مصفاة خارج هرمز.. بتحالف سعودي–أميركي

news image

مشروع بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء منصة متكاملة للتكرير والتخزين والتصدير.. وإعلان الدولة المستضيفة قبل نهاية 2026

بث | B

دخل تحالف «ميرا أويل» MERA Oil السعودي–الأميركي المرحلة النهائية لاختيار الدولة الخليجية التي ستستضيف مشروعًا متكاملًا بقيمة تصل إلى 5 مليارات دولار، يجمع بين تكرير النفط وتخزينه وتصدير مشتقاته عبر ميناء للمياه العميقة خارج مضيق هرمز.

ولا يقتصر المشروع على بناء مصفاة جديدة؛ بل يستهدف إنشاء منصة تصدير مستقلة عن المضيق، تمنح منتجي الطاقة منفذًا مباشرًا إلى خطوط الملاحة الدولية، وتقلل تعرض الإمدادات الخليجية للإغلاق أو التعطيل أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

ثلاث دول مرشحة

أمضى التحالف ثلاث سنوات في تقييم مواقع داخل دول مجلس التعاون الخليجي، وعامين في مشاورات تفصيلية مع حكومات الدول المرشحة، قبل أن يحصر خياراته في ثلاثة مواقع تقع جميعها خارج مضيق هرمز.

ولم يكشف التحالف أسماء الدول الثلاث، مؤكدًا أن الموقع المفضل سيُعلن قبل نهاية عام 2026.

ومن المهم هنا عدم تقديم أسماء محتملة بوصفها معلومات مؤكدة؛ فالمعلن رسميًا حتى الآن هو وجود ثلاث دول خليجية مرشحة فقط، من دون تحديدها. 

من يقف خلف المشروع؟

يضم تحالف «ميرا أويل»:

  • شركة MWG Enterprises الأميركية لتطوير مشروعات الطاقة، ومقرها فورت وورث في ولاية تكساس.
  • مكتب عائلة باتيل الاستثماري.
  • شركة PWS المرتبطة بمجموعة عبدالهادي عبدالله القحطاني وأولاده الصناعية AHQ Group السعودية.

وهذا يعني أن المشروع تقوده شركات واستثمارات خاصة سعودية وأميركية، وليس مشروعًا معلنًا لشركة أرامكو السعودية أو للحكومة السعودية. وهذه نقطة ضرورية لمنع الخلط بين هوية المستثمرين وبين صفة المشروع الرسمية.

ماذا يتضمن المشروع؟

تبلغ الطاقة التصميمية المخططة للمصفاة 200 ألف برميل يوميًا، وهي طاقة تمنحها حجمًا تجاريًا مؤثرًا، وإن لم تضعها ضمن فئة المصافي العالمية العملاقة.

وسيضم المشروع:

  • مصفاة متكاملة لمعالجة النفط الخام.
  • ميناءً للمياه العميقة قادرًا على استقبال ناقلات النفط والسفن الكبيرة.
  • خزانات واسعة للنفط الخام والمنتجات المكررة.
  • منشآت للتصدير البحري.
  • قاعدة صناعية ولوجستية لدعم التصنيع والخدمات الفنية وأمن الطاقة.
  • أنظمة متقدمة للتحكم في الانبعاثات وتقنيات لرفع كفاءة استهلاك الطاقة.
  • إمكان إضافة قدرات مستقبلية للمعالجة المشتركة لوقود الطيران المستدام وإدارة الكربون.

وسيقام المجمع على أرض صناعية متصلة بالميناء، تتراوح مساحتها بين 1200 و1500 فدان، أي نحو 485 إلى 607 هكتارات.

ماذا ستنتج المصفاة؟

ستركز المصفاة على المشتقات المتوسطة عالية المواصفات، وفي مقدمتها:

  • الديزل فائق الانخفاض في الكبريت.
  • وقود الطائرات.

