حين يحاول العقل العربي كسر أسواره

news image

 

 

 العقل على شفير السؤال 

 .. وبين العقل والنص .. خطاب يبحث عن النجاةو

بيروت | بث | B

مقدمة 

تتناول الباحثة اللبنانية د. نايلة أبي نادر ( مؤسسة الفكر العربي)، في هذه القراءة النقدية كتاب “كلام على شفير الميتافيزيقا” للمفكر د. وليد الخوري، الصادر عام 2025، والذي يحاول من خلاله إعادة فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الفكر العربي:
العلاقة بين العقل والدين،
والنقد والتراث،
والفلسفة واليقين.

وتكشف المقالة عن مشروع فكري يسعى إلى الدفاع عن:
العقلانية،
والمنهج النقدي،
وحق السؤال،
في بيئة يرى المؤلف أنها ما زالت تنظر بعين الريبة إلى التفكير الحر والنقد الفلسفي.

كما تتوقف الكاتبة عند أزمة الخطاب النقدي العربي، وصعوبة تحوّل الفلسفة إلى جزء حي من التكوين الثقافي والاجتماعي العربي، في ظل هيمنة البنى التقليدية والخوف من إعادة قراءة المسلمات.

 

ملخص النص

يرى د. وليد الخوري أن الفكر العربي ما زال يعيش توترًا تاريخيًا بين:
العقل والنقل،
أو بين الحكمة والشريعة،
وأن هذا الصراع لم يُحسم منذ قرون، بل تغيّرت فقط أسماؤه:
من الأصيل والدخيل،
إلى التقليد والتحديث،
ثم الأصالة والمعاصرة.

ويؤكد أن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون:
عقلانية،
ونقد،
وفصل نسبي بين الديني والسياسي،
وإعادة قراءة معاصرة للنصوص الدينية.

كما يعتبر أن الخطاب النقدي في العالم العربي يعيش حالة:
غربة،
وتهميش،
وملاحقة،
بسبب خوف البيئات التقليدية من أي محاولة لتحريك الثابت أو مساءلة المسلمات.

وينتهي الكتاب بصورة قاتمة للعقل العربي، إذ يصفه المؤلف بأنه:
“عقل معتقل”،
يخاف التفكير الحر،
ويميل إلى الاتكاء على من يفكر عنه.

لكن إعادة الخوري فتح هذا الملف،
تعطي انطباعًا بأن الصورة لدى بعض النقاد ما زالت انطباعية إلى حدٍّ ما،
لم تتطور بالقدر الكافي مع تغيّر الأفكار،
ولا مع تطور فهم الدين وموقعه في أذهان كثير من المجتمعات.

وهنا تحديدًا،
نحتاج إلى مزيد من التعمق،
لا إلى إعادة إنتاج الصراع القديم بصور جديدة،
بل إلى محاولة الوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن الأحكام المسبقة والانطباعات الجاهزة.

 

النص الكامل لمقال د. نايلة أبي نادر

تحت عنوان :
"كلام على شفير الميتافيزيقا".. أيّ خطاب؟ أيّ رؤيا؟
 

ما زالت مُقارَبةُ العلاقة بين الفلسفة والدّين تُشكّل محوراً رئيساً من محاور اهتمامات المفكّرين والباحثين العرب المُعاصرين. نُشر الكثير في هذا السياق، فالتوتُّر القائم بين هذَيْن المجالَيْن لا يزال مُحتدماً، والانشغال به يشير بوضوح إلى أهميّته وراهنيّته.

د. وليد الخوري واحدٌ من الذين عملوا منذ عقود على الحَفْرِ في الحقل المعرفيّ المُشترَك بين الفلسفة والدّين، وفي التوتّرات القائمة بينهما. اختار في كتابه "كلام على شفير الميتافيزيقا" (صادر عن مركز دراسات فلسفة الدّين ودار التنوير، 2025) أن يَتموضعَ في البين بين، بين المدّ والجَذر، بين السؤال ومحاولة الجواب، بين طرفَيْن شَكّلا قطبَيْن رئيسَيْن في تاريخ الفكر الفلسفيّ العربيّ، أعني بهما: العقل والدّين، أو بحسب تعبير ابن رشد الحِكمة والشريعة.

