بروباغندا فارغة
أو.. “بروباغندا غبية”
كتب: عبدالله العميره
ما البروباغندا؟
في أصلها
هي فن التأثير على الجماهير،
وتوجيه الرأي العام،
وصناعة القناعات،
عبر:
الإعلام،
والخطاب،
والتكرار،
والصورة،
والرموز،
والعاطفة.
وقد ارتبطت تاريخيًا بالحروب الكبرى،
والأنظمة الأيديولوجية،
والصراعات السياسية،
حتى أصبح اسم جوزيف غوبلز أحد أشهر الأسماء المرتبطة بما يُعرف بـ:
“الدعاية الممنهجة”.
لكن البروباغندا — رغم خطورتها — لم تكن دائمًا غبية.
بل إن أخطر أنواعها تاريخيًا،
كانت ذكية،
ومنظمة،
وتفهم:
النفس البشرية،
والمخاوف،
وطريقة تفكير الجماهير.
أما اليوم،
فنحن أمام نوع مختلف تمامًا:
“بروباغندا فارغة”
لا تترك الأثر الحقيقي الذي تصنعه البروباغندا الذكية والممتلئة بالمضمون.
أو إن شئتم:
“بروباغندا غبية”.
لماذا غبية؟
لأنها وصلت أحيانًا إلى مرحلة يمكن وصفها بـ:
“الدعاية الببغاوية”.
تكرار أجوف،
واستهانة فجة بالعقول،
وإعادة تدوير للسطحية،
حتى يتحول المشاهد من متلقٍ إلى شخص يشعر بالإهانة.
تفتح القنوات صباحًا،
فتجد:
العنوان نفسه،
والنبرة نفسها،
والصياغة نفسها،
والـ“عاجل” نفسه،
وفي الصحف أيضًا:
تكرارًا مملًا،
دون سبرٍ لأغوار الحدث أو قراءة أعمق له
ثم تعود مساءً،
فتكتشف أن العالم تحرك،
لكن الشريط الإخباري لم يتحرك معه.
الحدث انتهى،
وتولدت عنه أحداث جديدة،
لكن “العاجل” بالعنوان القديم ما زال حيًا!
وهنا لا نتحدث عن:
بطء مهني فقط،
بل عن عقلية إعلامية تعتقد أن:
التكرار يصنع التأثير،
حتى لو كان المحتوى فارغًا.
في الماضي،
كانت البروباغندا تحاول إقناعك.
أما اليوم،
فبعضها لا يحاول حتى التفكير معك،
بل يطلب منك فقط:
أن تستهلك،
وتصفق،
وتكرر،
دون أدنى احترام لعقل المتلقي أو وعيه.
ولهذا أصبحت معظم التغطيات أقرب إلى:
ضجيج دائري،
لا معلومة،
ولا تحليل،
ولا كشف،
ولا حتى حبكة ذكية.
عناوين تتكرر .. بلا روح
خذوا بعض الأمثلة المتكررة في نشرات اليوم الواحد:
“ترامب: هدوء قبل العاصفة”
“ترامب يتوعد إيران: الصفقة أو التدمير”
“ترامب: على إيران التحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى منها شيء”
عنوان يُعاد تدويره منذ شهر… ثم يعود اليوم تحت شريط “عاجل”!“نتنياهو: مستعدون للحرب”
“نتنياهو: سأتحدث مع ترامب”
“اتفاقات بين أميركا والصين حول الرسوم”
“لقاء بين قاليباف ووزير الخارجية الباكستاني”
“ هجوم على المفاعل الإماراتي ..ولا أضرار” .. تكرار العنوان طوال النهار!
“تضرر جزء من المفاعل نتيجة حريق في محرك كهربائي”
عناوين تتكرر ضمن خطاب أحادي الاتجاه،
أو ما يمكن تسميته:
“خطاب الذات”،
الذي يكرر روايته الخاصة،
دون قراءة أو تفسير أعمق للحدث،
أو احترام لحق المتلقي في الفهم والتحليل،
أو حتى توضيح سبب هذا التكرار من وجهة نظر الوسيلة نفسها.
المتابع،
فغالبًا أصبح أكثر ذكاءً مما يتصور البعض… وهو يعرف.
بل إن المتابع البسيط نفسه قد يسأل:
لماذا لا يُفسَّر ما حدث بوضوح؟
ثم يأتي من يجيب:
“هذه أسرار لا يجوز كشفها للعدو!”