وتستهدف المنتجات أسواق الولايات المتحدة ودول حوض الأطلسي والخليج وأسواقًا دولية أخرى تعتمد على الاستيراد، على أن تحدد دراسات الهندسة واتفاقات الشراء النهائية الحصص المخصصة لكل سوق.

وهذا الاختيار مهم؛ لأن المشروع لا يراهن على تصدير الخام فقط، بل على تحويله إلى منتجات مكررة أعلى قيمة وأكثر مرونة في الوصول إلى الأسواق.

التمويل والتنفيذ

وصلت دراسة ما قبل الجدوى إلى مرحلة متقدمة، وتشمل تصميم المصفاة، ومزيج المنتجات، والاحتياجات الرأسمالية، والخدمات اللوجستية، ومراحل التنفيذ.

ومن المتوقع تمويل المرحلة الأولى من خلال:

  • مساهمات الشركاء.
  • مشاركة مستثمرين سياديين ومؤسساتيين.
  • التمويل الدولي للمشروعات.
  • ائتمان الصادرات.
  • أدوات تمويل متوافقة مع الشريعة.

وبعد اختيار الدولة المستضيفة، سيبدأ الفحص النهائي للموقع والتصميم الهندسي، مع استهداف اكتمال الأعمال الميكانيكية للمرحلة الأولى بنهاية عام 2029، ثم الانتقال إلى الاختبارات والتشغيل التجاري.

وقد يوفر المشروع في ذروة الإنشاء والتجهيز والتشغيل ما يصل إلى 3 آلاف وظيفة مباشرة، إلى جانب نحو 15 ألف فرصة غير مباشرة

لكن هذه الأرقام تظل تقديرات أولية، والمشروع لم يصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي؛ إذ لا يزال مشروطًا باختيار الموقع، واستكمال التصميمات الهندسية والمراجعات البيئية والموافقات الحكومية، وترتيبات التمويل، وتأمين إمدادات الخام واتفاقات شراء المنتجات.

لماذا خارج هرمز؟

يمر عبر مضيق هرمز جزء بالغ الأهمية من صادرات النفط والغاز الخليجية، ما يجعل أي توتر عسكري أو تهديد للملاحة أو ارتفاع في تكاليف التأمين قادرًا على التأثير في الإمدادات والأسعار العالمية.

ولهذا، فإن إقامة المصفاة والميناء خارج المضيق لا تعني الاستغناء عن هرمز، ولا تستطيع وحدها تعويض أحجام الطاقة التي تمر عبره، لكنها تضيف مسارًا احتياطيًا يقلل تركّز المخاطر في نقطة عبور واحدة.

والفرق جوهري بين «تجاوز هرمز» و«الاستغناء عن هرمز».

المشروع يستطيع تجاوز المضيق في تصدير منتجاته، لكنه يحتاج أولًا إلى ضمان وصول النفط الخام إلى المصفاة. فإذا كان الخام سيأتي من حقول تقع داخل الخليج، فستصبح شبكة الأنابيب أو مصدر الإمداد البري عنصرًا حاسمًا في الجدوى الحقيقية للممر.

وهنا يكمن السؤال الأكبر الذي لم يُحسم بعد:

كيف سيصل الخام إلى المصفاة من دون أن ينتقل خطر هرمز من مرحلة التصدير إلى مرحلة الإمداد؟

ماذا سيحسم الموقع؟

لن تكون الدولة الفائزة بالاستضافة هي صاحبة الأرض الأرخص فقط، بل الدولة القادرة على تقديم منظومة متكاملة تشمل:

  • موقعًا بحريًا حقيقيًا خارج المضيق.
  • ميناءً عميقًا قابلًا للتوسع.
  • اتصالًا آمنًا ومستدامًا بمصادر النفط الخام.
  • أرضًا صناعية واسعة وبنية تحتية جاهزة.
  • سرعة في التراخيص والموافقات البيئية.
  • حماية قانونية واستثمارية طويلة الأجل.
  • حوافز مالية وضريبية وتسهيلات تمويلية.
  • قربًا من طرق الملاحة والأسواق المستهدفة.
  • قدرة على حماية المنشآت والممر البحري.