هذا التموضُع في البين بين يُعبِّر عن حَذَرٍ شديدٍ لدى المؤلِّف من التمركز في الزوايا المحدّدة، والأُطر الصارمة، هو الذي يُتقن الخروج من الدوائر الضيّقة، إنْ طائفيّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً، ساعياً إلى الدوران الحرّ المتفلّت من ثقل الحواجز التي تُعيق حركة العقل الباحث عن ضالّته. اختارَ الوقوف على الشفير حيث نَجده يُغامر في خوْضِ معاركه الفكريّة مجرَّداً من سلاح الإيديولوجيّات الضيّقة، تاركاً لخطواته المنهجيّة أن تقودَه حيث يَتلمّس الاستنارة، وحيث تَشتعل الأسئلة القلقة التي تبحث في أُفق المعنى عن أجوبة، أو عن بعضٍ من أجوبة.

يتألَّف الكتاب من سبعة عشر فصلاً، يتنقّل القارئُ بينها بحريّة، يُمكنه تقديمُ فصلٍ على آخر، أو القفزُ من الأوّل إلى الأخير، لا قيْدَ يُكبّله، ولا ضرورة تُجبره على اتّباع مَسارٍ مُحدَّدٍ يفرضُه المؤلِّفُ عليه. إنّه كتابٌ منغمسٌ بعُمقِ الفلسفة، ويُشكّل محطّةً بارزةً في فضاء ما يُنشَر من حولنا.

حاولَ وليد الخوري أن يتعقّب في كتابه "الخيط المعرفيّ العابر لتاريخ الفكر العربيّ، من خلال مواضيع - نماذج، تتوزّع في غالبيّتها، على حقبِ هذا التاريخ ومراحل تكوّنه" (ص15)، مشتغلاً على تشكيل صورةٍ عن السمات التي اضْطلَعت بدَورٍ مفصليّ في ولادة نظامٍ معرفيٍّ خاصّ، يحمل في بنيته ما يُعيق تطوّرَه ودخولَه في العالميّة.

فمنذ النصّ الأوّل "السؤال على ساحة المعنى: صيغٌ ومنازل"، مروراً بـ "الخطاب النقديّ: زَرْعٌ في تربة مالحة"، إلى نصّ "مناظرة السيرافي - متّى: حوارٌ على شفير الميتافيزيقا"، وصولاً إلى "التعدّديّة في عهدة الفلسفة"، و"الحبّ على بساط المثنّى: غزارة المَتن وخصوبة الصيغة"، إلى "خطاب النهضة وأزمة "الأنموذج": في نقديّة الجابري"، إلى "الفلسفة المُلتزمة في تجربة كمال الحاج"، انتهاءً بـ "أصالة "العقْلَنة": في الخطاب التراثي"، و"أصالة "الاعتبار": في الثقافة العربيّة"، يلحظُ القارئ إتقاناً في اختيار العناوين، وحرصاً شديداً على انضباط التعبير الفلسفي العربي، ما يكشفُ بوضوحٍ عن الرغبة الدّافعة نحو تطوير القول الفلسفيّ بالعربيّة وجعْلِه مُعاصِراً لنا، لهمومِنا وإشكاليّاتنا، في محاولةٍ نراها ناجحة لدخولِ ساحة العالَميّة.

انطلاقاً من قراءة محتوى الكتاب، يتّضح أنّ هناك خطَّيْن راسخَيْن يَربطان تعدُّد الفصول، على الرّغم من تنوّع موضوعاتها: إنّهما العقلانيّة والنقد والمنهج النقدي. لذا، اخترتُ أن أُخصِّص لهما هذه المقالة. من هنا يُمكن أن أسأل: ما هي مقوّمات العقلانيّة كما تجلّت في كتاب "كلام على شفير الميتافيزيقا"؟ وهل من جدوى في استخدام النقد والمنهج النقدي في الفكر العربي المُعاصر؟

 

