رحلة فكر

news image

كتب: عبدالله العميره

بعض الرحلات لا تبدأ بخطوة.

بل بفكرة.

وفكرة واحدة أحيانًا قادرة على أن تغيّر:
نظرة
أو قرارًا
أو مستقبلًا كاملًا.

ولهذا
ليست كل الرحلات تُحكى بصوتٍ عالٍ.

فبعضها يولد في:
الصمت
والتأمل
والمراقبة الطويلة لما لا ينتبه إليه الآخرون.

أحيانًا
يشعر الإنسان أن أمامه مشهدًا لا يراه الجميع بالطريقة نفسها.

الكل ينظر..

لكن القليل فقط يقرأ.

والفرق بين من يرى الصورة
ومن يفهم ما خلفها
يشبه الفرق بين:
عابر طريق
وشخص يعرف إلى أين تقوده الطرق.

في الحياة
تمر أمامنا أفكار كثيرة.

بعضها يموت فورًا
وبعضها يبقى عالقًا في الذاكرة
وكأنه ينتظر لحظة معينة ليكتمل.

لكن أخطر الأفكار..
هي تلك التي تأتي بهدوء.

لا تصرخ
ولا تستعرض نفسها.

بل تكتفي بأن تترك أثرًا صغيرًا داخل العقل
ثم تبدأ بالتمدد ببطء.

ولهذا
هناك أشخاص لا يلفتون الانتباه في البداية.

لكن قد ينتابك شعور
وأنت تستمع إليهم أو تقرأ لهم
أنك أمام رحلة طويلة من:
التأمل
والاختبار
والأسئلة.

العالم مليء بالضجيج.

لكن الضجيج لا يصنع دائمًا:
الرؤية.

أحيانًا
أكثر العقول تأثيرًا..
هي تلك التي تعرف:
متى تصمت
ومتى تترك الفكرة تعمل وحدها داخل الآخرين.

بعض الرسائل لا تُقال مباشرة.

ليس خوفًا..

بل لأن الرسائل العميقة لا تُسلَّم جاهز
ولا تُقال دائمًا بشكل مباشر.

هي تُزرع.

ثم يكتشفها الشخص المقصود بنفسه.

وقد يقرأ النص نفسه لاحقًا مئات الأشخاص..

لكن شخصًا واحدًا فقط
سيتوقف فجأة

ويشعر أن شيئًا ما في داخله يقول:

“هذه ليست كلمات عابرة.”

في كل زمن
هناك من يظنون أن القوة في:
الصوت العالي
والظهور المتكرر
والضجيج.

لكن الزمن أثبت دائمًا أن:
الأثر الحقيقي
يبدأ غالبًا من فكرة هادئة..
تعرف جيدًا أين تريد أن تصل.

ورغم ما قد يبدو من استحالة الفكرة
تبقى فسحة الأمل واسعة بما يكفي لاحتواء رحلتها على بساط الفكر.

ليس ذلك البساط السحري
بل بساط الأمل الذي لا يتوقف.

فالصحفي السيكولوجي
لا يكتب الخبر فقط..

بل يمشي دائمًا بين:
الفكرة
والأثر،
والأمل.

ولهذا
ليست كل الرحلات تُعلن بدايتها.

بعضها يبدأ بصمت

ثم يكتشف الجميع لاحقًا..
أن الرحلة كانت قد بدأت منذ وقت طويل.

وربما…
هذه مجرد بداية.

أو ربما:
إشارة صغيرة
لمن يعرف كيف يقرأ ما بين السطور.

هذه الرحلة مع الفكر
ليست إلا جزءًا من رحلة تركت الصحافة أثرها العميق فيها
أثرًا يراه من يعرف كيف يقرأ الخبر
لا من يكتفي بقراءته فقط.

فصناعة الخبر
لا يجيدها إلا:
الصحفي السيكولوجي.

ذلك الذي لا يرى الكلمات وحدها
بل يقرأ:
العقل
والتأثير
وما يتحرك خلف المشهد.

وفي منتصف الطريق..
وربما عند نهايته
تتشكل الفكرة ببطء
حتى تصبح واقعًا.