الاقتصاد السعودي يجذب الاستثمار

HSBC يرصد تحسنًا في الاقتصاد وثقة متزايدة لدى الشركات العالمية.. والاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغت 32.6 مليار دولار في 2025
الرياض | بث
يرى بنك «HSBC» أن الاقتصاد السعودي يشهد تحسنًا ملحوظًا، مدعومًا بتوسع الأنشطة غير النفطية، وتطور البيئة الاستثمارية، وتزايد تدفق الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة.
وتشير دراسة البنك إلى أن ثماني شركات دولية من كل عشر تعتزم زيادة تجارتها واستثماراتها مع السعودية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، فيما تخطط أكثر من 60% منها للتحرك خلال ستة أشهر.
وعزت 53% من الشركات المشاركة اهتمامها بالمملكة إلى نمو الاقتصاد، إلى جانب الاستقرار والسياسات الداعمة للأعمال، بينما تصدرت التقنية والبنية التحتية القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات المتوقعة. دراسة HSBC
ولا تعبر هذه النتائج عن اهتمام بالسوق السعودية بوصفها سوقًا استهلاكية كبيرة فقط، بل عن تحولها إلى قاعدة محتملة لإدارة الأعمال والتصنيع والتقنية والوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
الأرقام تؤيد التحول
تقدمت السعودية إلى المرتبة الثالثة عشرة عالميًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، بعدما بلغت التدفقات 32.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 53% مقارنة بعام 2024، وفق البيانات التي أوردها تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026. وزارة الاستثمار
وسجل الاقتصاد السعودي نموًا حقيقيًا بنسبة 3% خلال الربع الأول من 2026، فيما واصل القطاع الخاص غير النفطي توسعه، مدعومًا بزيادة الإنتاج والطلبات الجديدة واستئناف عدد من المشروعات.
ولا يأتي الاستثمار الأجنبي هنا نتيجة عامل واحد، بل من تلاقي عدة تحولات:
اتساع السوق المحلية وارتفاع الإنفاق على المشروعات.
نمو قطاعات التقنية والسياحة والترفيه والصناعة والخدمات اللوجستية.
برنامج المقرات الإقليمية الذي نقل جزءًا من القرار التنفيذي للشركات إلى الرياض.
تطوير التشريعات ومنصات التراخيص والخدمات الرقمية.
وتوسع الشراكات التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة والشركات الوطنية الكبرى.
وقد انتقلت المملكة بذلك من عرض الفرص على المستثمر الأجنبي إلى إشراكه داخل مشروعات وسلاسل إمداد وأسواق قائمة بالفعل.
ماذا تعني ثقة الشركات؟
عندما تقول شركة عالمية إنها تعتزم زيادة استثماراتها، فهذا لا يعني بالضرورة أن الأموال وصلت بالفعل.
لكن الإعلان يكشف اتجاه القرار داخل الشركات، ويسبق عادة فتح المقر، وتخصيص رأس المال، وتوظيف الكفاءات، وإبرام العقود.
وتكتسب قراءة «HSBC» أهمية إضافية لأنه بنك دولي يعمل داخل شبكات التجارة والتمويل بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ويستطيع رصد حركة الشركات قبل ظهورها كاملة في الإحصاءات الرسمية.
كما أن استعداد أكثر من 60% من الشركات للتحرك خلال ستة أشهر يعني أن الاهتمام بالمملكة لا يقتصر على خطط بعيدة، بل يتجه إلى قرارات قريبة تتعلق بالتوسع والشراكات والتجارة.
تراجع فصلي لا يلغي الاتجاه
تقتضي الدقة التفريق بين المسار السنوي القوي والنتيجة الفصلية الأخيرة.
فقد سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 23.1 مليار ريال خلال الربع الأول من 2026، بانخفاض 2.4% عن الفترة نفسها من 2025، وتراجع أكبر مقارنة بالربع الأخير من العام الماضي الذي شهد إغلاق صفقات مرتفعة القيمة. الهيئة العامة للإحصاء
ولا يكفي ربع واحد للحكم على تغير الاتجاه؛ لأن التدفقات الاستثمارية تتأثر بمواعيد إتمام الصفقات وتسجيلها، وقد ترتفع في ربع وتنخفض في آخر.