أوّلاً: في العقلانيّة

نلحظُ منذ الصفحة الأولى من التمهيد أنّ ألفاظاً مثل عقل وعاقليّة وعقلانيّة وعقْلَنة والاعتبار والتبرير العقلاني تتردّد مراراً وهي تشير إلى انهمامِ المؤلِّف بالعقل وبآليّة اشتغاله، كما تُشير إلى نقطةِ انطلاقه لدرْسِ الموضوعات التي اختارها. يُميّز بين العقلانيّة والعقْلَنة، فنَجده يُعرِّف العقلانيّة بأنّها "رؤية للعالَم تُتَرجِم الاتّفاقَ الكلّي بين ما هو عقلي، بمعنى التناسق والنظام في الكون وواقع الكون نفسه؛ ولعلّ في هذا المفهوم للعقلانيّة ما يَؤولُ بها في رؤيتها للواقع، إلى إقصاءِ ما ليس بعقليّ فيه، (...)" (ص15). أمّا العقْلَنة بالنسبة إليه، فهي "فعلٌ من أفعال العقل يَنهمّ بإقامةِ مُعادَلةٍ بين المنطق الذي يَحكمُ وصفَ أو تفسيرَ ظاهرةٍ من الظواهر وواقعِ الظاهرةِ نفسها، في حين ينصرفُ التبريرُ العقلاني إلى تصوّرِ رؤيةٍ كليّة للكون انطلاقاً من واقعةٍ جزئيّة أو عاملٍ وحيدٍ، كأن تَعتقد جماعةٌ معيّنة أنّ المآسي التي تُعاني منها البشريّة تعود في أصلها إلى عاملٍ واحدٍ أو علّةٍ واحدةٍ، ما يُفضي إلى تهميشٍ أو تغييبٍ ما، قد يكون موجوداً من أسبابٍ أخرى وراء هذه المآسي، (...)" (ص15-16).

يَعتبر المؤلِّفُ أنّ العقلانيّة "كانت على امتداد تاريخ الفكر العربي تحدّياً أمام روّاد التجديد في التراث والساعين إلى زحْزَحَةِ مسلّماته وثوابته، باعتبارها عوائق تحول دون تحقيق النهضة المرجوَّة، وشكّلت العلاقة بين العقل والنقل عموماً، سؤالاً محوريّاً في حقبات الفكر العربي المُختلفة، اتَّخذت في كلّ عصرٍ مُصطلحاً معيّناً، عُرفت في العصر الوسيط بثنائيّة الأصيل والدخيل، وفي العصر الحديث بالتقليد والتحديث، ومن ثمّ بالأصالة والمُعاصَرة، جميعها يدور حول إشكاليّةٍ معرفيّة واحدة، جوهرها صراعٌ على المعنى بين تيّاراتٍ تُقدِّم العقلَ على النصّ التأسيسي، وأخرى تقدّم النصَّ على العقل، وبالتالي فإنّ حركة الفكر العربي على امتداد تاريخه، هي وليدة التجاذُب بين هذَيْن الأُفقَيْن" (ص77-78).

يعود الخوري في سياق كلامه على العقلانيّة إلى ابن رشد وطه حسين ومحمّد عابد الجابري وغيرهم، من دون أن يغفل المرجعيّات الغربيّة مثل أرسطو وديكارت وغيرهما من الذين أَرسوا قواعد التفكير العقلاني وشروط التمييز بين الخطأ والصواب من أجل التوصُّل إلى المعرفة التي لا يَعتريها شكّ.


ثانياً: في ضرورة النقد والمَنهج النقديّ

من الصعب أن يتبنّى الفيلسوفُ العقلانيّة ويعتمدَها سبيلاً في مُقارَبة الموضوعات التي يهمّه البحث فيها من دون أن يتوقّف عند النقد وأهميّته في أيّ مُقارَبة فلسفيّة. لقد أَصبح واضحاً أنّ ما يَجمع بين فصول الكتاب المتعدّدة والمتنوّعة هُما العقلانيّة والنقد. في كلّ فصلٍ تتجلّى العقلانيّة عند وليد الخوري باعتبارها مقاربة نقديّة لفكرة أو نظريّة أو مدرسة فلسفيّة أو واقعٍ مجتمعيٍّ أو سياسيّ. ليس التفلسفُ عنده شيئاً غير النقد أو بالأحرى لا يُمكنه أن يكون بعيداً عنه، حتّى ولو أنّ تبنّي الخطاب النقدي أصبح بمثابةِ "زرْعٍ في تربةٍ مالحة" على حدّ تعبيره، أو أنّه، أي الخطاب النقدي، سوف يَرمي بصاحبه في دائرةِ الغربة عن المحيط والمجتمع والأكثريّة السائدة من حوله. لم يكتفِ بدرْسِ الخطاب النقدي العربي النهضوي والمُعاصر فحسب، لكنّه قامَ بتبنّيه وتطبيقه في أبحاثه ومقالاته ومُحاضراته.

