مسيّرات العراق .. والخطاب الرمادي

news image

قراءة وتحليل | بث | B

أعلنت السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة دخلت أجواء المملكة قادمة من الأراضي العراقية، في حادثة أعادت تسليط الضوء على تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة، وحدود السيطرة الفعلية للدول على الجماعات المسلحة العابرة للجغرافيا والسيادة.

وفي أول رد رسمي، أعربت الحكومة العراقية عن “قلقها البالغ” تجاه التقارير المتعلقة بانطلاق المسيّرات من العراق، مؤكدة رفضها “أي استهداف يطال الدول الشقيقة”، مع إعلان فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادثة. لكن بغداد، وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أنها “لم ترصد أي دلائل” عبر منظوماتها الدفاعية أو وسائلها البصرية تؤكد انطلاق المسيّرات من أراضيها، داعية إلى التعاون الأمني وتبادل المعلومات للوصول إلى نتائج دقيقة.

العرض والتحليل

هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:
هل ما قيل اعترافٌ بالعجز؟
أم محاولة لاختبار القدرة؟

القراءة الأقرب تميل إلى الاحتمال الأول.
لأن الاحتمال الثاني — إذا صح — لا ينفي العجز، بل يضاعفه.

فمحاولة “اختبار القدرة” عبر هذا النوع من الخطابات أو السلوكيات لا تعني فقط ضعف الاحتواء والسيطرة وفقدان المقدرة على ضبط الفاعلين، بل تحمل أيضًا اعترافًا ضمنيًا بعدم إدراك حجم قدرات الطرف الآخر، استخباريًا وتقنيًا وأمنيًا.

وهنا تتحول المشكلة من مجرد خلل أمني إلى خللٍ في التقدير نفسه.

لأن من يحاول الاستذكاء بغباء، ويبني حساباته على الضبابية والإنكار، بينما يفترض في خصومه امتلاك أدوات كشف ورصد متقدمة، قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية:
أن المناورة لم تعد تُخفي ما كانت تُخفيه سابقًا، وأن زمن الحروب الرمادية لم يعد كما كان قبل سنوات.

فالدولة التي تعلن أنها “لم ترصد شيئًا”، رغم خطورة الحدث، تضع نفسها تلقائيًا أمام أحد تفسيرين:
إما وجود خلل حقيقي في السيطرة والرصد،
أو أن الخطاب السياسي يحاول ترك مساحة إنكار مقصودة لتخفيف المسؤولية وتأجيل المواجهة.

وفي الحالتين، تتآكل هيبة الدولة؛
لأن المشكلة لا تعود فقط في وقوع الهجوم،
بل في الرسالة التي تصل للرأي العام والخصوم معًا:
هل الدولة عاجزة عن المعرفة؟
أم عاجزة عن المواجهة؟
أم تحاول الهروب بين الأمرين تحت غطاء الضباب السياسي؟

اللغة العراقية بدت شديدة الحذر، أقرب إلى محاولة احتواء الأزمة منها إلى تبنّي رواية حاسمة أو مواجهة مباشرة مع الفاعلين المحتملين.

فالعراق يدرك أن أي اعتراف صريح بانطلاق الهجوم من أراضيه يفتح أبوابًا خطيرة:

  • أسئلة حول السيادة،
  • وحجم نفوذ الفصائل المسلحة،
  • وقدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة على الجغرافيا والسلاح.

ولهذا، جاء الخطاب العراقي مبنيًا على معادلة دقيقة:
رفضٌ دبلوماسي للهجوم،
مقابل تجنّب الإقرار الكامل بالمسؤولية.

غير أن هذا السلوك لا يخلو من محاولة للمخادعة السياسية، عبر خطاب رمادي قد لا يُقنع سوى مطلقيه، ولا يخلو كذلك من الاستهانة بقدرات الطرف الآخر على كشف الحقيقة بسهولة.

وهو أسلوب يتقاطع إلى حدٍ كبير مع المدرسة الإيرانية في إدارة الخطاب الإعلامي والأمني:

  • نفي غير حاسم،
  • وضبابية محسوبة،
  • ومساحة إنكار تُستخدم لامتصاص الضغط أكثر من تقديم رواية قابلة للتصديق.

وفي مثل هذه الخطابات، لا يبدو الرهان على إقناع الرأي العام بقدر ما هو رهان على إطالة مساحة المناورة، حتى مع إدراك الجميع أن الوعي الاستخباري والتقني في المنطقة بات قادرًا على كشف كثير من الحقائق خلف الضباب السياسي.

من المستفيد؟

السؤال الأكبر هنا:
من المستفيد فعلًا؟
ولماذا الآن؟

هل هي الحكومة العراقية؟
أم المليشيات؟
أم إيران؟
أم أطراف خفية تسعى إلى جرّ السعودية نحو استنزاف سياسي أو أمني أوسع، مستثمرة في حالة الكراهية والتعبئة التي تعيشها بعض المليشيات المغيّبة تجاه المملكة؟

المشهد يبدو أعقد من مجرد عملية عسكرية محدودة.

فالحكومة العراقية، على الأقل رسميًا، لا تبدو مستفيدة من أي تصعيد مع السعودية، خصوصًا في ظل:

  • حاجتها للاستقرار،
  • ورغبتها في جذب الاستثمارات الخليجية،
  • ومحاولاتها استعادة التوازن الإقليمي.

أما المليشيات، فقد ترى في مثل هذه العمليات فرصة لإثبات الحضور، أو توجيه رسائل تتجاوز العراق نفسه ضمن معادلات النفوذ والصراع الإقليمي.

في حين أن إيران — حتى لو لم تكن معنية بتفاصيل كل تحرك ميداني — تدرك أن بقاء “مساحات الضغط غير المباشر” يمنحها أوراق تفاوض وتأثير دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة.