فيرد المتابع باستهجان وسخرية:
وهل من نفّذ الضربة يجهل ما الذي فعله أصلًا؟
أم أن المشكلة أصبحت في ضعف الثقة بطريقة تعامل بعض وسائل الإعلام مع الحقيقة؟
وهنا تبدو الأزمة وكأنها حلقة مفرغة:
بين ضرورة إظهار تفاصيل الحدث،
أو التحفظ عليه،
دون امتلاك صيغة إعلامية ذكية تحقق التوازن بين:
الوعي،
والمهنية،
والمسؤولية.
لماذا يُعاد تدوير العناوين دون فحص تقني أو استراتيجي دقيق؟
أحيانًا،
يبدو أن المتلقي يملك منطقًا وتحليلًا أقرب للحقيقة،
أكثر من بعض من يصنعون العنوان نفسه.
بل إن بعض الأخبار تُقدَّم وكأن المطلوب من الجمهور:
الانفعال فقط،
لا الفهم.
الشجب .. كقالب مستهلك
أما العبارة الأشهر في الإعلام العربي:
“الشجب والاستنكار”..
و:
“الاعتداءات الغاشمة تجاوزت الخطوط الحمراء”
فهنا تتجلى الأزمة بأوضح صورها.
يا سادة،
منذ عشرات الأيام،
والخطوط الحمراء تُتجاوز صباحًا ومساءً.
أما “الشجب”،
فهل يدرك البعض أن معناها اللغوي يرتبط بالحزن الشديد أو الهلاك؟
السؤال الذي يطرحه المتلقي بوضوح:
ماذا بعد الشجب،
وبعد هذا الاستنكار المتكرر؟
لأن المشكلة ليست في العبارة وحدها،
بل في تحولها إلى:
نص محفوظ،
ورد فعل متكرر،
يفقد قيمته مع كثرة الاستخدام وغياب التأثير الحقيقي.
أحيانًا،
يصبح الصمت أكثر احترامًا،
من تكرار لغة فقدت:
هيبتها،
وتأثيرها،
ومعناها.
الإعلام الاحترافي لا يعيش على:
القوالب الجاهزة،
ولا على العبارات المستهلكة،
بل على القدرة المستمرة على:
إعادة قراءة الحدث،
وصناعة لغة جديدة،
وتقديم فهم أعمق للجمهور.
المبدعون من المتخصصين والخبراء يمتلكون القدرة على تحقيق هذا التوازن باحترافية ووعي.
الضجيج بدل العمق
أما “البروموهات”،
فحدث ولا حرج.
كم هائل من:
الضجيج،
والتقليد،
والاستعراض،
والتوتر المصطنع،
والحوارات “التوك شوية” المستهلكة،
حتى أصبح بعضها غارقًا في التكرار والتخلف المهني إلى قمة الرأس.
وجوه تصرخ،
وعناوين تهتز،
وموسيقى تتوعد،
لكن المحتوى؟
فارغ.
وكأن بعض المؤسسات الإعلامية اكتشفت وصفة عجيبة:
إذا لم نملك العمق..
فلنرفع الصوت!
والمشكلة ليست فقط في ضعف المهنية،
بل في أن بعض هذه المنصات لم تعد تصنع إعلامًا،
بل تصنع:
إدمانًا بصريًا،
وضجيجًا انفعاليًا،
واستهلاكًا مستمرًا للتفاهة.
إنها بروباغندا لا تثق بالعقل،
بل تراهن على:
الإرهاق،
والتكرار،
والتشويش،
وإغراق المتلقي بسيل من العناوين المستهلكة حتى يفقد قدرته على التركيز والتفكير.
حين يفقد الإعلام احترام العقل
الأخطر من كل ذلك،
أن بعض القائمين على هذا الخطاب يظنون أنهم:
“أذكياء”.
بينما هم في الحقيقة يكشفون حجم الأزمة التي يعيشها الإعلام حين يفقد:
الفكرة،
والتحليل،
والاحترام الحقيقي لعقل الإنسان.
العقول التي يعلوها الصدأ طويلًا،
لا تُلمّعها الزخارف،
ولا تنقذها المؤثرات البصرية،
ولا يخفي ترهلها المهني ذلك البريق الصناعي المؤقت.
