحتوى الذي يُعرض، بل في تصميم المسار الذي يقود إليه.
قد يكون الإنسان حرًا في تحريك إصبعه، لكنه لا يختار دائمًا ما يوضع أمامه بعد الحركة.
وهنا تصبح القضية أكبر من إدمان الهاتف؛ إنها تتعلق بمن يملك هندسة الانتباه، ومن يحدد أين تتوقف العين، وماذا تشعر، ومتى تعود.
الخلاصة
لم تعد المنصات مجرد نوافذ نطل منها على العالم.
إنها بيئات مصممة تتعلم من سلوك الإنسان، وتعيد تشكيل ما يراه، وتختبر باستمرار ما يجعله يبقى مدة أطول.
ولا تعني مواجهة المشكلة رفض التقنية أو الانسحاب من العالم الرقمي، بل إعادة التوازن بين مصلحة المنصة وحق الإنسان في وقته وانتباهه وقراره.
فالتصميم الجيد يساعد المستخدم على الوصول إلى ما يريد.
أما التصميم الإدماني فيجعله ينسى ما الذي دخل من أجله.
وحين تصبح مغادرة المنصة أصعب من دخولها، لا يعود السؤال: ماذا تقدم لنا؟ بل: ماذا تفعل بنا؟