نَجده يُشير في خاتمة كتابه إلى أنّ النظامَ المعرفيّ العربيّ يَحمل في بنيتهِ ضوابطَ تَمنعُ الخروجَ عن القوانين الضّابطة، وتَقمعُ محاولةَ تخطّي ما هو سائد في الحقول الدلاليّة، وتُشكِّك بما تَجود به الأدواتُ المعرفيّة الجديدة، وتُحارِب أيَّ تحريكٍ للركود الفكري، باعتباره "يُعكِّر ثبات الثابت وسُباته" (ص221). إنّ هذا الواقع في نظره قد جَعل الخطابَ النقديّ "مقطوعَ العَصَب، خافِتَ الصوتِ معدومَ الصدى، يُعاني حضورُه في الثقافة العربيّة المُهيْمِنة، من غربةٍ ما بَعدها غربة، رموزُه مهمّشون، مُضْطَهدون، ومُلاحَقون لأنّهم مُتَّهمون من "أهل الجمود" بخلْخلةِ الأصيل وإحداثِ الاضطرابِ في العقيدة وعلومِها، بأدواتٍ معرفيّة دخيلة، (...)، ما يقودُ في نَظَرِ "الجموديّين" إلى تشويه الهويّة الثقافيّة العربيّة والإسلاميّة والقضاء على خصوصيّتها" (ص221).

من ضمن هذا الإطار السوداويّ يَتحرّك د. وليد الخوري كي يَحفر في طبقاتِ الخطاب النقديّ العربي. يُشير بوضوحٍ إلى أنّ البحثَ في الخطاب النقدي يَستحضر "النقاش حول مَصدريّة المعرفة، باعتبارها الجذر الإشكالي، الذي استحكمَ بتاريخ الفكر العربي، واحتلّ الموقع المتقدّم بين الإشكاليّات التي واجَهها، منذ البدايات الوسيطيّة، إلى اليوم"، فنَجده يُميِّز بَين مَصدرَيْن أو قطبَيْن: القرآن من جهة، والعقل من جهةٍ أخرى. يقول: "لقد انعقدت قراءةُ غالبيّةٍ من المُسلمين على يقينٍ دامغٍ، يقطع بامتياز أهل الإسلام على غيرهم، بكتابٍ أنزله الله على نبيّهم، يرعى بأحكامه حياتهم في الدنيا والآخرة، (...)، وهو المصدر المعصوم للقيَم الأخلاقيّة ولشتّى المعارف والعلوم، نظامٌ متكاملٌ لكلّ زمانٍ ومكان، (...)" (ص25). يشير بالتالي إلى أنّ هناك خطاباً آخر نقديّاً حاضراً في التاريخ يقوم بإعادة فتْح "النقاش في المُنطلقات التي يَنبني عليها هذا التسليم لقراءةٍ مُتيقّنة، يصلُ منسوبُ القطعِ فيها إلى حدّ التهويلِ والقدْحِ في كلّ رأيٍ مُخالفٍ لها أو نقدٍ مشكّكٍ في سلامة المقدّمات التي تستلّ منها أحكامها" (ص25).

يَدرس الخوري الخطابَ النقديّ العربيّ فيَلحظ أنّه غريبٌ عن بيئته، يُصارعُ بكلّ قواه ضدّ التيّار، يُساء فهمُه، ويُرمى أصحابُه بأبشع التُّهم. مَن يَقرأ ما آلَ إليه، بعدما أمضى سنواتٍ طويلة في درْسِ النقد والخطاب النقدي في المجال العربي، تنجلي عنده ملامحُ اليأسِ والتعبِ من انتظارِ أن يُثمرَ الزرعُ في "تربةٍ مالحة". يَرى أنّه طالما بقيتِ الفلسفةُ بعيدةً عن التكوين التربوي، وغائبةً إلى حدٍّ بعيدٍ عن المُجتمعات العربيّة، فلا مجال كي ينجحَ أيُّ مشروعٍ إصلاحيٍ، أو أيُّ رؤيّةٍ نقديّة في تغيير الواقع.