ولهذا، فإن المنافسة بين المواقع الثلاثة ليست على استضافة مصفاة فحسب، بل على احتضان عقدة جديدة في خريطة الطاقة الخليجية.

لماذا المشروع مهم للسعودية؟

المشاركة السعودية تمنح المملكة حضورًا في مشروع يجمع بين الطاقة والصناعة والموانئ والتجارة الدولية، ويفتح المجال أمام الشركات السعودية للاستثمار في البنية التحتية للطاقة خارج حدودها التقليدية.

كما ينسجم المشروع مع انتقال المملكة من بيع الخام وحده إلى تعظيم القيمة عبر التكرير، والمنتجات المتخصصة، والخدمات اللوجستية، والتمويل، والهندسة، وسلاسل الإمداد.

والقيمة الأهم ليست في ملكية مصفاة بطاقة 200 ألف برميل يوميًا فقط، بل في اكتساب موقع داخل المسار الذي تنتقل عبره الطاقة من المنتج إلى الأسواق العالمية.

فمن يمتلك المصفاة يربح من التكرير.

ومن يمتلك التخزين يربح من مرونة السوق.

ومن يمتلك الميناء والممر يشارك في التحكم بتوقيت التدفق ووجهته وكلفته.

تحليل BETH

الحرب أعادت تعريف أمن الطاقة.

ففي السابق، كان أمن الطاقة يعني امتلاك الاحتياطيات والقدرة الإنتاجية. أما اليوم، فلم يعد وجود النفط كافيًا إذا كانت طرق إخراجه إلى العالم عرضة للإغلاق أو الاستهداف.

ولهذا، ينتقل الاستثمار من حماية الحقول وحدها إلى تنويع الممرات والموانئ والخزانات والمصافي.

مشروع «ميرا أويل» يعكس هذا التحول؛ لأنه لا يبني مصفاة في موقع تجاري مناسب فقط، بل يختار موقعه وفق الجغرافيا السياسية للخطر.

ومع ذلك، فإن القيمة الاستراتيجية للمشروع ستظل مرتبطة بثلاثة شروط:

أولًا، أن يكون مصدر الخام متنوعًا ولا يعتمد بدوره على المرور عبر هرمز.

ثانيًا، أن تُبرم اتفاقات شراء طويلة الأجل تضمن تسويق المنتجات قبل ضخ الاستثمارات الكبرى.

ثالثًا، أن يحصل المشروع على تمويل قابل للاستمرار، لا على تمويل تحركه ظروف الحرب وحدها.

فإذا تحققت هذه الشروط، قد تتحول المصفاة إلى نواة ممر طاقة وصناعة وتخزين يتوسع لاحقًا لاستقبال خامات متعددة وخدمة أسواق مختلفة.

أما إذا اقتصر المشروع على نقل المصفاة جغرافيًا خارج هرمز، مع بقاء إمداداتها معتمدة عليه، فسيكون قد عالج نهاية الطريق ولم يعالج بدايته.

ما وراء الخبر

المشروع لا يعلن نهاية أهمية مضيق هرمز.

بل يعلن نهاية الاطمئنان إلى الاعتماد الكامل عليه.

والدولة التي ستفوز بالمشروع لن تستضيف منشأة نفطية فقط، بل ستدخل خريطة أمن الطاقة الجديدة بوصفها منفذًا بديلًا، وقاعدةً للتكرير والتخزين، ونقطة اتصال مباشرة بالأسواق الدولية.

إنه استثمار بقيمة 5 مليارات دولار، لكن قيمته الحقيقية قد تكون في الطريق الذي يفتحه، لا في المصفاة التي يبنيها.