لكن الرقم يمثل تنبيهًا مهمًا:
الثقة المعلنة ينبغي أن تتحول إلى تدفقات مستمرة، وألّا يبقى الأداء السنوي معتمدًا على عدد محدود من الصفقات الكبرى.
فالمقياس الأقوى ليس قيمة الأموال الداخلة في لحظة واحدة، بل عدد الشركات التي بدأت الإنتاج، والمصانع التي افتُتحت، والوظائف التي نشأت، والصادرات التي خرجت من المملكة.
لماذا تأتي الشركات؟
تتجه الشركات الأجنبية إلى السعودية لثلاثة أسباب رئيسة:
السوق
تملك المملكة اقتصادًا كبيرًا، وقوة شرائية مرتفعة، ومشروعات واسعة في الإسكان والنقل والطاقة والسياحة والرياضة والتقنية.
وهذا يمنح المستثمر طلبًا قائمًا، لا فرصة نظرية تنتظر تكوّن السوق.
الموقع
تقع السعودية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتستطيع من خلال الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية التحول إلى قاعدة للتصنيع وإعادة التصدير.
التحول
تفتح رؤية السعودية 2030 قطاعات كانت محدودة أو غير موجودة سابقًا، من الترفيه والسياحة إلى الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.
ولهذا لا يدخل المستثمر إلى اقتصاد ثابت، بل إلى اقتصاد يعيد بناء حجمه وتركيبته في الوقت نفسه.
ما الذي قد يبطئ التدفقات؟
رغم النظرة الإيجابية، أشارت الشركات التي شملتها دراسة «HSBC» إلى تحديات، من بينها شدة المنافسة وبعض القيود المرتبطة بالملكية والدخول إلى السوق.
كما يواجه الاستثمار عوامل خارجية، أبرزها الحرب في المنطقة، واضطراب الممرات البحرية، وارتفاع كلفة التمويل العالمية، وتأثير أسعار النفط في الإنفاق والسيولة.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.2% في 2026، ثم ارتفاعه إلى 4.3% في 2027، مع استمرار قوة الاستهلاك وسوق العمل، لكنها تشير إلى أثر الصراع الإقليمي وقيود الشحن في الأداء. توقعات المنظمة
وهذا يجعل المحافظة على الثقة الاستثمارية مرتبطة بقدرة المملكة على الجمع بين ثلاثة أمور:
استمرار المشروعات الاقتصادية.
وحماية منشآت الطاقة والممرات.
وتحسين سهولة ممارسة الأعمال وكلفة التشغيل.
تحليل بث | من التدفق إلى الأثر
تؤكد قراءة «HSBC» أن صورة السعودية داخل مجالس إدارات الشركات العالمية تغيرت.
فالمملكة لم تعد تُقرأ بوصفها مصدرًا لرأس المال أو سوقًا لبيع المنتجات فقط، بل مكانًا يمكن أن تنتقل إليه الشركة برأس المال والإدارة والتقنية.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من جذب الاستثمار إلى اختيار نوعه.
فالاستثمار الأعلى قيمة ليس بالضرورة الأكبر رقمًا، بل الأكثر قدرة على:
نقل المعرفة.
وتوطين سلاسل الإمداد.
وإنشاء وظائف نوعية.
وزيادة الصادرات.
وربط الشركات المحلية بالأسواق العالمية.
كما ينبغي التفريق بين رأس مال يدخل لشراء أصل موجود، ورأس مال ينشئ مصنعًا أو مركز أبحاث أو خدمة جديدة؛ فكلاهما استثمار، لكن أثرهما في الاقتصاد والوظائف والقدرات الوطنية ليس متساويًا.
النجاح الحقيقي لا يتحقق عندما تدخل الأموال إلى المملكة فقط، بل عندما تبقى، وتنتج، وتتوسع، وتحوّل السوق السعودية إلى قاعدة تنطلق منها نحو العالم.
لقد بدأت الشركات الدولية ترى النمو السعودي.
أما الخطوة الأهم، فهي أن يصبح هذا النمو سببًا للمجيء، ثم تصبح المعرفة والصناعة والصادرات أسبابًا للبقاء.