بالنسبة إليه، عَبثاً نَطلبُ الإصلاحَ أو نَسعى إلى الحداثة طالما أنّ "أهلَ المسؤوليّة في الساحتَيْن الدّينيّة والمدنيّة وعَبْرَ المؤسّسات التي يشرفون عليها"، لم يقوموا بالعملِ بجدّيّة على إنجازِ قراءةٍ مُعاصِرة للنصوص الدّينيّة، تتقدّمُ فيها المعاني الإنسانيّة الجامِعة على أيِّ معنىً آخر. كذلك جَعْلُ تشريع الفصل بين الدّينيّ والسياسيّ غايةَ هذه القراءة ومحورَها الأساس؛ ثمّ العملُ على إمداد المُجتمع بثقافةٍ تتبنّى هذه القناعة، تبنّياً جازماً وصادقاً، بالإضافة إلى التبشير بهذه القناعة وتشجيع الناس على الاستنارة بمقاصدها البنّاءة في نشاطهم الفكري وحياتهم (اليوميّة). لذا باتَ من الضروري العملُ على استنهاضِ الناس وحثّهم على اكتشاف محاسن القراءة المُعاصِرة للنصوص الدّينيّة من أجل تحقيق التقدّم المنشود (ص32).

واضحٌ أنّ المؤلِّف يُحاولُ وضْعَ الإصبع على الجرح، والإجابة عن السؤال النهضوي الشهير: "لماذا تقدَّم الغربُ وتأخَّر العرب؟"، وهو يَعي تمام الوعي صعوبةَ هذه المهامّ، لا بل استحالتَها، إنْ جازَ التعبير. يقولُ بحزْم: "تلك هي المعضلة - التحدّي...، معالجةُ الأرضِ قَبل الزرْع، إعدادُ المجتمعِ وتحضيرُه، لكي يتقبّل خطاباً يُعيدُ النَّظر في مسلّماتٍ ثقافيّة نَشأ عليها وتربّى (...)" (ص31).

في الختام، لا بدّ من أن نشير إلى أنّ كتاب "كلامٌ على شفير الميتافيزيقا" يُشكّل إنجازاً فكريّاً مُميَّزاً لا يقلّد ما هو شائع في التأليف والنَّشر، إنْ على صعيد المضمون أو الشكل أو الأسلوب أو اللّغة.

يُسدِل المؤلّف في الختام ستارةً سوداء على العقل العربي، ويُنهي كتابه بصورةٍ مظلمة عن واقعِ هذا العقل. يَعتبر أنّ العقلَ العربي "مُعتَقلٌ" فيَحكم عليه بأنّه عقلٌ "يَخاف أن يكونَ ذاتَه، تحدُث المعرفة عنده لا به، ويحصل الفعلُ عنده لا به، (...)، مسكونٌ بالخوف والتردُّد، تُعوزه الجرأة على التفكير الحرّ والواثق، يرتاحُ إلى مَن يفكّر عنه، ويَفهمُ عنه ويقولُ عنه، يُلقي بهمومه على "قادرٍ" حاضرٍ في الأديان والمذاهب والأيديولوجيّات، يُملي عليه اجتراراً عقيماً لمضامينها وتصوّراتها، ويسدّ أمامه كلّ مسلكٍ من مَسالِك السؤال النقدي المُثري والبنّاء" (ص222).


تحليل بث  النقدي


النص قوي فكريًا
وثقيل معرفيًا،
ويحمل مشروعًا فلسفيًا واضحًا،
لكنه في الوقت نفسه يكشف مشكلة متكررة في كثير من الخطابات الفكرية العربية المعاصرة.