لأن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت،
ولا بعدد “العواجل”،
بل بقدرته على:
الفهم،
والتفسير،
وكشف ما وراء الضجيج.
أما البروباغندا الفارغة،
فقد تنجح في إثارة الانتباه لبعض الوقت،
لكنها على المدى الطويل،
تتحول إلى عرض متكرر يستهلك نفسه بنفسه،
حتى يفقد تأثيره،
ويتحول من أداة تأثير…
إلى مادة للسخرية والتندر.
ويبقى السؤال الأكبر:
لماذا يستمر هذا التراجع،
رغم وجود إعلاميين يمتلكون الوعي والقدرة على تقديم قراءة أعمق وأكثر احترافية؟
الجواب غالبًا:
لأن بعض المؤسسات ما زالت تدير الإعلام بعقلية “التوك شو”،
لا بعقلية المعرفة والتحليل.
فهي تخشى التفكير المختلف،
وتفضّل:
الضجيج السريع،
والقوالب الجاهزة،
والإثارة السهلة،
على الإعلام الذي يحترم عقل المتلقي ويواكب تعقيد العالم.
ختام
- الهيمنة الإعلامية لا تُصنع بالضجيج،
بل بقوة الطرح،
ودقة التحليل،
والقدرة على فهم عقل المتلقي. - ليست كل الأحداث تستحق “الفوكس” ذاته،
فهناك قضايا جوهرية تُهمَّش،
وأخرى تُضخَّم حتى تفقد معناها الحقيقي. - الحدث صورة،
لكن الصورة الاحترافية المستخرجة من الحدث،
قد تكون أبلغ تأثيرًا من ألف تعليق أو صراخ إعلامي. - وكما أن للخبر الذاتي سلبياته،
فإن “الصورة الذاتية” أحيانًا تكون أكثر ضررًا،
حين تتحول إلى خطاب مكرر لا يرى العالم إلا من زاوية واحدة. - وما يصل إلى العالم عن المملكة،
لا يعكس حتى جزءًا كاملًا من حجم إنجازاتها الحضارية،
وقوتها،
وتحوّلاتها الكبرى.
فكثير مما يُقدَّم ما زال حبيس:
الأرقام،
والخطاب الذاتي،
والطرح المحلي،
دون ترجمة صحفية احترافية تصل إلى عقلية المتلقي العالمي بلغته وأدواته واهتماماته.
- والأسوأ،
أن كثيرًا من الخطاب الإعلامي يُنتَج ثم يُترك،
دون جهد حقيقي في:
قياس الأثر،
وفهم التفاعل،
ومعرفة كيف يقرأ العالم رسائلنا فعلًا،
لا كيف نتصور نحن أنها وصلت.
هناك دول تسبق أفعالُها أقوالَها
تفعل كثيرًا
وتتحدث قليلًا،
كما هو حال الدول الواثقة بقوتها وتأثيرها.
وفي المقابل،
هناك دول تُكثر من الخطاب والضجيج،
بينما يبقى الفعل محدودًا أو أقل من حجم الرسائل التي تحاول تصديرها.
وفي الإعلام الاحترافي،
يختلف التعامل مع الدول الكبيرة بأفعالها،
عن الدول الثرثارة التي تحاول تضخيم حضورها بخطاب أكبر من واقعها
وقد يسأل البعض:
ما المطلوب ليتحسن الحال.. لتكون القنوات العربية الإخبارية وحدة واحدة، تعمل في تنافس مهني ذكي يقدم إعلام مؤثر للصالح الخاص والعام؟
والإجابة .. موجودة بين سطور هذا المقال.
ألا يوجد في الساحة الإعلامية مبدعون؟
بلى… ولكن المشكلة ليست دائمًا في غياب المبدعين،
بل في بيئات إعلامية ما زالت تُفضّل التكرار الآمن،
على الإبداع الذي يفكر ويُزعج القوالب القديمة.
القنوات الإخبارية العربية من المحيط إلى الخليج تبث من الأرض إلى الأرض عبر الفضاء،
لكن كثيرًا من خطابها ما زال محصورًا داخل دائرة:
“الذات تخاطب الذات”،
أو من التراب الوطني إلى جمهوره على ذات التراب
وكأن العالم الخارجي لم يدخل بعد في حسابات الرسالة الإعلامية!.