لكن الاحتمال الأخطر ربما يكمن في وجود أطراف تدرك أن أي احتكاك سعودي–عراقي أو خليجي–عراقي يخدم مشروع الفوضى أكثر من مشروع الدولة، ويعيد إنتاج بيئات الانقسام والكراهية التي تتغذى عليها الجماعات المسلحة.

ولهذا، لا يمكن قراءة مثل هذه الهجمات فقط من زاوية:
“من أطلق المسيّرة؟”

بل أيضًا من زاوية:
“من يريد للمنطقة أن تبقى معلقة بين الدولة والمليشيا، وبين الحقيقة والإنكار، وبين الأمن والفوضى؟”

خطاب الدولة أم ظلّ المليشيا؟

المشهد هنا لا يتعلق فقط بثلاث مسيّرات..
بل باللغة السياسية التي تتعامل بها بعض الدول مع الحروب غير المباشرة ووكلاء النفوذ.

فالبيان العراقي حمل ملامح خطاب بات مألوفًا في المنطقة:

  • إدانة عامة،
  • قلق دبلوماسي،
  • دعوة للتحقيق،
  • ونفي غير حاسم.

وهي اللغة نفسها التي استخدمتها إيران لسنوات في ملفات مرتبطة بأذرعها ووكلائها الإقليميين:
رفضٌ رسمي للتصعيد…
مع بقاء مساحة رمادية واسعة بين الدولة والفعل المنفذ على الأرض.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل المشكلة في التورط؟
أم في فقدان السيطرة؟

فالدولة التي تقع مثل هذه العمليات انطلاقًا من أراضيها تجد نفسها أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما:
إما أنها تعلم وتحاول التنصل،
أو أنها لا تملك السيطرة الكاملة على الجهات المنفذة.

وفي الحالتين، تتآكل صورة الدولة وهيبتها أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.

تحليل مختصر:

السؤال ربما لا يتعلق فقط بمن كتب البيان..
بل بمن حدّد سقفه الحقيقي.

فاللغة التي خرج بها الخطاب العراقي لا تبدو لغة دولة واثقة تمسك كامل القرار، بقدر ما تبدو لغة سلطة تحاول المرور بين الألغام:

  • لا تستطيع المواجهة،
  • ولا تملك الجرأة على الحسم،
  • فتختبئ خلف الضباب الدبلوماسي.

ولهذا، يبرز الانطباع بأن الحكومة تتحدث رسميًا،
لكن ظلّ المليشيا حاضر بين السطور.

السعودية .. هدوء الواثق

لكن ما يلفت الانتباه في المقابل، هو طريقة التعامل السعودي مع هذا النوع من التهديدات.

فالسعودية لم تتعامل مع الحادثة بخطاب انفعالي أو تصعيدي متسرع، بل عبر نموذج يعتمد على:

  • الرصد،
  • والاعتراض،
  • والاحتواء،
  • ورفع الرسائل السياسية والأمنية بهدوء محسوب.

وهذا يعكس تحولًا مهمًا في العقيدة الأمنية السعودية خلال السنوات الأخيرة:
الانتقال من رد الفعل العاطفي إلى إدارة التهديدات المركبة بعقل هادئ وقدرات متقدمة… بحكمة الواثق بقدراته.

فالرسالة السعودية غير المعلنة تبدو واضحة:
حتى لو حاولت بعض الأطراف إغراق المشهد بالضبابية أو الإنكار السياسي، فإن المملكة تمتلك القدرة على:

  • كشف مصادر التهديد،
  • وحماية الأجواء،
  • والتعامل مع الهجمات دون فقدان التوازن السياسي أو الأمني،
  • ومحاسبة الفاعل بالطريقة والتوقيت المناسبين.

فالتاريخ يُظهر أن السعودية، حين تتعرض لتهديد يمس أمنها واستقرارها، قد تتحلى بالصبر والهدوء في إدارة الأزمة، لكنها لا تُسقط حقها في الحسم، ولا تتهاون مع من يعتدي على أمنها أو يحاول استهدافها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الحادثة تعيد إحياء سؤال أكبر في المنطقة:
إلى أي مدى تستطيع الحكومات العربية التعايش مع وجود سلاح موازٍ للدولة؟

لأن أخطر ما تواجهه الدول ليس فقط الهجمات…
بل تحوّل “المنطقة الرمادية” إلى سياسة دائمة:

  • لا اعتراف كامل،
  • ولا سيطرة كاملة،
  • ولا محاسبة واضحة.

الخلاصة

المسيّرات الثلاث لم تكن مجرد حادث أمني عابر،
بل اختبار سياسي وأمني ولغوي في آن واحد.

اختبار لقدرة العراق على إقناع الآخرين بأنه يملك قراره الأمني الكامل،
واختبار لقدرة المنطقة على التعامل مع عصر الحروب غير المباشرة،
واختبار لقدرة السعودية على حماية أمنها وسط بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها الدول بالمليشيات، والسياسة بالإنكار، والدبلوماسية بالرسائل غير المعلنة.

وفي عالم الحروب الرمادية…
لا يصبح السؤال فقط:
من أطلق المسيّرات؟

بل:
من يملك القرار الحقيقي خلفها؟
ومن يملك الشجاعة للاعتراف بذلك؟
ومن يملك القدرة الفعلية على كبح المجرم ومحاسبته؟

فهنا لا تُقاس قوة الدول بما تقوله البيانات وحدها،
بل بما تملكه من سيطرة على الأرض،
ووضوح في الموقف،
وقدرة على منع الاختراقات، وتحول المليشيات والسلاح الموازي إلى سلطة تتجاوز الدولة نفسها.

BETH (بث B) – All rights reserved