ما الذي يلفت الانتباه؟

1- الجرأة في فتح الجرح الحقيقي

الكاتب لا يناور كثيرًا،
بل يضع إصبعه مباشرة على:
أزمة العقل،
والخوف من السؤال،
وهيمنة التلقين.

 

2- قوة البناء الفلسفي

واضح أن وليد الخوري يمتلك خلفية فلسفية عميقة،
ويعرف جيدًا كيف يربط:
ابن رشد،
وطه حسين،
والجابري،
بالفكر العقلاني الغربي.

وهذا يمنح النص ثقله الأكاديمي والفلسفي الحقيقي.

3- تشخيصه لأزمة “النقد”

هذه من أقوى النقاط في المقال كله.

فكرة أن الخطاب النقدي في العالم العربي يبدو:
“زرعًا في تربة مالحة”،
وأن الناقد يُعامل أحيانًا كأنه تهديد للهوية…

فكرة مؤلمة،
لكنها واقعية إلى حد بعيد.

لكن.. أين الإشكال؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية.

أشعر أحيانًا أن بعض الخطابات الفلسفية العربية — ومنها هذا النص جزئيًا — تقع في مشكلة:
النظر إلى العقل وكأنه “الضحية الوحيدة”،
وإلى المجتمع وكأنه كتلة جامدة تقف ضد التفكير.

بينما الواقع أكثر تعقيدًا.

فليس كل تمسك بالدين جمودًا،
ولا كل تحفظ على بعض الطروحات عداءً للعقل.

وأحيانًا،
تقع بعض الخطابات الفلسفية — دون أن تشعر — في نوع من النخبوية،
فتبدو وكأنها تتحدث عن المجتمع أكثر مما تتحاور معه.

الملاحظة الأعمق

النص ينتقد “العقل العربي المعتقل”،
لكن السؤال الأهم ربما يكون:

هل المشكلة فعلًا في العقل العربي وحده؟

أم في:
الأنظمة التعليمية،
والخطاب الإعلامي،
والاستبداد السياسي،
والفقر،
والخوف،
والصدمات التاريخية،
والفوضى الثقافية،
وحتى النموذج العالمي نفسه؟

أحيانًا يبدو أن بعض المفكرين العرب يحمّلون “العقل العربي” وحده مسؤولية قرون كاملة من التعقيد والتراجع.

المنطقة الأكثر حساسية

الكاتب يتحدث عن:
“الفصل بين الديني والسياسي”
بوصفه شرطًا للتقدم.

وهنا تبدأ الإشكالية الكبرى.

لأن هذه الفكرة في العالم العربي لا تُقرأ فقط بوصفها طرحًا فلسفيًا،
بل قد تُفهم أحيانًا كصدام مع الهوية،
أو كتهديد ثقافي،
أو كتكرار لنماذج غربية دون مراعاة خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية.

ولهذا،
كان النص يحتاج — في بعض المواضع — إلى:
جسور أكثر،
وأحكام نهائية أقل،

حتى لا يتحول النقاش إلى مواجهة حادة بين فكرين،
تنتهي أحيانًا بهزيمة الطرف الذي لا يستطيع الإجابة عن السؤال الأكبر:

إذا كانت الحضارة العربية قد بلغت ذروة حضورها التاريخي في مراحل كان الدين فيها حاضرًا بقوة في الوعي والحياة،
فكيف يُختزل التراجع لاحقًا في الدين وحده؟

وكيف يمكن تجاهل أن كثيرًا من المجتمعات العربية، حين ارتهنت لأفكار مستوردة أو لتحررٍ غير متوازن،
وجدت نفسها أمام أشكال جديدة من:
التبعية،
والاستعمار،
والهيمنة؟

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:
أيُّ عقل كان أكثر قدرة على بناء الحضارة؟
وأيُّ عقل انتهى إلى الهزيمة والانكسار؟

الخلاصة

الكتاب مهم،
ويستحق القراءة فعلًا،
خصوصًا للمهتمين بالفلسفة والنقد الفكري.

لكنه أيضًا يعكس مأزقًا عربيًا قديمًا:
كل طرف يرى نفسه حامل الحقيقة،
بينما المشكلة الحقيقية ربما تكمن في:
غياب المساحة الآمنة للحوار العميق والمتوازن.